لاجئ ويعيد..حكاية مهاجر من الشام إلى أمستردام

ماهر حسن شاويش

 

عندما قرأت عنوان رواية «لاجئ ويعيد – حكاية مهاجر من الشام إلى أمستردام» في منشور على فيس بوك لصاحب دار زقاق الكتب، توقفت عند كل كلمة فيه، وشعرت أن العنوان يخاطبني شخصيًا، وأنه ربما يلامس تجربة الهجرة التي عشتها، أو يحاكي بعض تفاصيلها.
وفي الحقيقة، لم يكن الأمر فضولًا عابرًا فقط، بل انجذابًا مباشرًا إلى الكلمات نفسها.
وحين عرفت أن الرواية للكاتب خليل الصمادي، ابن مخيم اليرموك، تواصلت معه بحكم علاقة الصداقة التي تربطنا، وخلال دردشة قصيرة أرسل لي نسخة إلكترونية منها، فقرأت خمسين صفحة فورًا، ثم واصلت القراءة، وكنت قد حسمت أمري: سأكتب عنها.
ازدادت حماستي حين شاهدت الرواية ضمن الكتب المشاركة في معرض دمشق للكتاب بنسخته الاستثنائية. عندها تعزز لدي الربط بين العنوان والواقع، بين “اللاجئ” بوصفه نتيجة قسرية و“يعيد” بوصفها فعلًا قهريًا مكررًا.
الذاكرة مسؤولية، وحفظها ركيزة من ركائز التاريخ، ورواية “لاجئ ويعيد” تمثل خطوة مهمة في تعزيز الوعي وتثبيت السردية الفلسطينية.
الفلسطيني السوري.. حضور دائم في تفاصيل الثورة
على مدار أربعة عشر عامًا من الثورة السورية، كان اللاجئ الفلسطيني حاضرًا في كل التفاصيل، من مخيم درعا جنوبًا إلى مخيم حندرات شمالًا، مرورًا بمخيم اليرموك في القلب من ذلك الحضور.
في هذه المشاركة تتوزع الحكايات وتتقاطع المصائر، ومن هذا القلب تحديدًا تنطلق أحداث الرواية، لتجوب مدنًا وبلدانًا عدة بين الشام وأمستردام.
العائلة الفلسطينية السورية التي تدور حولها الرواية ليست استثناءً، بل مرآة لمعظم العائلات التي مرّت بنزوح واعتقال وهجرة وفقد قريب وموت حبيب ومعاناة متراكمة. قد تختلف التفاصيل، لكن التجربة العامة واحدة.
«الحيطان لها آذان».. البداية الحذرة
تبدأ الرواية بملمح حذر له دلالاته في المجتمع السوري قبل الثورة، حيث غالية، ابنة خالد “كاتب الرواية”، تطلب منه أن يقترب منها لأن “الحيطان لها آذان”، وتهمس له: هل سمعت الأخبار؟ ثم تخبره عن مظاهرات الحريقة في وسط دمشق، قرب مكان عمل شقيقها عمر.
في تلك اللحظة، يستنتج خالد في نقاشه مع جيرانه أن الربيع العربي قد وصل إلى سوريا. لكن خلاصة الأمسية في تلك الليلة كانت التمسك بالمثل الشعبي: “يا غريب كن أديب”. وقد كان الاتفاق الضمني هو الحياد أو الصمت، غير أن الأمور لم تمر كما توقعوا.
مسيرة العودة الأولى.. انقسام الشارع
بعد شهرين، جاءت الدعوة إلى مسيرة العودة، فانقسم الشارع الفلسطيني.
المؤيدون رأوها فرصة.
المعارضون اعتبروها بروباغندا سياسية.
وتعالت الأسئلة: كيف يتذكر النظام فلسطين الآن؟
تقدم الرواية تفاصيل المسيرة الأولى كاملة، ثم تتناول المسيرة الثانية وما رافقها من تصاعد الجدل وحدّته.
دخول المخيم على خط الثورة.. النكبة الثانية
بعد عام تمامًا، دخل مخيم اليرموك بوضوح على خط الثورة السورية، فقد توالت الأحداث من مجزرة الجاعونة إلى ضربة الميغ، أو مجزرة جامع عبد القادر الحسيني، التي شكّلت محطة فارقة. وعندها بدأت ما يمكن تسميته بالنكبة الثانية، أو “التغريبة” الجديدة لفلسطينيي سوريا.
رحلة عمر.. من التنقل إلى التيه
لم تكن رحلة وصول عمر، الابن الأكبر لخالد، إلى أمستردام مجرد تنقل بين بلد وآخر، بل كانت سلسلة من المواقف، في كل منها عظة وعبرة.
تنقل متكرر بين دمشق وبيروت، وما اكتنف الطريق من مخاوف.
سفر بين دمشق والقاهرة بعد معاناة قاسية في المخيم وصلت حد البحث عن حشائش في الأرض.
وحوادث التفجير المتكررة في ساحة الريجة، مكان منزل العائلة الذي تحول إلى ركام.
وفي الوقت ذاته، كانت العائلة موزعة بين مدن وبلدان مختلفة، لديها معتقلون وشهداء ومختفون قسرًا، والقلق كان يوميًا لا يفارقهم.
أزمة بنان.. التردد وتكرار الألم
حتى التعليم لم ينجُ من التردد، فقد واجهت العائلة حيرة حقيقية حول إتمام دراسة الابنة الصغرى بنان: هل تبقى في دمشق أم تنتقل إلى الرياض؟ القرار لم يكن تعليميًا فقط، بل مصيريًا، يرتبط بالأمان والاستقرار والهوية.
لا يتوقف التردد في اتخاذ القرار عند موقف واحد، بل تتعرض الرواية لمشهد مؤلم آخر حين يسلب رجل ادعى العمل في القصر الجمهوري أموالًا من خالد مقابل وعد كاذب بإخراج عمر من المعتقل، ولم يتحقق الوعد.
وتتكرر القصة مع أميرة، شقيقة خالد، التي دفعت مبلغًا استدانته من أخيها أملًا في إنقاذ ابنها، لكن خالد علم بالصدفة أن ابنها استشهد في المعتقل، ومع ذلك أعطاها المال ولم يخبرها بالحقيقة. لقد شهد على عملية احتيال بإرادته، لأنه لم يستطع أن يكسر خاطر شقيقته.
في المعتقل.. بين الألم والأمل
توصيف عمر لتجربة الاعتقال وخروجه مصابًا بالجرب يستحق فصولًا كاملة من السرد، فالمرض هنا ليس تفصيلًا صحيًا، بل أثر مباشر للإهانة والحرمان، وندبة تلازمه بعد الخروج.
وهي ليست الحادثة الوحيدة التي تستدعي أن يردد خالد طوال تلك السنوات دعاءه الدائم:
«اللهم شتّت من شتّتنا».
ومع كل عودة لأحد أفراد العائلة إلى دمشق، تتغير ملامح المدينة، والحنين إلى المخيم لا ينقطع. فقد كان خالد وجيرانه يسهرون في الجهة المقابلة له قرب جامع الماجد، في خيمة العودة، حيث تتناقل الأخبار: من قنص الكاتب غسان الشهابي، إلى اغتيال ناشطين إغاثيين وإعلاميين، بينهم حسان حسان ويحيى حوراني وأبو العبد عريشة، إلى اعتقال خالد بكراوي ثم الإعلان عن استشهاده، إلى كل صغيرة وكبيرة.
إن التوثيق ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو أحد أشكال الرقابة الشعبية الفاعلة، من خلال حفظ الذاكرة الجماعية وصون تفاصيلها من التبدد أو التشويه والتحريف.
قرار الهجرة.. بين الخسارة والتجربة
لقد تردد كل ولد ضمن العائلة في اتخاذ قرار الهجرة وفق ظروفه الخاصة، وقد دفعت العائلة مبالغ مالية ضاع بعضها في عمليات نصب واحتيال، مثل تأشيرات ليبيا المزورة التي انتهت باعتقال في مطار بيروت بعد الاشتباه بعدد من العائلات. ثم بعدها اتخذ عمر قراره بعد فوات فرص كثيرة.
وحتى عودته إلى دمشق عبر معبر نصيب الحدودي لم تكن سهلة، إذ إن رحلة تستغرق عادة ساعة امتدت يومًا كاملًا بين حواجز النظام والمعارضة.
انطلق عمر من دمشق إلى حمص، فإدلب، فالحدود التركية، إلى أنطاكية، ثم إسطنبول. في كل محطة قصة وغصة.
ومن إسطنبول إلى إزمير بدأ رهاب البحر. الخوف من المجهول رافقه حتى الوصول إلى جزيرة ساموس، حيث خاض إضرابًا للخروج إلى أثينا، ثم تعددت المحاولات وفشلت الواحدة تلو الأخرى، وحتى تجربة جزيرة كريت التي نصحه بها المهرّب لم تنجح.
وأخيرًا، تمكن من الوصول إلى النمسا، ثم السويد، ثم هولندا، ليصل إلى أمستردام.
تنتهي الرحلة جغرافيًا في أمستردام، لكنها تبدأ نفسيًا هناك؛ فالوصول ليس نهاية الحكاية، بل بداية مواجهة جديدة مع الذات والذاكرة والهوية.
التوثيق هنا ليس ترفًا.. وهذه الرواية نموذجًا
الذاكرة مسؤولية، وحفظها ركيزة من ركائز التاريخ، ورواية “لاجئ ويعيد” تمثل خطوة مهمة في تعزيز الوعي وتثبيت السردية الفلسطينية.
وانطلاقًا من هذه القناعة، فإن التوثيق ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو أحد أشكال الرقابة الشعبية الفاعلة، من خلال حفظ الذاكرة الجماعية وصون تفاصيلها من التبدد أو التشويه والتحريف. فتوثيق التجربة الفلسطينية في مختلف محطاتها يرسّخ السردية الوطنية ويمنحها حضورًا متجددًا في الوعي العام.
وتشمل هذه المحطات ما كان أشدها قسوة وأعمقها أثرًا: من اللجوء في المخيمات إلى الهجرة في المنافي والشتات، حيث تتشكل حكايات الألم والصمود معًا.
ومن هنا يأتي هذا العمل الروائي بوصفه إسهامًا حيًا في صون الذاكرة الفلسطينية المعاصرة، ومواجهة النسيان والتزوير، والحفاظ على الهوية الوطنية بوصفها حقيقة تاريخية وحقًا لا يسقط بالتقادم.
«لاجئ ويعيد» ليست مجرد رواية عن مهاجر، بل شهادة على زمن تشظّت فيه العائلات، وتكررت فيه النكبات، وتحوّل فيه الطريق إلى قدر طويل. إنها حكاية عن الفلسطيني السوري الذي عاش منفى داخل منفى، وحاول رغم كل شيء أن يعيد بناء حياته… حتى لو اضطر أن يبدأ من الصفر في كل مرة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى