
يحيي البوسنيون في الحادي عشر من تموز من كل عام ذكرى مذبحة سربرينيتسا المروعة، التي وقعت قبل واحد وثلاثين عاماً، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 أيار 2024، “يوماً دولياً للتفكر وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في سربرينيتسا”.
ويكتسب إحياء الذكرى هذا العام معنىً إضافياً، مع دفن عشرة من الضحايا في مجمع بوتوتشاري التذكاري، بعد العثور على رفاتهم والتعرف إلى هوياتهم خلال الفترة الماضية.
ولا شك أن ما حصل في البوسنة خلال الفترة الممتدة بين 11 و21 تموز 1995 هز الضمير الإنساني العالمي، وحركه، إلى جانب الجهود الحقوقية والسياسية الكبيرة التي بذلتها القيادة البوسنية، وكل المعنيين بالشأن الحقوقي على مستوى العالم، وصولاً إلى اعتماد هذا اليوم الدولي.
وهي مأساة تذكر، في جانب منها، بطبيعة تلك الحرب والمجزرة ذات الأبعاد الدينية والقومية، كما تذكر بالدور الأممي الذي لم يرقَ إلى مستوى مسؤولياته، إذ وقعت المجزرة، التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف إنسان، في منطقة كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها “منطقة آمنة”.
وهناك كثير من أوجه التشابه بين الحالة السورية والحالة البوسنية، وإن لم يكن هذا المقال معنياً بحصرها، فإنه يركز على واحدة منها، تتمثل في ضرورة العمل الحقوقي والسياسي لإعلان يوم عالمي لتذكر الذين قضوا من أجل حرية سورية وأهلها.
ونعتقد أن ذلك حق أخلاقي قبل أن يكون حقاً قانونياً وسياسياً، بالنظر إلى أساليب الموت التي تعرض لها السوريون، من المسالخ البشرية والمعتقلات، إلى البراميل المتفجرة والصواريخ، وصولاً إلى الغرق في البحار، أو التيه والجوع والموت في طرق الهجرة غير الشرعية، في ظل تكلفة بشرية هائلة ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.
إن إعلان يوم دولي لضحايا سورية، إن أمكن، ليس رغبة في إبقاء جرحنا الكبير مفتوحاً، بل هو يوم لتذكر ما قدمه السوريون من تضحيات في سبيل الحرية والكرامة، وللعمل على منع تكرار ما حل بهم، من خلال ترسيخ العدالة الانتقالية، وتوطيد السلم الأهلي، وعدم الإفلات من العقاب.
وما نتمناه ليس سهلاً ولا قريب المنال، ما لم تعمل الجهات القانونية والسياسية في الدولة السورية، ومنظمات المجتمع المدني، في تناغم وتكامل مع الهيئات الإقليمية والدولية الصديقة للشعب السوري، التي وقفت إلى جانبه خلال معاناته الطويلة، وصولاً إلى التحرير والانعتاق في الثامن من كانون الأول 2024.
وفي هذه الأيام التي يحيي فيها البوسنيون ذكرى تلك المجزرة البشعة، ويتضامن معهم أصحاب الضمير في العالم، يجدر بنا، نحن السوريين، قبل أي طرف دولي آخر، أن نعلن وقوفنا إلى جانب الضحايا وأهالي البوسنة، ليس لأننا ضحايا مثلهم، ولا لأننا ندعو إلى أن يكون لنا يومنا الدولي الخاص، بل لأن نظام الأسد الأب وقف إلى جانب الصرب في ما ارتكبوه من مجازر وانتهاكات موثقة، وعمل على التعتيم إعلامياً على تلك الجرائم، فلم يأتِ على ذكرها في وسائل الإعلام السورية آنذاك، انحيازاً إلى حليفه الروسي، الذي كان أبرز داعمي صرب البوسنة في المحافل الدولية، ولموقفه من كل ما له صلة بالإسلام وهو الذي يصف نفسه بالعلماني.
ومن هنا، وإن جاء ذلك متأخراً، فإن من واجبنا، نحن السوريين ضحايا نظام الأسد، أن نعتذر إلى ضحايا مجزرة سربرينيتسا، وإلى الشعب البوسني كله، عن ذلك الموقف الذي لم يكن يمثل السوريين، وإنما كان يمثل النظام الذي اضطهد شعبه كما ساند مضطهدي غيره.
ولأن القتلة والمجرمين يتشابهون، فقد صوّت نظام بشار الأسد، إلى جانب ثماني عشرة دولة أخرى، ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بإعلان الحادي عشر من تموز يوماً دولياً للتفكر وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في سربرينيتسا، وكأنه، بهذا الموقف، يرد الجميل لحلفائه الذين وقفوا معه دائماً ضد شعبه.
وإذا كانت الإرادة الدولية قد تدخلت بشكل حاسم، فاعتقلت الزعيم السياسي لصرب البوسنة رادوفان كارادجيتش، وقائد جيشهم راتكو ملاديتش، وحاكمتهما، وقضت بسجنهما مدى الحياة، فإن السوريين جميعاً يتطلعون إلى اليوم الذي يرون فيه بشار الأسد وشقيقه ماهر، وغيرهما من كبار المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق السوريين، في قفص العدالة.
واليوم، ومع تنامي الاهتمام الدولي بمساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة وعدم الإفلات من العقاب، فإننا ندعو إلى الإسراع في سن قانون خاص بالعدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب، بما يسهم في توطيد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، حتى نستطيع تدويل مطلبنا، وجعله هدفاً وطنياً سامياً، رغم كثرة قضايانا وملفاتنا العالقة.
إن تكريم الضحايا لا يعني العيش في الماضي، بل هو أحد أهم الضمانات لبناء مستقبل لا تتكرر فيه المآسي، ولا يفلت فيه المجرمون من العدالة.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






