
لم يعد الحديث عن “النظام الدولي” كما كان قبل عقدَين. فالمفهوم الذي بدا مستقرّاً بعد نهاية الحرب الباردة، حين تشكّلت منظومة عالمية تقودها الولايات المتحدة وتضبطها مؤسّسات دولية وقواعد قانونية واضحة نسبياً، أصبح اليوم موضع شكّ عميق. تتكرّر خروق القواعد، تتعطّل آليات الردع، وتبدو المؤسّسات الدولية عاجزةً عن فرض قراراتها أو حتى التوفيق بين القوى الكُبرى. هذا الواقع يطرح سؤالاً ملحّاً: هل نحن أمام انهيار فعلي للنظام الدولي، أم مجرّد مرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيله؟
للوهلة الأولى، قد يبدو أنّ العالم ينزلق نحو حالةٍ من “اللانظام”، فالحروب الإقليمية تتزايد من دون حسم، والقرارات الدولية كثيراً ما تُقابل بالرفض أو التجاهل، والتنافس بين القوى الكُبرى لم يعد محكوماً دائماً بقواعد واضحة. غير أنّ هذا التشخيص، رغم ما فيه من وجاهة، يظلّ قاصراً إذا اعتبر أنّ ما يحدث هو نهاية النظام، لا تحوّله. ففي الواقع، لم يكن النظام الدولي يوماً بنيةً ثابتةً أو منظومةً نهائيةً. منذ نشأته الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، كان انعكاساً مباشراً لموازين القوى. فالقواعد التي حَكَمَت العلاقات الدولية لم تكن نتاج توافق أخلاقي بقدر ما كانت تعبيراً عن توازنات فرضتها القوى المنتصرة. ومع نهاية الحرب الباردة، أعادت الولايات المتحدة صياغة هذه القواعد بما يخدم موقعها قوّةً مهيمنةً. اليوم، ومع تغيّر هذه الموازين، يصبح من الطبيعي أن تدخل تلك القواعد مرحلةَ اهتزاز عميق. المشكلة الجوهرية التي يعيشها النظام الدولي الحالي لا تكمن في غياب القواعد، بل في تعدّد الجهات التي تسعى إلى فرض قواعد بديلة. لم تعد هناك قوّة واحدة قادرة على فرض نظام متماسك كما في السابق، وفي المقابل لم تنجح القوى الصاعدة في بناء بديل شامل ومقبول دولياً. هذا الوضع الوسيط (إذ يتراجع القديم من دون أن يكتمل الجديد) هو ما يخلق الإحساس بالفوضى.
التداخل بين القوى الدولية والإقليمية، وتعدّد الفاعلين، وغياب الحسم في العديد من الصراعات، كلّها تعكس طبيعة النظام الدولي الأوسع
تزداد هذه الحالة تعقيداً عندما تتحوّل المؤسّسات الدولية نفسها إلى ساحات صراع. فمجلس الأمن، الذي كان يُفترض أن يكون أداةً لضبط التوازنات، أصبح في كثير من الأحيان انعكاساً مباشراً للانقسامات بين القوى الكُبرى. كذلك، لم تعد المنظّمات الاقتصادية والتجارية قادرةً على فرض قواعدها بالفاعلية نفسها في ظلّ تصاعد النزعات الحمائية وتسييس الاقتصاد. وبهذا، لم تعد المؤسّسات حَكَماً محايداً، بل طرفاً ضمن معادلة الصراع. ورغم ذلك، فإنّ القول بانهيار كامل للنظام الدولي يظلّ مبالغاً فيه. فما نشهده اليوم هو أقرب إلى “تعدّد أنظمة داخل النظام الواحد”. فهناك مجالات لا تزال تحكمها قواعدُ مستقرّةٌ نسبياً، مثل أجزاء من النظام المالي العالمي أو بعض الترتيبات الأمنية، في حين تشهد مجالات أخرى حالةً من التفكّك أو إعادة التشكّل. هذا التعايش بين الاستقرار الجزئي والاضطراب يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية.
الأمر اللافت أيضاً أنّ مفهوم “القوة” نفسه تغيّر، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. لم تعد الهيمنة تُمارَس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال أدوات أكثر تنوّعاً، مثل التكنولوجيا، سلاسل الإمداد، البيانات، والقدرة على التأثير في الأسواق العالمية. هذا التحوّل يجعل من الصعب بناء نظام دولي تقليدي قائم على توازن عسكري فقط، ويفرض الحاجة إلى قواعد جديدة تأخذ بعين الاعتبار هذه الأبعاد المتداخلة.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام الدولي قد انهار، بل أيّ شكل سيتّخذه في المستقبل. هل نحن متّجهون نحو نظام متعدّد الأقطاب قائم على توازنات دقيقة بين القوى الكُبرى؟ أم نحو حالة من التنافس المفتوح غير المنضبط؟ أم ربّما نحو نموذج هجين يجمع بين التعاون في بعض المجالات والصراع في أخرى؟ الشرق الأوسط، كما في كثير من اللحظات التاريخية، يقدّم نموذجاً مصغّراً لهذا التحوّل. فالتداخل بين القوى الدولية والإقليمية، وتعدّد الفاعلين، وغياب الحسم في العديد من الصراعات، كلّها تعكس طبيعة النظام الدولي الأوسع. المنطقة ليست متأثّرةً فقط بما يحدث عالمياً، بل تسهم أيضاً في تشكيله، من خلال موقعها الاستراتيجي وتأثيرها في الطاقة والممرّات الحيوية.
النظام الدولي لا يختفي، بل يعيد تشكيل نفسه وفق موازين القوّة الجديدة
ما يجعل المرحلة الحالية أكثر حساسيةً غياب اليقين. ففي الأنظمة المستقرّة، حتى التنافس يكون محكوماً بقواعد معروفة، أمّا في الفترات الانتقالية، فإنّ الضبابية تفتح المجال أمام سوء التقدير. وهذا ما يزيد من مخاطر الانزلاق نحو أزمات غير محسوبة، خصوصاً في ظلّ تعدّد الفاعلين وتضارب المصالح. ومع ذلك، فإنّ التاريخ يُظهر أنّ مثل هذه المراحل، رغم خطورتها، كانت دائماً مقدّمةً لظهور نظام جديد. فالنظام الدولي لا يختفي، بل يعيد تشكيل نفسه وفق موازين القوّة الجديدة. الفرق اليوم هو أنّ هذا التحوّل يحدث في عالم أكثر ترابطاً وتعقيداً، ما يجعل نتائجه أكثر تأثيراً وأسرع انتشاراً.
في النهاية، لا يبدو أنّ العالم يتّجه نحو فراغ كامل في القواعد، بل نحو مرحلة تُكتب فيها قواعد جديدة، ربّما أقلّ وضوحاً وأكثر مرونةً، لكنّها تعكس واقع التعدّدية وتداخل المصالح. وبين من يرى في ذلك انهياراً ومن يراه تحوّلاً، تبقى الحقيقة أنّ العالم يعيش لحظة إعادة تعريف عميقة للنظام الدولي، لحظةً فاصلةً ستحدِّد ملامحه لعقود مقبلة.
المصدر: العربي الجديد


