
في تلك البلاد التي كان فيها الحاجز أكثر عددًا من أشجار التوت، وكان الجندي يملك سلطةً عليك أكثر من رئيس البلد، كانت زوجته تؤمن بحقيقة كونية لا تقبل الجدل: لا يكتمل الإفطار إلا بالمعروك والمشبك. المعروك عندها ليس خبزا محلى، بل ركنًا من أركان الدين. والمشبك ليس حلوى، بل شهادة حسن سلوك اجتماعي. من يفطر بلا مشبك كمن يصلي بلا وضوء.
منذ السحور، وهي تضع يدها على خدها، وتقول بصوت فيه حنان القلق وصرامة المحاسبة: ماذا سنفطر اليوم؟ كان يمد رجليه بتعب ويجيبها بحكمة الفلاسفة الذين لا يملكون ثمن الحكمة: يا بنت الحلال، حتى موعد الفطور، يخلق الله ما لا تعلمون. الله يخلق، نعم. لكن صاحب الفرن لا يبيع بالدعاء. يستيقظ مع الفجر، يذهب إلى عمله. الطريق كله متوتر. الحواجز موزعة مثل علامات التعجب في نص طويل من الرعب. كل حاجز سؤال. وكل سؤال قد يكون الجواب الأخير. كان يخاف أن يعرفوه من تلك المنطقة. فالمنطقة صارت تهمة. والاسم صار قرينة. واللهجة صارت تقريرا أمنيا يمشي على قدمين. وكانوا يشمون رائحة فمه. نعم، يشمون. في بلاد أخرى، يشم الناس الورود. أما هنا، فالصيام يُكشف بأنف عسكري مدرَّب. ويا ويله، وسواد ليله، إن كانوا مفطرين وهو صائم. فالصائم متهم بأنه يعترض على جدولهم الغذائي.
قبل أن يخرج، كانت تمسك بطرف قميصه وتقول: دير بالك… تجي عالفطور ومو معك قرص معروك أو مشبك لقيمات! كأنها تقول: إياك أن تخون الوطن. الوطن هنا هو صحن الإفطار.
نظر إليها تلك الليلة نظرة أبطال المسلسلات حين يعدون بالعودة من الحرب. وقال بثقة رجل لا يملك إلا كلمته: والله ما برجع إلا ومعي اللي طلبتيه.
في الاستراحة، حسب مصروفه اقتطع من دخان لم يدخنه. ومن قهوة لم يشربها. واشترى المعروك. واشترى المشبك. وضعهما في كيس شفاف، كأنهما كنز صغير. كان يمشي عائدًا وفي يده الكيس، يشعر بشيء من الفخر. اليوم لن يكون الإفطار ناقصا. اليوم سيجلسان مثل الناس الذين لديهم حياة عادية. لكن الحياة العادية كانت تمر عبر حاجز. أوقفوه. انزل ولاك .. نزل. نظروا إلى هويته. ثم إلى وجهه. ثم إلى اسم أبيه. ثم إلى المنطقة. ثم إلى الكيس. شو هاد؟ معروك… ومشبك. نظروا إليه نظرة من لا يحب الحلويات. سأله أحدهم: صايم؟ هنا، كان عليه أن يختار بين معدته وكرامته. بين الحقيقة وسلامة الأسنان. لا أحد يعرف ماذا قال. ولا ماذا شمّوا. ولا لماذا طال التفتيش. المهم أنهم أخذوه. وأخذوا الكيس أيضا. هي في البيت، رتبت المائدة. وضعت الصحون.
أعدّت العدس. قطّعت البصل وهي تمسح دمعتها بكمها وتقول: “من البصل… من البصل.” قبل الأذان بدقائق، كانت تنظر إلى الباب. تقول في سرها: الآن سيدخل… وسيقول: شوفي شو جبتلك! مرّ الأذان. بردت الشوربة. يبس الخبز. ولم يأتِ. في اليوم الأول قالت: يمكن تأخر. في اليوم الثاني قالت: يمكن موقوف سؤال وجواب. في الأسبوع الأول قالت: أكيد راجع.
ثم بدأت تقول جملة قصيرة، مثل حجر في بئر: “الله يفك أسره.” مرت السنوات. الحواجز تغيّرت. الوجوه تغيّرت. الشعارات تغيّرت. لكن الكرسي الفارغ بقي في مكانه. كل رمضان، تضع على الطاولة قرص معروك… وقطعة مشبك. لا تأكلهما. تقول للجارات: وعدني يرجع فيهم. وفي تلك البلاد، قد يختفي رجل بسبب اسم. أو منطقة. أو رائحة فم. لكن أكثر ما يؤلم، أن يختفي وهو يحمل كيس معروك… كان كل ذنبه أنه أراد أن يكتمل الإفطار.






