الجمهورية العربية السورية.. اسمٌ صنعه التاريخ لا السياسة 

  منذر العلو

بين الحين والآخر يخرج إلينا البعض ليطالب بتغيير اسم الجمهورية العربية السورية وحذف كلمة «العربية» منها، بحجة أنها لا تمثل جميع المكونات العرقية في البلاد.

والسؤال هنا: متى كانت التركيبة الديمغرافية للدول هي التي تحدد اسمها؟ ومتى كان اسم الدولة يرمز إلى التنوع العرقي أو الديني أو الطائفي لمواطنيها؟

ولو كان الأمر كذلك، لما استطاعت دولة في هذا العالم أن تحافظ على اسمها لعقود طويلة، لأنّ الهجرات البشرية منذ فجر التاريخ لم تتوقف يوماً، ولم يكف البشر عن الانتقال من مكان إلى آخر هرباً من الحروب أو بحثاً عن الأمن وسبل العيش، فمعظم دول العالم الحديثة تضم مكونات قومية وثقافية متعددة، ومع ذلك لم تتغير أسماؤها كلما تغيرت تركيبتها السكانية.

ولو كان هذا المعيار صحيحاً، لما وجدنا اليوم دولة اسمها تركيا، وهي تضم ملايين المواطنين من أصول عربية وكردية وشركسية ولازية وغيرها، وربما كان ينبغي أن تسمى جمهورية الأناضول بحجة التنوع العرقي فيها، وأمّا ألمانيا التي يعيش فيها ملايين المواطنين من أصول تركية وعربية وكردية وبولندية وغيرها، فلم يطالب أحد بتغيير اسمها الرسمي بسبب هذا التنوع، فاسم الدولة لا يُبنى وفقاً لأصول سكانها، وإنما وفقاً لتاريخها وهويتها السياسية والحضارية.

إنّ هذا الطرح يتجاهل الأسس التاريخية والقانونية التي تتشكل وفقها أسماء الدول، فأسماء الدول ليست شعارات سياسية مؤقتة، ولا تُعدَّل كلما ظهرت مطالب جديدة، وإنما هي نتاج قرون من التاريخ والتراكم الحضاري

إنّ سورية منذ قيام دولتها الحديثة، كانت جزءًا من الفضاء العربي سياسياً ولغوياً وثقافياً، فالعرب يشكلون الأغلبية السكانية، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، كما أنّ سورية كانت من أوائل الدول التي أسهمت في تأسيس مؤسسات العمل العربي المشترك، ومن هذا السياق التاريخي جاء اسم الجمهورية العربية السورية، لا بوصفه امتيازاً لقومية على أخرى، وإنما باعتباره تعبيراً عن هوية الدولة الحضارية وانتمائها العربي.

ومن الخطأ الخلط بين هوية الدولة وحقوق المواطنين، فالدولة قد تحمل اسماً يعبّر عن هويتها التاريخية، بينما يتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية بصرف النظر عن أصولهم القومية أو الدينية، لذلك فإن الاعتراف بالتنوع داخل المجتمع لا يستلزم بالضرورة تغيير الاسم الرسمي للدولة، بل يستلزم ضمان المساواة أمام القانون واحترام الحقوق الدستورية لجميع المواطنين.

إن كلمة «العربية» في اسم الدولة لا تعني أن جميع المواطنين عرب، تماماً كما أن اسم ألمانيا لا يعني أن كل من يعيش فيها ألماني الأصل، ولا يعني اسم تركيا أن جميع سكانها أتراك عرقياً، فالاسم يعبر عن هوية الدولة التاريخية والأغلبية الثقافية واللغوية التي تشكلت في إطارها الدولة الحديثة، وليس عن الوصف العرقي لكل فرد يحمل جنسيتها.

إن تغيير اسم الجمهورية العربية السورية ليس تعديلاً لغوياً بسيطاً، بل هو تغيير يمس رمزاً دستورياً ارتبط بتاريخ الدولة منذ عقود، وأصبح جزءًا من شخصيتها القانونية والسياسية، لذلك، فإنّ أي نقاش حول هذا الاسم يجب أن ينطلق من دراسة التاريخ، لا من اعتبارات سياسية آنية تعكس موازين القوى في مرحلة معينة، لأن الدول تُبنى بالتراكم التاريخي، وأسماؤها تمثل جزءًا من ذاكرتها، لا مجرد عنوان يمكن تغييره كلما تبدلت الظروف.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إنها الجمهورية العربية السورية، هويتها عروبية لأنها هوية الدولة تاريخياً والأغلبية الثقافية واللغوية التي تشكلت في إطارها الدولة الحديثة، وليس للوصف العرقي لكل فرد يحمل جنسيتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى