
أثارت حادثة القبض على عمَّال فلسطينيين من الضفة الغربية في شاحنة قمامة غضباً ومشاعر ضيق واسعة، لما آلَ إليه حال شريحة العُمَّال من أهل الضفة الغربية، من إكراهات مُلجِئة، وقد حاولوا “التسلُّل” إلى داخل الخط الأخضر؛ بحثاً عن عمل، بعد أن طال منعُهم من العمل، بقرار سلطات الاحتلال، منذ اندلاع الحرب على غزّة، في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما حرَم فعلياً نحو ثلاثمائة ألف فلسطيني من مصادر رزقهم.
لم يكن هذا الخيار الصعب ليعتمده أولئك العمّال، لولا الظروف القاهرة وسدّ المنافذ الأخرى، واستحقاقات لم يعد بالإمكان تأجيلُها أكثر؛ التزامات أسرية ضرورية، لتوفير الطعام والضروريات الأخرى، أو للوفاء بالتزامات ديون وشيكّات، يترتَّب على التخلف عنها عقوبات وسجن. هذا بالرغم من عمل هؤلاء العمَّال في ظروف عمل خطرة ومجحفة، إذ تكرَّرت حالات القتل والضرب والاعتقال التي تعرَّض لها عمَّال فلسطينيون، إثر محاولاتهم التسلُّل إلى الداخل، وحيث لا حقوق قانونية، ولا ضمانات أكيدة بالوفاء بالأجور، وحيث الاستغلال، بخفض الأجور، وزيادة أعباء العمل.
وهكذا يترَك العامل الفلسطيني بين المطرقة والسندان؛ احتياجاته الملحّة، وانعدام الرعاية أو التعويض الرسمي الفلسطيني، فلا صناديق حماية اجتماعية، ولا فرص عمل بديلة، بل بطالة متفشية، ولا حتى اعتراف من المؤسسات الحكومية أو المحلية، يقود إلى تفهُّم ظروفهم، وتقديم إعفاءات، أو على الأقل إمهال؛ عند عجزهم عن تسديد ما عليهم، مثلا، من أثمان الكهرباء والمياه، وغيرها.
التحدّي وطني عام، وهو يتطلَّب حلولا تتجاوز المستوى التلفيقي، والأدهى أنه يواجَه بتجاهل فعلي
وكانت الضفة الغربية وعمَّالُها مرُّوا بظروف سيئة سابقة، لكن الأمر هذه المرّة مختلف؛ لجهة طول فترة المنع من العمل، ولجهة الإصرار الاحتلالي على أن المنع نهائي، تجسَّدَ هذا بقرار حكومة الاحتلال في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بالاستغناء عن العمَّال الفلسطينيين، وتحديداً في فرع البناء، بقرار نهائي يمنعهم من الدخول للعمل في الأراضي المحتلة داخل الخط الأخضر.
لا يقتصر الإضرار على العمال وأسرهم، لأنه ينعكس على مجمل الحالة الاقتصادية في الضفة الغربية، ليزيد طين الفقر والتجويع بِلَّة، إذ كانت مساهمات العمال الفلسطينيين في الداخل تعادل نحو 17% من الدخل القومي الإجمالي. فإذا نظرنا في الصورة الكبرى، تصعب الاستعاضة عن هذا المنفذ الاقتصادي، أو التخفيف من آثار إغلاقه، بالنظر إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنافذ الأخرى، من تراجع الدخول الآتية من وظيفة القطاع الحكومي؛ بسبب أزمة السلطة الفلسطينية المالية، وإصرار إسرائيل على رفض تحويل أموال المقاصّة، بالإضافة إلى تضرّر النشاط التجاري، بسبب اعتداءات المستوطنين التي أضحت أكثر خطورة وتنظيما، وأكثر انفلاتا، وأوفر حماية من جنود الاحتلال، وهو الحال الذي ينسحب أيضا على القطاع الزراعي في المناطق المصنَّفة ج، وهي تعادل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية المحتلة. ففي موسم قطاف الزيتون، مثلا، للعام الفائت، لم يستطع عدد غير قليل من المزارعين الفلسطينيين من قطف أشجار الزيتون؛ بسبب اعتداءات المستوطنين، وترهيبهم، الذي وصل إلى حدِّ القتل، فضلا عن قلع الأشجار وحرقها، وسرقة ثمار الزيتون، وهي الثمار التي تمثل شكلا من أشكال الذخر المهم، ومصدراً مهماً للدخل.
ومن الواضح أن هذه الانسدادات لا يمكن أن تواجَه بجهود فردية، وأنها مع أنها ذات طابع اقتصادي، إلا أن الاقتصاد لا يعدو كونه أداة للأهداف الاحتلالية، فالانسداد في الحقيقة سياسي. والتحدّي وطني عام، وهو يتطلَّب حلولا تتجاوز المستوى التلفيقي، والأدهى أنه يواجَه بتجاهل فعلي، وإن لم نعدَم الأقوال والاستنكارات، فمثل هذه الوتيرة من التضييق حتى الخنق، للزمن فيها أثرٌ حاسم، وللزخم في طرفي المعادلة تأثير كبير، فلو قارنَّا المتغيِّرات التي يجريها الاحتلال والوقائع التي يفرضها؛ من استيطان يتوسّع، وما يتوازى معه من عمليات الضم المتدرِّج، وفرْض السيادة على مناطق الضفة الغربية، بما تجترحه السلطة الفلسطينية من وقائع فلسطينية مضادَّة، فإن المعادلة شديدة الاختلال.
يعمد الاحتلال إلى أيِّ منفذ للحياة فيغلقه، وهو يحاول تعتيم الآفاق أمام الفلسطينيين، وأجيالهم الشابَّة
ولا يخفى أن الاحتلال بهذه السياسات يستهدف الحالة النفسية الفلسطينية العامة، حين يعمد إلى أيِّ منفذ للحياة فيغلقه، وهو يحاول تعتيم الآفاق أمام الفلسطينيين، وأجيالهم الشابَّة، والاحتلال إذ لا يستعدي الفلسطينيين حين خروجهم من مدنهم وقراهم ومخيماتهم، فقط، بل يكثِّف اقتحاماته إلى مراكز عيشهم وأماكن سُكناهم، ويتعمَّد إذلالهم، من دون أيِّ مسوِّغ أمني، أو حتى أيِّ اشتباه بوجوده، بعمليات تنكيل وانتقام واضحة، ضد فلسطينيين عُزَّل، يُخرَجون من بيوتهم، ليلا، أو يقتادهم جنودُ الاحتلال وعيونهم معصوبة، في سلاسل طويلة، أمام عدسات الكاميرا، من أماكن عملهم، أو متاجرهم. الأمر الذي يربك، باستمرار أيّ محاولات لضخّ الحياة في مرافق الاقتصاد الفلسطيني المتواضع.
هذه الهجمة الاحتلالية المتسارعة، في سياق الحروب التي تشنُّها إسرائيل في المنطقة، تجسِّد المنطلقاتِ الأمنية المستأثرة بأصحاب القرار في حكومة الاحتلال، واعتماد عقيدة الصراع الدائم، والمبادرة إلى الهجوم، والحروب الاستباقية، وفي سياق الضفة الغربية والقدس، فإنها إما تهدف إلى إجهاض أيِّ روح نضالية، حتى إذا أقدمت على رفع مستوى العداء والاعتداء، أو (الحسم) لم تجد ردّاً فلسطينياً مقلقاً، أو أنَّ قادة الاحتلال يدفعون نحو تفجير الضفة الغربية، تمهيدا لرفع وتيرة الحرب والعنف المفرط.
وأيّاً كان، الهدف الاستراتيجي لكل هذه الحرب المسعورة، اقتصاديا، وأمنيا، يتجلَّى بتفكيك الوجود الفلسطيني، وتجفيف منابع الحياة، وتعزيز ظروف طاردة، مهجِّرة، ما يدل على نظر احتلالي قاصر متعجّل متعالٍ عن كل النصائح عن محورية القضية الفلسطينية، في المنطقة العربية فقط، وتاليا، إلى ما يتجاوز حدود المنطقة العربية.
المصدر: العربي الجديد





