
تمرّ الذكرى الثمانون للاستقلال الوطني لسوريا في الوقت الذي يوجد فيه أكثر من مليون شهيد، وآلاف المغيّبين قسريًا، والنازحين داخل البلاد الذين ما زالوا في المخيمات، وملايين اللاجئين في الدول الإقليمية وأوروبا، وأكثر من مليون معاق، وحوالي مليون طفل خارج العملية التعليمية.
ومنذ التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تعيش سوريا مرحلة انتقالية، ومن المهم رؤية محتوى هذه المرحلة وصياغة أسئلتها لضمان الاستقلال الثاني، انطلاقًا من التحوّل المؤسسي القائم على مجموعة قيم دولة الحق والقانون: الحرية والكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، على طريق إنجاز هذا الاستقلال.
إنّ الدولة فضاءٌ عمومي لكل المواطنين يحكمه القانون المتوافق عليه، مما يفترض تقديم أهل الكفاءة والمصداقية الوطنية على أهل الولاء من أتباع المنهج السلفي، بهدف تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين: التعليم، والصحة، والسكن، والعمل.
وفي هذا السياق، تواجهنا عدة أسئلة وتحديات: هل ستكون الجمهورية السورية الثالثة دينية أم مدنية؟ وما مدى ضمانها للحريات الفردية والعامة، بما فيها حرية المعتقد؟ وكيف يتم تأمين التداول على السلطة والفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)؟
إنّ تجارب الدول التي خرجت من الصراعات المدمّرة، كما حالنا في سوريا، أثبتت أنّ الشعوب قادرة على النهوض وخلق فرص أمل لإعادة صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية، مستندة إلى نظام سياسي عادل يستطيع حشد كل إمكانات المجتمع للتعاطي المجدي مع التحديات، بما يضمن حقوق جميع المواطنين. إذ إنّ ترحيب السوريين بالتغيير نابع من توقهم إلى الحرية والعدالة، بعد معاناتهم طوال 54 عامًا من الدولة الأمنية للنظام البائد، ويأملون أن يعود التوازن بين المجتمع وسلطة المرحلة الانتقالية. ويتساءلون عن المؤسسات الكفيلة بإنتاج حياة سياسية جديدة لكل مكوّنات الشعب السوري، تكون مؤهلة لإعادة إنتاج دولة الاستقلال الثاني، بما يحوّل حالة الفوضى الراهنة إلى عملية بناء لا تقوم على الصراع، وإنما على عقد الوطنية السورية الجامعة. وما الذي ينبغي تغييره؟ وكيف يُعاد إنتاج النظام السياسي الذي يؤسس للتغيير بكل مستوياته؟
إنّ الدولة فضاءٌ عمومي لكل المواطنين يحكمه القانون المتوافق عليه، مما يفترض تقديم أهل الكفاءة والمصداقية الوطنية على أهل الولاء من أتباع المنهج السلفي، بهدف تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين: التعليم، والصحة، والسكن، والعمل. وهذا يتطلب التنمية الشاملة لاستثمار الموارد الطبيعية والبشرية وتطويرها وتوظيفها لقيام اقتصاد منتج، يرفع مستوى معيشة السكان ويؤمّن العدالة الاجتماعية.
إنّ الأمر يتطلب الاجتهاد في المفاهيم المتداولة لدى الرئيس المؤقت ومساعديه، لتأكيد التوافق بين الأطياف الفكرية والسياسية والمكوّنات الطائفية والقومية، لضمان السلم الأهلي والوحدة الوطنية على أساس المواطنة المتساوية. وهذا يتطلب تحصين الرئيس نفسه بمجالس استشارية من أهل الكفاءة، وبأكثرية سياسية وفكرية واسعة، والإقلاع عن الاعتقاد بالاكتفاء برجاله في هيئة تحرير الشام.
إنّ مهامّ داخلية كثيرة أمام السلطة، في مقدمتها الحدّ من أعباء العيش على المواطنين، إذ إنّ الفقر المتزايد يشكّل بيئة مناسبة لتهديد السلم الأهلي. في حين أننا أحوج ما نكون إلى تنمية تشاركية بين مختلف القطاعات، وتشريعات ضامنة، ومؤسسات وقضاء مستقل، وحوكمة رشيدة تقوم على المساءلة والشفافية.
وبعد ستة عشر شهرًا على التغيير، يبدو واضحًا أننا إزاء مفارقة بين ما هو مُعلن والواقع، إذ إنّ معظم القوانين يترافق تنفيذها مع نية إبطال مفعولها من قبل قوى الأمر الواقع وأمراء المناطق الحليفة لقيادة السلطة من أهل الولاء. ويبدو أنّ ثمة غيابًا لدى أولي الأمر عن التفكير في صياغة الحلول المجدية لسائر المشكلات والتحديات الداخلية والخارجية، وصياغة الخطط والبرامج لتحقيق الطموحات الشعبية في حياة حرة وكريمة ومستقرة وآمنة لكل أفراده، بمعنى تحويل الضرورات إلى وقائع.
إنّ الأمر يتطلب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا والتحديات، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال إلى الحوار الوطني الشامل، الهادف إلى بناء دولة الحق والقانون، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.
ومن أجل ذلك، مطلوب اليوم أن تتحول الخطط والبرامج إلى واقع حقيقي معاش يلمسه الناس، ليس في الشعارات والإعلام كما هو حالنا اليوم، بحيث تتوفر لكل المواطنين والمواطنات فرصة للتعليم الجيد والعمل المنتج والسكن المناسب والأمن الصحي والغذاء الكافي. ومن أجل تحقيق هذه المتطلبات الأساسية، نحتاج إلى حوكمة رشيدة تعتمد الشفافية والرقابة والتشاركية والمأسسة، بما تنطوي عليه من تمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام فيما يتعلق بالدور والملكية والسلطة، والاتصال والديمومة في أداء الوظائف، والدقة البالغة في تعيين الاختصاص والتمييز بين الأدوار، وتقسيم العمل، وإحداث التكامل بين الوظائف والاختصاصات عبر آليات الكفاءة.
وفي هذا السياق، لا شكّ أنّ نجاح الوصول إلى الاستقلال الثاني مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم على إلغاء كل القيود على الحريات الفردية والعامة، وتقوم أيضًا على الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، بما يضمن قيام دولة حق وقانون عادلة. إذ لا يمكن الحديث عن سياسات تنموية في ظل انسداد أفق تأمين شروط انتقال سياسي حقيقي، يضمن الانتقال من دولة تتسلط عليها أسرة ومشايخ إلى دولة تفتح أفقًا نحو سلطة تضمن الحريات العامة وحقوق الإنسان الأساسية.
إنّ الأمر يتطلب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا والتحديات، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال إلى الحوار الوطني الشامل، الهادف إلى بناء دولة الحق والقانون، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.
ومن غير الممكن تصور النجاح بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع السوري حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة. وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، فإنّ الحراك الشعبي السلمي هو الفاعل الأساسي اليوم، وهو أيضًا الصانع لقيم جديدة على طريق الاستقلال الثاني: الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، ولشرعية جديدة تتجاوز التفرد في السلطة وهيمنة الديني على السياسي. ولعلّ الدعوة إلى الاعتصام السلمي الصامت في دمشق تحت اسم “اعتصام قانون وكرامة” بمناسبة ذكرى الاستقلال، أحد تعبيرات الغضب الشعبي من تخبط سلطة المرحلة الانتقالية في مجال معيشة المواطنين: الكهرباء والغاز والصحة والتعليم والمواد الغذائية.
المصدر: تلفزيون سوريا


