رغيف ” التالي ” (يكفي الجميع )

  عساف سلامة السلمان

في تلك الزاوية الدافئة من العالم، حيث لا شيء يشبه نفسه خارجها، كانت النار تتكلم ببطء، كأنها تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. أخرجت الجمرات من “التغية” بحذر، واحدة تلو الأخرى، كأنني ألتقط قلوبا حمراء نابضة. وضعتها جانبا، ثم جئتُ بـ“الچيدان”، ذلك الإناء الأسود الذي حفظ أسرار الشاي لسنوات، وسكبت فيه الماء من القربة الملفوفة بالجنفاص، المعلقة على الحائط مثل شاهدٍ صامت على كل صباحاتنا ومساءاتنا. وضعتُ الجيدان فوق الجمر، وبدأ الماء يرتجف قبل أن يغلي، بينما عيني الأخرى كانت مشدودة إلى أمي. كانت تجلس أمام الصاج، بوقار يشبه طقوسا قديمة، تُحضّر الرغيف الأخير… “التالي”.

يا له من اسمٍ بسيط، لكنه يحمل كل شيء. “التالي” لم يكن مجرد رغيف. كان الخاتمة، التوقيع الأخير في سيمفونية الطحين والدخان والعرق. كان وعدا صغيرًا بالفرح، ننتظره نحن الأطفال كما يُنتظر العيد. كانت أمي قد أنهت كريات العجين، ومدّتها بالمرگ . المرگ هو عصا حوالي سبعين سم ،أثخن من الإبهام مرة ونصف ، تستخدمه الفراتيات في رق العجين ، على الغطاوة ، بحركة تعرفها يداها أكثر مما يعرفها عقلها. تلوّح العجين على ذراعيها حتى يصير دائرةً شبه كاملة، كقمر خرج للتو من يد امرأة. لكن “التالي” مختلف. كان أثخن، أكثر امتلاءً، كأنه يحتفظ بشيء من روح العجين التي لم تُستهلك بعد. وكانت أمي تثقبه بأصابعها، ثقوبا صغيرة، كأنها تفتح له نوافذ كي يتنفس وهو ينضج.

في تلك الأثناء، أضفتُ كأسا من السكر الناعم إلى ماء الجيدان الذي بدأ يغلي، ثم فتحتُ القطرميز وأخرجتُ “حشيشة الشاي”. حفنةٌ صغيرة، لكنها كافية لتغيير رائحة العالم. رميتها في الماء، وغطّيت الچيدان ، وتركته يتخمّر على أطراف الجمر، كما تُترك الأسرار على حافة الكلام. وفجأة .. امتلأ المكان برائحة “التالي”. لم تكن مجرد رائحة خبز، بل شيء أقرب إلى العطر. عطرٌ دافئ، ثقيل، يلتصق بالذاكرة قبل الأنف. قلبت أمي الرغيف بالمرق، بحركة واحدة واثقة، كأنها تعرف تماما متى يصبح الشيء جاهزا، ومتى يجب أن يُرفع قبل أن يفوته أوانه.

نضج الشاي. ونضج “التالي”. وضعت أمي كأسين على الأرض. جلستُ مقابلها، وافترشت الأرض ب”گصيرتي” الممزقة، التي لم تكن عيبا يومها، بل كانت جزءا من المشهد.

سكبتُ الشاي. لونه داكن، يلمع كأنه يحمل الليل في داخله. قسمت الرغيف إلى أربعة أقسام، وأخذتُ نصيبي. قطعتُ قطعةً صغيرة، غمستها في الشاي، وانتظرت لحظة… تلك اللحظة القصيرة التي يلين فيها الخبز ويشرب من طعم الشاي.

ثم أكلت.

لا أعرف كيف أصف الطعم. كان مزيجا من الحلاوة والدخان، من التعب والراحة، من أمي… ومني. كانت أمي تفعل الشيء نفسه قبالتي، بصمتٍ مريح، كأن الكلام قد أُنجز منذ زمن، ولم يبقى إلا هذا الطقس الصغير الذي يجمعنا.

وعند الباب، كان الكلب ممددا، باسطا ذراعيه، يراقبنا بعينين تعرفان تماما أن له نصيبا. لم يكن ضيفا، بل واحدا منا، ينتظر دوره في هذه الوليمة البسيطة. أعطيته قطعة من “التالي”.

أخذها برفق، وكأنه يعرف قيمتها. في تلك اللحظة، لم يكن في العالم شيء ناقص. لا المدن البعيدة، ولا الأحلام الكبيرة، ولا الأشياء التي لم نملكها يوما.

كان هناك فقط: جمرٌ يهدأ، شايٌ يُحتسى، أمٌّ تصمت بحنان، ورغيف “التالي”… يكفي الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى