
سميرة بدران شاعرة وروائية سورية متميزة. رواية لن يقاسموني التل للكاتبة سميرة بدران هي أول عمل أدبي اقرأه لها.
تعتمد الرواية السرد على لسان الراوي العليم.
تبدأ الرواية من لحظة فارقة حيث تسكن سمية في منزلها مع عائلتها في مدينة دير الزور، حيث يطرق الأمن والجيش السوري بابها بعد منتصف الليل ويسألون عن ولديها ويكونا في شقة مجاورة لبيت سكنها. يعتقلون الابنين ومنذ تلك اللحظة تبدأ رحلة عذاب سمية.
سمية شاعرة مشهورة في الأوساط الثقافية في مدينتها دير الزور. ومنذ بداية الربيع العربي في أوائل عام ٢٠١١م ووصوله إلى سورية في ربيع ذلك العام. كان الشعب السوري وخاصة الشباب والمظلومين عموما فيه، ينتظرون هذه اللحظة وبدأت تخرج المظاهرات السلمية في سورية بدء من درعا في الجنوب السوري وامتدت لتصل الى كل مدن وبلدات سورية.
كانت دير الزور من المدن التي خرج شبابها الى التظاهر وكان اولاد سمية الشابين منخرطين في التظاهر وفي النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي واصبحا من قادة الحراك السلمي. مطالبين بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والحياة الأفضل .
كان قرار النظام الأسدي أن يتعامل مع الحراك الشعبي بالعنف المتصاعد سواء مع التظاهر، او باعتقال قادة الحراك ووصل بعد ذلك إلى استعمال السلاح ضد المتظاهرين، مما دفع الشباب الثائر للانتقال الى العمل العسكري بما سمي الجيش الحر ضد النظام.
اعتقل ابناء سمية الاثنين وبدأت تستثمر علاقاتها السابقة مع المسؤولين المدنيين والأمنيين بحكم كونها وجها ثقافيا معروفا. وكان العميد جامع جامع رئيس الأمن العسكري في دير الزور هو الحاكم الفعلي للمدينة. وكانت تعرفه ويعرفها. كان يعتمد أسلوب اللين ويخفي القسوة، ونصب نفسه حاكما وراعيا لشؤون المدينة في سنوات ماقبل الثورة.
وصلت سمية إلى العميد جامع جامع واخبرته عن اعتقال ابنائها. واخبرها ان ابناءها ناشطين ضد النظام. الكبير سيحول إلى دمشق وهناك يقرر مصيره. والصغير سيتم الافراج عنه.
لم تقبل سمية بذلك وعملت حتى يفرج عن ولديها الاثنين. واستطاعت بعلاقاتها أن تفرج عنهما.
خرج الشابان من المعتقل وهما اكثر تمسكا بالعمل لإسقاط النظام المستبد الظالم الفاسد. وتابعا نشاطهم في الثورة وخاصة الأكبر الذي لم يكن أمامه من حل لكي لا يعتقل الا ان ينتقل الى المناطق المحررة في الشمال السوري.
تطور الصراع بين النظام والمتظاهرين الذين اصبحوا ثوار مسلحين بعد ذلك في دير الزور وتحررت بعض الأحياء وأصبحت ضحية قصف بالبراميل المتفجرة والمدفعية والطائرات، وتم زج النظام حزب الله اللبناني والميليشيات الايرانية تدعم النظام باجرامه وتوحشه بحق اهل المدينة حيث أرسل قواته الخاصة التي فظّعت بحق اهل دير الزور حتى في المناطق التي بقيت تحت سيطرته. مما دفع أهل دير الزور لمغادرتها الى المناطق المحررة أو خارج سورية. وزاد الامر سوء انتشار داعش في دير الزور التي كانت بالتناغم مع النظام تتناوب على ظلم الناس والتوحش بالتعامل معهم.
انتقلت سمية وعائلتها واولادها الى المناطق المحررة وهناك تابع اولادها أدوارهم الاعلامية والاغاثية لنصرة الثورة السورية. لكن ذلك لم يستمر، حيث تم القبض على ولديها من الأمن بعد خيانة أحد المتعاملين معهم من الثوار وتسليمهم للأمن عبر كمين مدبر. وهكذا عادت سمية الى رحلة البحث عن ولديّها ومعرفة حالهم والعمل لإخراجهم من المعتقل باقرب وقت.
علمت أن أولادها قد نقلوا إلى أحد الافرع الأمنية في دمشق. لذلك انتقلت الى دمشق وسكنت في احد الفنادق وبدأت رحلة البحث عنهم. استفادت من شبكة علاقاتها السابقة، الذين ساعدوها قدر إمكانهم. لكنها وجدت نفسها بعد فترة ضحية لشبكة كبيرة من المستثمرين بمآسي الناس، شبكة تدعي انها تعرف الاجهزة الامنية وانها قادرة على الحصول على معلومات عن المعتقلين وأنها قادرة على الافراج عنه، وانها توصل لهم اغراض وأموالا، طبعا كل ذلك بثمن، وهكذا يتم امتصاص دم الأهل وتخديرهم بمعلومات كاذبة ووعود مزيفة ويمضي الوقت دون أي فائدة حقيقية حول أبناء الأهل. وتستمر معاناة الأمهات المتواجدات بكثافة أمام الافرع الامنية او القضاء المدني والعسكري ومحكمة الإرهاب.
أدركت سمية بمضي الوقت والتجربة والخبرة من الآخرين الذين يحملون ذات همها أن المفيد لها هو ما يجب أن تقوم به بنفسها بمتابعة السؤال عن ولديها.
بدأت رحلة البحث في الأفرع الأمنية ولاحقت كل معلومة تصلها من معتقلين مفرج عنهم. هل هم في الأمن العسكري أم السياسي أم الجويّة.؟.
هل هم في سجن عدرا ام في معتقل صيدنايا ؟.
استمرت سمية شهور تبحث عن ولديها. ووصلت الى طرف خيط اوصلها الى انهما حوّلا من احد الفروع الامنية الى محكمة الإرهاب وهناك تابعت مع القاضي الخاص بهم. بملاحقة يومية. وان اضبارة اولادها تؤكد أنهما بريئان بناء على التحقيقات معهم في دير الزور ثم في دمشق. المهم تم تبرئتهم وإخراجهم من السجن بعد اعتقالهم لعشرة اشهر.
عادت الام سمية واولادها الى دير الزور التي كانت شبه خاوية ومدمرة وضحية النظام وداعش. مما دفع سمية ان تبعث ولديها الى تركيا وهناك وجدت مستقبل أولادها العلمي والحياتي . وهكذا حصل وهناك بدأوا رحلة العلم دخلوا الجامعة في عينتاب التركية. و نجحوا وتفوقوا. واحضروا امهم وبقية اخوتهم الى تركيا حيث هم.
تابع الاخوان دراستهما تفوقا علميا و تابعا دراستهما في أمريكا. وهكذا تحولت مصائبهم مما حصل معهم في سورية من ظلم النظام و توحشه الى فرصة بناء حياة جديدة أفضل بأفق مفتوح .
هنا تنتهي الرواية.
بالتعقيب عليها اقول:
تتميز رواية لن يقاسموني التل للكاتبة سميرة بدران بانها اقرب الى شهادة ذاتية موضوعية للثورة السورية، من احد اوجهها الكثيرة.
فهي توثق الحراك الشعبي التظاهر والنشاط السلمي وعنف النظام الأسدي وتوحشه سواء مع الشعب عموما وخاصة مع المعتقلين ممن استشهد في المعتقلات أو خرج منها معاقا أو له عاهة نفسية. وأفعاله الوحشية بحق السوريين الذين تشردوا بالملايين داخل سورية وخارجها. وكيف تحولت المحنة عند السوريين الى امتحان واختبار وفرصة لهم ليبنوا حياتهم الافضل حيث وصلوا الى كل العالم في بلاد اللجوء الكثيرة. و صنعوا مجدهم الذي نعتز به.
قاربت الرواية واقع معاناة الأسرة السورية خاصة الأمهات وما فعلنّ من اجل فلذات أكبادهنّ. لإنقاذهنّ من جحيم النظام و معتقلاته وسجونه. إن هذه الرواية الاولى التي تسلط الضوء على هذا الدور الأمومي الرائع لامهاتنا السوريات. تحية اجلال لهن أينما كانوا.
لم تسكت الرواية عن فعل النظام التدميري لسوريا بدء من مدينة دير الزور كنموذج عن كل سوريا. التي ثارت وتحرر بعضها ودمرها النظام وأعوانه بوحشية منقطعة النظير. وتوج فعلها الوحشي حضور داعش وتابع التوحش باسوأ صوره.
الرواية هي شهادة من جهة كما تنتمي إلى ما أسميناه روايات الثورة السورية تحت عنوان لكي لا ننسى للأجيال القادمة لنعرف كيف نحمي حريتنا التي حصلنا عليها بأرواحنا وبكل ما نملك.
صدرت الرواية عام ٢٠٢٤م. وفي نهاية نفس العام أسقط الشعب السوري وثواره النظام الاسدي الى غير رجعة ودخلنا في مرحلة اعادة بناء الإنسان السوري ومجتمعه وحياته محققين له الحرية والعدالة ومحافظين على كرامته و متوجين نضاله ببناء الدولة الديمقراطية لتحقيق الحياة الأفضل.






