التسلّق والسلطة

سلام الكواكبي

في المجتمعات التي يطول فيها حضور السلطة المستبدّة، لا يقتصر أثر الاستبداد على المجال السياسي، بل يمتدّ إلى تشكيل النفوس والعلاقات الاجتماعية وأنماط السلوك اليومي، فالقوّة حين تتحوّل إلى مصدر وحيد للهيبة والرزق والفرص تخلق حولها طبقةً من المنتفعين والمتسلّقين الذين لا يكتفون بخدمة السلطة، بل يعيدون إنتاج منطقها على جميع المستويات. وهؤلاء لا يظهرون دائماً في صورة المسؤول الكبير أو صاحب المنصب الرفيع، بل قد نجدهم في الإدارة، والإعلام، والمؤسّسات الثقافية، وحتّى في الفضاء الرقمي، حيث يتقنون فنون التقرّب من القوّة والتماهي معها.

 أخطر ما تفعله تلك السلطة أنّها تنشر الخوف بعدّه قاعدةً ناظمة للعلاقات العامّة. فالخوف لا يبقى شعوراً فردياً، بل يتحوّل إلى ثقافة كاملة تدفع الناس إلى مراقبة كلماتهم، وإخفاء آرائهم، وتجنّب المبادرة، والبحث الدائم عن الحماية. وفي مثل هذا المناخ يزدهر نوع خاصّ من الأشخاص الذين يدركون أنّ الطريق إلى النفوذ لا يمرّ بالكفاءة أو الإنجاز، وإنّما عبر إتقان لغة الولاء والمبالغة في إظهار الإخلاص. هؤلاء هم متسلّقو السلطات الذين يبرعون في قراءة موازين القوّة أكثر من قراءتهم لحاجات المجتمع.

وتتعدّد أنماط هؤلاء المتسلّقين في واقعنا العربي المعاصر. أوّلهم المُبشّر الدائم، وهو الشخص الذي يحوّل كلّ قرار صادر عن السلطة إلى إنجاز تاريخي، وكلّ إخفاق إلى نجاح مؤجّل، وكلّ أزمة إلى دليل على الحكمة. لا يتعامل هذا النمط مع الوقائع كما هي، بل يعيد صياغتها وفق ما يخدم صورة القوّة. وهو لا يكتفي بالدفاع عن السلطة، بل يطالب الآخرين بالإعجاب بها والتصفيق لها، وكأنّ الولاء فضيلة أسمى من الحقيقة نفسها.

أمّا النمط الثاني فهو صيّاد الفرص. وهذا الشخص لا يرتبط بمبدأ أو فكرة، بل يتقن الانتقال السريع بين المواقع والمواقف. فإذا تغيّرت موازين القوّة تغيّرت معها خطاباته وتحالفاته وقناعاته المُعلَنة. وما يهمه في النهاية ليس ما يقوله أو يدافع عنه، بل ما يجنيه من مكاسب ومكانة ونفوذ.

كلّما اتّسعت دائرة الوعي بحقائق السلطة وآليات عملها وحدود قدراتها، تراجع حضور الأساطير التي تُنسج حولها

وهناك أيضاً المُخبِر الثقافي، وهو شخصية تراقب المجال العام أكثر ممّا تسهم فيه. ينشغل بتتبّع الآراء المختلفة، ويقدّم نفسه حارساً للثوابت أو للوطن أو للمؤسّسة، بينما يؤدّي عملياً دور الوسيط الذي ينقل الشبهات والتقارير والانطباعات. ويجد هذا النمط فرصته في البيئات التي يعلو فيها منسوب الخوف، لأنّ الناس يتجنّبون التعبير الحرّ خشية الوقوع تحت رقابته أو وشايته.

ومن أكثر الأنماط انتشاراً ذاك المتنمّر على الضعفاء. فحين يعجز الإنسان عن مواجهة مصدر القوّة الحقيقي، قد يبحث عن ضحية أسهل يفرّغ فيها غضبه وإحباطه. ولذلك نرى بعض المتقرّبين من السلطة يمارسون أقصى درجات القسوة على مَن هم أدنى منهم مرتبةً أو نفوذاً. فالمدير الصغير يتشدّد مع الموظّفين، والموظّف يتسلّط على المراجعين، والإعلامي يهاجم الفئات الهشّة، والناشط الإلكتروني يشنّ حملات تشهير على أفراد لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. إنّها سلسلة من العدوان المنقول من الأعلى إلى الأسفل، إذ يعجز المتنمّر عن مواجهة المتسلّط، فيوجّه بأسه نحو من يستطيع إيذاءه.

ويبرز كذلك نمط المتعمّم الرسمي، وهو الذي يحيط السلطة بهالة من القداسة المعنوية. قد لا يستخدم لغةً دينيةً بالضرورة، لكنّه يتحدّث عنها باعتبارها فوق النقد، ويصوّر قراراتها كأنّها حقائق نهائية لا تجوز مساءلتها. وهنا تتحوّل المؤسّسات إلى فضاءات مغلقة، ويصبح التبجيل بديلاً من النقاش، والترديد بديلاً من التفكير. ومع مرور الوقت، ينشأ مناخ يعتبر الاعتراض نوعاً من الخيانة أو الكفر، وتُعامَل الأسئلة بوصفها تهديداً لا فرصةً للفهم والتصحيح.

لا تتحرّر المجتمعات من الخوف بإسقاط أصنام السلطة فحسب، بل بأن تتجاوز أيضاً مَن بنوا مكانتهم على حراسة تلك الأصنام

وإذا كان الخوف هو الوقود الذي يغذّي هذه الأنماط، فإنّ المعرفة تبقى العامل الأكثر قدرة على إضعافها. فكلّما اتّسعت دائرة الوعي بحقائق السلطة وآليات عملها وحدود قدراتها، تراجع حضور الأساطير التي تُنسج حولها. فالسلطة، مهما بلغت قوّتها، تبقى عملاً بشرياً يمارسه بشر يخطئون ويصيبون، وليست قوّةً خارقةً تتجاوز المجتمع أو تعلو عليه. وعندما يدرك الناس هذه الحقيقة، يصبح من الممكن إعادة بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس الحقوق والمسؤوليات، لا على أساس الرهبة والتقديس.

إنّ المشكلة الأساسية في ظاهرة متسلّقي السلطات ليست في الأفراد وحدهم، بل في البيئة التي تكافئ هذا السلوك وتمنحه فرص التقدّم. فحين تصبح الطاعة أهمّ من الكفاءة، والمديح أهمّ من الصراحة، والولاء الشخصي أهمّ من المصلحة العامّة، فإنّ التسلّق يتحوّل إلى استراتيجية عقلانية للنجاح. أمّا عندما تُبنى المؤسّسات على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص، فإنّ قيمة المتسلّق تتراجع، لأنّ المجتمع لا يعود بحاجة إلى الوسطاء الذين يعيشون على استثمار الخوف.

ولهذا، لا تبدأ مواجهة هذه الظاهرة بإدانة الأشخاص فحسب، بل بإضعاف الشروط التي تسمح لهم بالازدهار. فكلّ خطوة نحو الحرّية، وكلّ توسّع في التعليم، وكلّ مساحة للنقاش المفتوح تقلّص الحاجة إلى المتسلّقين وتكشف حدود نفوذهم. وعندها يصبح المواطن أكثر ثقةً بنفسه، وأكثر قدرةً على التمييز بين الخدمة العامّة الحقيقية وبين الاستعراض الدائم للولاء. فالمجتمعات التي تتحرّر من الخوف لا تكتفي بإسقاط أصنام السلطة، بل تتجاوز أيضاً أولئك الذين بنوا مكانتهم على حراسة تلك الأصنام وتزيينها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى