عيد الجلاء في عامه الثمانين.. سوريا بين استقلالين واختبار بناء الدولة

علا مصطفى

عشية السابع عشر من نيسان، وفي حين تستعد المآذن وأجراس الكنائس في دمشق وحلب وحمص واللاذقية ودرعا لإعلان بدء احتفالات الذكرى الثمانين للجلاء، يجد السوريون أنفسهم أمام “عيد وطني” لم يألفوه منذ أكثر من نصف قرن.

ففي عام 2026، لا يحيي السوريون ذكرى رحيل المحتل الفرنسي عام 1946 فحسب، بل يحتفلون بالعام الأول الكامل تحت راية “الجمهورية الثالثة” التي انبثقت من ركام الاستبداد عقب إسقاط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024.

تأتي هذه الذكرى في سياق تحولات عميقة تعيد رسم مسار الدولة السورية، لتربط بين نضالات الآباء المؤسسين في عشرينيات القرن الماضي، وتحديات بناء دولة وطنية حديثة بعد عقود من الاستبداد. وهو ما يمنحها حمولة رمزية استثنائية بوصفها “جلاءً أكبر” من الاستبداد الداخلي، وبداية مرحلة إعادة بناء الهوية الوطنية.

بين جلاءين.. 1946 ومرحلة ما بعد 2024

حين خرج الفرنسيون من سوريا عام 1946، بدا المشهد واضحاً: قوة أجنبية تغادر، ودولة وطنية تولد. لكن المسار الذي تلا ذلك لم يكن مستقيماً. سنوات قليلة فقط فصلت بين الاستقلال الأول وسلسلة الانقلابات العسكرية التي بدأت عام 1949، لتدخل البلاد في دوامة طويلة انتهت بنموذج حكم ألغى السياسة لصالح الأمن واحتكر الدولة باسمها.

اليوم، وبعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، يعود هذا التاريخ إلى الواجهة لا بوصفه ماضياً منجزاً، بل تجربة غير مكتملة. كثير من السوريين باتوا ينظرون إلى الاستقلال الأول على أنه خطوة ضرورية، لكنها غير كافية، إذ لم تمنع لاحقاً تحوّل الدولة إلى أداة سيطرة على المجتمع.

بهذا المعنى، لم يعد الجلاء حدثاً مغلقاً في 1946، بل مساراً طويلاً تعثّر ثم استؤنف. لم يعد السؤال: متى خرج المستعمر؟ بل: ماذا حدث بعد ذلك؟ ولماذا لم تستقر الدولة؟

مفارقة العدالة.. من هنانو إلى صيدنايا

في الذكرى الثمانين، تعود واحدة من أكثر المقارنات قسوة في الوعي السوري. في عشرينيات القرن الماضي، وقف إبراهيم هنانو أمام محكمة عسكرية فرنسية في حلب متهماً بقيادة تمرد مسلح. ورغم أنه كان يقاتل سلطة الاحتلال، أُتيح له الدفاع الكامل، وترافع عنه محامٍ مدني، وانتهت المحاكمة بإطلاق سراحه.

في المقابل، شهدت العقود الأخيرة نموذجاً مختلفاً تماماً. تحولت السجون إلى فضاءات مغلقة لا تعرف معنى المحاكمة، ووثّقت تقارير حقوقية عمليات إعدام جماعي في سجن صيدنايا، حيث قُتل آلاف المعتقلين من دون إجراءات قانونية أو حق في الدفاع.

هذه المقارنة لا تبرئ الاستعمار، لكنها تكشف انهيار فكرة الدولة نفسها، فالمشكلة لم تعد فقط في من يحكم، بل في طبيعة المؤسسات التي يُفترض أن تحمي المجتمع. ولهذا، تبدو العدالة اليوم في قلب النقاش السوري، لا بوصفها مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرطاً لقيام أي دولة قابلة للاستمرار.

جذور الأزمة.. الجيش والسياسة

لفهم كيف وصلت سوريا إلى هذه النقطة، لا بد من العودة إلى بنية الدولة بعد الاستقلال. الجيش، الذي يُفترض أن يكون حارساً للسيادة، لم يتشكل في فراغ، بل ورث تركيبة “قوات المشرق الخاصة” التي أنشأها الفرنسيون، واعتمدت على توازنات طائفية ومناطقية معقدة.

هذا الإرث ترك أثره العميق على العلاقة بين السياسة والعسكر. النخب المدنية وجدت نفسها في مواجهة مؤسسة عسكرية متنامية النفوذ، ما مهّد لسلسلة الانقلابات. ومع الوقت، لم يعد الجيش لاعباً في السياسة فقط، بل أصبح مركزها.

في عهد حافظ الأسد، بلغ هذا المسار ذروته؛ إذ تلاشت الحدود بين الدولة والأجهزة الأمنية، وأصبحت المؤسسة العسكرية جزءاً من بنية الحكم لا أداة له.

اليوم، في 2026، تعود هذه المسألة بوصفها التحدي الأكبر: هل يمكن إعادة بناء جيش وطني مهني في بلد خرج لتوه من حرب طويلة؟

الرموز الجديدة.. محاولة إعادة تعريف الدولة

لا تقتصر إعادة بناء الدولة على المؤسسات، بل تمتد إلى الرموز. في دمشق، يرفرف اليوم علم الاستقلال الذي رُفع لأول مرة قبل عقود، ثم عاد رمزاً خلال سنوات الثورة، قبل أن يُعتمد مجدداً بعد سقوط النظام.

هذا التحول ليس شكلياً؛ فالعلم الذي ارتبط بالاحتجاج أصبح محاولة لإعادة تعريف الوطنية نفسها، بوصفها إطاراً جامعاً لا ساحة صراع.

الأمر ذاته ينطبق على الهوية البصرية الجديدة للدولة، حيث يظهر “العقاب الذهبي” بشكله المعدّل، في دلالة على تفكيك صورة الدولة الأمنية وإعادة تشكيلها.

لكن السؤال يبقى: هل تكفي الرموز لتغيير الواقع؟ أم أنها تعكس فقط ما لم يتحقق بعد؟

إعادة تعريف المواطنة.. ما بعد الإقصاء

من بين التحولات اللافتة، محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية. لعقود، ارتبطت الهوية الوطنية بسياسات إقصاء، خاصة تجاه بعض المكونات.

اليوم، تظهر خطوات مختلفة، أبرزها الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، ومنح حقوق كانت غائبة، مثل الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، ومعالجة آثار سياسات حرمت فئات واسعة من الجنسية.

هذه الإجراءات لا تعني أن المشكلة حُلّت، لكنها تشير إلى تحول في الفكرة الأساسية: من دولة تصهر المجتمع بالقوة، إلى دولة تستوعب تنوعه.

الاقتصاد.. التعافي من تحت الركام

في الجانب الاقتصادي، تبدو الصورة معقدة، لكنها ليست خالية من المؤشرات الإيجابية. تظهر أرقام أولية تشير إلى نمو في الناتج المحلي وارتفاع في الإنفاق الحكومي، مع تركيز على الخدمات الأساسية.

لكن التحديات لا تزال ضخمة:
• بنية تحتية مدمرة
• تفاوت اقتصادي حاد
• اعتماد كبير على الدعم الخارجي

بعبارة أخرى، الاقتصاد السوري لا يبدأ من الصفر، بل من تحت الصفر.

تأطير الاحتفال.. السيادة كفعل بناء في ظل الحرب الإقليمية

لم يعد 17 نيسان مجرد عطلة رسمية، بل منصة لإعلان قطيعة تاريخية مع موروث الاستبداد، الحكومة السورية تتعامل اليوم، مع الذكرى بوصفها حدثاً تأسيسياً يعيد ترسيخ فكرة الدولة:

  1. “ميزان الذهب” الدبلوماسي
    في ظل اضطرابات إقليمية، تتبنى دمشق تأطيراً سياسياً يرى في “الجلاء” رسالة سيادية للخارج قبل الداخل؛ فبعد عقود كانت فيها الجغرافيا السورية “صندوق بريد” للقوى المتصارعة، تؤكد الحكومة الجديدة أن سورية انتقلت إلى مرحلة “السيادة التوافقية”.

وأوضح الرئيس الشرع، أن المواقف السورية الحالية تُوزن بـ “ميزان ذهب” يقيس كل خطوة بدقة لضمان بقاء البلاد بمنأى عن النزاعات التي قد تعيد فتح الجراح والآلام، مع التركيز بدلاً من ذلك على مسار التنمية والاستقرار

  1. رمزية المواطنة المتساوية
    إقرار عطلة الجلاء تزامناً مع عطلة عيد الفصح يعكس رسالة واضحة، الهوية الوطنية السورية إطار جامع لكل المكونات، بعيداً عن سياسات التفرقة، في محاولة لترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.

وجدان السوريين.. فرح مشروط وقلق دائم

بعيداً عن التحليل السياسي، يبقى السؤال الأهم: كيف يعيش السوريون هذه اللحظة؟

في الشوارع، يمكن رؤية مشهد لم يكن ممكناً قبل سنوات، احتفالات عفوية، أعلام تُرفع بإرادة أصحابها، ونقاشات مفتوحة حول معنى الوطن.

لكن الفرح ليس كاملاً. خلف كل احتفال قصة فقد أو اعتقال أو تهجير. ملايين السوريين ما زالوا خارج البلاد، وآلاف العائلات تجهل مصير أبنائها.

لهذا يبدو الجلاء هذا العام حالة شعورية مركبة:
• فرح بالتحرر من الخوف
• حزن على ما فُقد
• قلق من المستقبل

الجلاء كمرآة للمستقبل

في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذه الذكرى في الماضي الذي تستعيده، بل في الحاضر الذي تكشفه.
طريقة إحياء الجلاء اليوم تقول الكثير عن المرحلة:

  • هل هي دولة واثقة أم ما تزال تبحث عن توازنها؟
    • هل تركز على الرمزية أم على إعادة البناء الفعلي؟
    • هل تنظر إلى الماضي كإنجاز أم كدرس؟

ثمانون عاماً بعد جلاء 1946، لم يعد الاستقلال حدثاً يُحتفل به مرة واحدة، بل مساراً مستمراً يحتاج إلى حماية دائمة.

الاستقلال كمسار لا كحدث

في 17 نيسان هذا العام، لا يقف السوريون أمام ذكرى تقليدية، بل أمام لحظة مشحونة بأسئلة أكبر من الاحتفال نفسه.

سوريا اليوم لا تعيش استقلالاً مكتملاً، بل مرحلة إعادة تعريف له. من ميسلون إلى حلب، ومن هنانو إلى صيدنايا، يمتد تاريخ طويل من الصراع بين دولة تحمي المجتمع، ودولة تهيمن عليه.

عيد الجلاء في عامه الثمانين لا يقدم إجابات جاهزة، لكنه يطرح الأسئلة بوضوح غير مسبوق:
كيف تُبنى دولة لا يتحول فيها الجيش إلى حاكم؟
كيف يصبح القضاء ضمانة لا أداة؟
وكيف يشعر السوري، للمرة الأولى منذ عقود، أن هذا الوطن له؟

ربما لا تزال الإجابة غير مكتملة.
لكن للمرة الأولى منذ زمن طويل، يبدو أن السوريين لا يكتفون بطرح السؤال..  بل يملكون فرصة حقيقية للإجابة عنه.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى