تداعيات الحرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط 

عبد الله تركماني

يبدو أنّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران تتجه نحو إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بهدف إعادة صياغة المنظومة الأمنية والاقتصادية في الإقليم، بما يمسُّ موقع إيران في هذه المنظومة، منذ عملية حركة حماس ” طوفان الأقصى ” ضد إسرائيل في عام 2023، وأيضًا محاولة تجاوز أزماته على طريق معالجة جذور صراعاته، من خلال تقاطع طموحات شعوب المنطقة مع استراتيجيات القوى الدولية الكبرى التي تبحث عن مصالحها في المنطقة. بما ينطوي على مشروع فرز بين دول تتجه نحو الإعمار والاستثمار بحثًا عن مصالح شعوبها، ودول أخرى تهدد أمن المنطقة معتمدة على ميليشيات ما دون الدولة الوطنية، لم تعد صالحة اليوم، بعد أن أضحت المصالح الإقليمية والدولية متقاطعة في المنطقة.  

ويبدو أنّ الشرق الأوسط، الذي رسمت حدوده بعد الحرب العالمية الأولى في اتفاقيات سايكس – بيكو، يحتاج إلى تجديد تبعًا لرؤيتي الإدارة الأميركية عن السلام الاقتصادي والإدارة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة عن سلام القوة. بما يتقاطع مع “حروب السلام”، كما هو حال ما طرحه شمعون بيريز في عام 1994 في كتابه ” الشرق الأوسط الجديد “بعد حرب” عاصفة الصحراء ” ضد العراق، حيث ربط بين الأمن والاقتصاد، إذ اعتبر أنّ مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين ستكون في الاقتصاد والتكنولوجيا، ووزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس حول “الشرق الأوسط الواسع” بعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله في عام 2006. واستكمل الرئيس الأميركي ترامب هذا المسار بإعلانه عن “مجلس السلام في غزة”، بحيث تصبح التنمية الاقتصادية أداة لتشكيل بيئة أمنية بديلة عن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الدائم.

ويتقاطع هذا المسار مع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، بوصفه مسارًا تجاريًا بديلًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، باعتباره مشروعًا تنمويًا من جهة، وأمنيًا لحماية الممر من جهة أخرى. وإذا ما أُريد لهذا المشروع النجاح لا بدَّ من الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط، وخاصة ضمان المرور السلس للتجارة الدولية بمضيقي هرمز والمندب، اللذين تهددهما إيران وميليشيا الحوثي التابعة لها. مما يشير إلى التنافس حول مضامين النظام الإقليمي في الشرق الأوسط الجديد، بين نموذجي التكامل الاقتصادي والخيارات الأيديولوجية الوهمية التي عانت منها المنطقة طوال العقود السبعة الماضية. واليوم شعوب المنطقة أمام لحظة إعادة تأسيس قسرية، لإعادة توزيع النفوذ والخرائط تحت نار الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران وميليشياتها في المنطقة. بما ينطوي على إعادة ترتيب الفاعلين في هذا النظام، الذين سيكونون عقدة عبور الطاقة والتجارة، وأيضًا القادرين على ضبط مجالهم الوطني كي لا يتحول إلى منصة لفاعلين إرهابيين عابرين للحدود.إنّ

ويبدو أنّ الشرق الأوسط، الذي رسمت حدوده بعد الحرب العالمية الأولى في اتفاقيات سايكس – بيكو، يحتاج إلى تجديد تبعًا لرؤيتي الإدارة الأميركية عن السلام الاقتصادي والإدارة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة عن سلام القوة

ولا شكَّ بأنّ المنطقة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، بالرغم من دور العديد من دولها المهم في إمدادات الطاقة العالمية، إضافة إلى جغرافيتها التي تحتضن أهم معابر التجارة الدولية. مما يجعلنا نتساءل عن أهداف أميركا وإسرائيل: فهل تسعيان إلى منع التهديد الإيراني في الشرق الأوسط فقط، أم أنهما تبحثان عن تبوء المركز القيادي في الشرق الأوسط الجديد؟

إنّ كل المؤشرات تدل على أنّ القوى الدولية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، والقوى الإقليمية المؤثرة، خاصة إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية، سيكون لها الدور الأهم في السعي لبناء توازنات جديدة تضمن الاستقرار، بالطبع تبعًا لمصالحها الاستراتيجية الخاصة.

وفي هذا السياق ما فتئ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يكرر طموحه إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، خاصة منذ 7 تشرين الأول أكتوبروما حدث في غزة، ومن هنا اعتمد مقولة “سلام القوة” في فلسطين ولبنان وسوريا ومحاولة فرض حدود جديدة، متجاوزًا تشابك المصالح الدولية والإقليمية، وأنّ إعادة رسم خرائط المنطقة لا يمكن أن يكون قرارًا أحاديًا، بالرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية.

وإزاء هذا التوجه الإسرائيلي فإنّ التغيّرات التي يمكن أن تشهدها المنطقة ليست مضمونة أن تكون لصالح الشعوب العربية، خاصة مع مظاهر العجز العربي. ولعلَّ التحولات الجارية في الشرق الأوسط تشكل فرصة للدول العربية لمراجعة تموضعها وإعادة بناء استراتيجيات تلاقي التحوّلات الجارية، من خلال سياسات وطنية بعيدة المدى، تتوجه نحو التكيّف الإيجابي مع مستجدات الوضع الإقليمي، من خلال تفعيل المنظومة الشاملة للأمن الإقليمي العربي.

وهكذا، يبدو الشرق الأوسط أمام منعطف غير واضح المعالم، ولعلَّ المفاوضات الأميركية – الإيرانية الحالية في باكستان يمكن أن تؤدي إلى بلورة توازنات جديدة تتسم بالحد من نفوذ إيران من جهة، وتفتح نافذة لمسار سياسي لتجاوز استعصاءات المنطقة، بما فيها إعلان دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وفي كل الأحوال يبقى السؤال عن مكانة سوريا في هذه التحولات؟ وهل يمكن للسلطة الانتقالية توظيف الموقع الجيواستراتيجي لسوريا لإعادة التموضع بما يخدم مستقبل الشعب السوري باعتبارها منطقة عبور للتجارة الدولية، إذا بقيت تعتمد أهل الولاء من أخوة المنهج السلفي، في ظل غياب حوكمة رشيدة لمجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المشرق العربي أمام منعطف غير واضح المعالم، بإنتهاء المفاوضات الأميركية – الإيرانية في باكستان بدون إتفاق ، والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى بلورة توازنات جديدة تحد من نفوذ إيران من جهة، وتفتح نافذة لمسار سياسي لتجاوز استعصاءات المنطقة، بما فيها إعلان دولة فلسطينية قابلة للحياة.وإمكانية استفادة سورية من الموقع الجيواستراتيجي لها لتكون منطقة عبور للتجارة الدولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى