
حُمِّلت نتائج الانتخابات العامة المجرية (الهنغارية) أكثر مما تحتمل، وذلك باعتبارها هزيمة لإدارة ترامب، أو بوصفها انكساراً لموجة الصعود أقصى اليمين في الديمقراطيات الغربية.
صحيح كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان رمزاً قيادياً لأقصى اليمين الأوروبي، ونجاحاته السياسة في بلده مثلت إلهاماً للأحزاب اليمينية في القارة العجوز وخارجها. وصحيح أيضاً أن بودابست في فترة حكم أوربان الطويلة قدمت نموذجاً لعولمة اليمين، وكأنها جسر واصل بين موسكو بوتين في الشرق وواشنطن ترامب في الغرب. علاوة على أن المجر كانت حصان طروادة العداء للاتحاد الأوروبي من داخله. لكن بعد 16 عاماً من الحكم، ليس من المدهش أن يخسر حزب “فيدس” الانتخابات بفعل تململ الناخبين الراغبين في تغيير الوجوه.
تقلب الأمزجة التصويتية بعد عقد ونصف عقد ليست بالضرورة علامة على تبدل في اتجاه رياح السياسة العالمية ولا الأوروبية حتى، بل قد يمكن تفهمها من زاوية السياسات المحلية في البلد الصغير، والذي لا يتجاوز عدد سكانه العشرة ملايين نسمة. فسلسلة من فضائح الفساد الحكومي الكبرى منذ العام 2024، كانت وراء موجة غضب بين الناخبين ضد الحزب الحاكم، ودفعت الكثيرين إلى الانشقاق عنه، ومن بينهم بيتر ماجار زعيم حزب تيسا الفائز بالانتخابات الأخيرة.
تلقت إدارة الرئيس ترامب انتكاسه معنوية صغيرة بخسارة أوربان للانتخابات، وبالأخص وهي تفتقد هذه الأيام للحلفاء على الجانب الآخر من الأطلسي. وتأتي تلك الانتكاسة مضاعفة إعلامياً، بعد إيفاد الرئيس الأميركي لنائبه دي فانس إلى بودابست لدعم الحملة الانتخابية لأوربان. وهي الزيارة التي أثبتت أنها فألاً سيئاً على الرجل. ويصعب الجزم باتجاه “تأثير ترامب” على الانتخابات وراء البحار. فمحاولة الإدارة الأميركية الحالية للتأثير على أصوات الناخبين في دول أخرى جاءت بنتائج متضاربة، وإن حظيت ببعض النجاح في أميركا اللاتينية، وجلبت نتائج عكسية في أماكن أخرى.
لكن الشروخ في جدار اليمين العالمي لا تظهر في بودابست وحدها، بل في أماكن أخرى كثيرة. التلاسن الجاري بين الرئيس الأميركي ورئيسة الوزراء الإيطالية، الوجه الحسن لأقصى اليمين الأوروبي، يكشف عن تباعد يزداد اتساعاً بين الإدارة الأميركية وحلفائها من أحزاب أقصى اليمين حول العالم. في الوقت نفسه، قيام روما بتجميد اتفاقية التعاون العسكري مع تل أبيب، مع إنها تظل خطوة رمزية، لكنها تشير إلى تغير في بوصلة اليمين الأوروبي. فإسرائيل لطالما مثلت مصدر إلهام للتيارات اليمينية المعادية للإسلام حول العالم، ولذلك فإن خطوة الحكومة الإيطالية اليمينية ضدها تعد أمراً جديراً بالانتباه.
مبدأ “أميركا أولاً” يجعل من عولمة اليمين بنية تحمل بذور تفككها داخلها. أو بالأحرى يمكن القول أن عولمة اليمين بالمطلق ليست سوى تكتيك مؤقت ومرحلي، لا بد له أن ينتهي بتضارب حاد للمصالح. على سبيل المثال، شكلت التعريفات الجمركية الأميركية على الهند، صدمة لحكومة مودي ولمؤيدي تيار القومية الهندوسية. ليس من المفاجئ أن يتضح أن شعاري “أميركا أولاً” و”الهند أولاً” غير متوافقين بشكل جذري.
وفي لندن، داوم حزب الإصلاح البريطاني اليميني على الاحتفاء بسياسات الإدارة الأميركية الحالية، وفي المقابل نال استحساناً علنياً من ترامب وتيار “ماغا”. إلا أن المسار الكارثي للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وآثارها السلبية على الاقتصاد البريطاني، بالإضافة إلى هجوم ترامب المتواصل والمهين على رئيس الوزراء البريطاني وحكومته، وعلى القدرات العسكرية البريطانية، وضع حزب الإصلاح في موضع حرج أمام مؤيديه في الداخل. ما دفع زعيم الحزب، نايجل فاراج وهو الحليف القوي لترامب، إلى الانقلاب عليه أخيراً، والتراجع عن تأييده للحرب التي تشنها واشنطن في منطقة الخليج.
لا يعني هذا بالضرورة انحساراً لحظوظ اليمين حول العالم، بل يشير إلى أن ظاهرة عولمته تعاني انتكاسه من غير المتوقع تجاوزها.
المصدر: المدن


