
تجاوزت الحرب في الزمن السوري الرهيب الاستثناء في الحدة والقسوة، كانت يد التوحش طويلة حتى امتدت لتخرج من شاشات التلفزة والموبايل، بينما يسيل الدم بغزارة في كل مكان كأنه لن يتوقف يوما. حينذاك كانت لغتي غاضبة، ساخطة، تبحث عن نفسها وسط فيض معقد من المشاعر المليئة بالذهول والعجز والهزيمة. إنها المرة الأولى التي أواجه فيها الحرب، طالما سمعت عنها وحسبتها بعيدة، لكنها عنوة ومن دون استئذان دخلت بيتي، بيوت أفراد عائلتي وأقاربي، جيراني وأصدقائي، وشعبًا بكامله. كنا جميعا ضحايا مهما اختلفت المواقف والضفاف.
كنت أصغر سنًا ومن دون تجربة في مواجهة الحروب، ولغتي حينذاك كانت أقرب إلى الحنجرة من التأمل، ومن صدمة الأسئلة الكثيفة إلى التحليل. لم يكن عملي الصحفي أو الكتابة عمومًا مشروعًا فكريًّا باردًا أو بيروقراطيًّا، ولم يكن ثمة فرصة هادئة للتمرن على فهم سياسة الحرب وآليات عملها المعقدة. كنت حينئذٍ كما غيري أتوسل البقاء والتماسك الإنساني أمام مشاهد ومشاهدات تحطم فيها عمران اللغة مع أول رصاصة، كما انهارت معها معاني البيوت والمشافي والمدن.
طالما حاصرتني أسئلة الحرب القلقة واستحكمت من رقبتي إشارات الاستفهام، كانت كمشنقة تحاول إعدامي كل صباح، وكانت الإجابات القليلة التي في حوزتي مليئة بالدم والقيح والرعب والمقابر، كانت الأجوبة صادمة وقد زلزلت الاتزان ما بين كفتي خيار الصمت وواجب الكلام. في الحرب، بدا لي أن الصمت تواطؤًا معلنًا مع الشر والخراب. ولكنه في مواجهة غابة الغرائز، بدا كشجرة وارفة من الفضائل. كانت منابر الحرب تعمل كآلات ضخمة لإنتاج معنى مقلوبٍ لكل شيء، زوّرت متن الحكاية، انتحلت الشهود والأبطال، جملت وجه الجريمة، وأطلقته في فضاءات السوريين. لذلك بدا السؤال عن جدوى الكتابة والبوح مشروعًا، كيف أقدم كصحفي وثيقة شعورية لما جرى، والسوري في ميدان التظاهر والاحتجاج يكتب شعره بدمه؟ كيف أكتب عن معنى لا يتكسر أمام كل هذا الجنون ورصاصه الأعمى، ومن هول المجازر الجماعية في المعتقلات وخارجها؟ كيف أبدّد الغضب في اللغة وهو ينفجر كبركان؟ كيف أوثق الانفعالات في أثناء مواجهة الحرب وجها لوجه، وهي تحاول أن تنهشني بأنيابها؟ كيف يمكن للإنسان أن يتكلّم وهو يعبر جحيمًا من الكراهية والحقد والظلم والاتهام والعنف وأحكام المناكفة؟ جحيمًا من الفجور والتجنّي والطعن والاغتيال؟ كيف لي أن أحتفظ بإنسانيتي وأنا في أعماق غابة الغرائز؟
كانت عقارب الزمن السوري الرهيب مدافع لا تنفد قذائفها، توزعها في كل الاتجاهات، صوب الذاكرة البعيدة، ومعنى الحضارة التي صار الحديث عنها ترفا، وعلى الناي الحزين وهو يعزف منفردًا على تلة تحيط بها النيران وأعمدة الدخان، انكسر الناي، سقطت النغمات، وانهارت الحضارة.
كانت عقارب الزمن السوري الرهيب مدافع لا تنفد قذائفها، توزعها في كل الاتجاهات، صوب الذاكرة البعيدة، ومعنى الحضارة التي صار الحديث عنها ترفا، وعلى الناي الحزين وهو يعزف منفردًا على تلة تحيط بها النيران وأعمدة الدخان، انكسر الناي، سقطت النغمات، وانهارت الحضارة.
كانت تعود بي الذاكرة إلى بعض نصوصي القديمة، والتي طالما أسرفت فيها في الحديث عن خبرة أجدادنا في ترويض غابة الغرائز قبل آلاف السنين، صرت أشعر أن هذه العودة ضرب من المبالغة. ما الفائدة من القول بأنهم أول من نثر بذور المجتمع المدني في تلك الغابة؟ وأنهم أول من سن القوانين والشرائع وحدد منطق العقوبات، بعد أن شيدوا فيها مباني ومؤسسات للعدالة؟ سيبدو كل ذلك خيالًا عندما نرى غابة الغرائز التي تنمو مجدّدًا على امتداد الأرض السورية إثر هروب الحضارة.
إنه لمن المثير والجريء أن أحاول إعادة التعريف بمفهوم الحضارة بعد ما عرّفها مفكرون كبار وفلاسفة، لكني رأيتها بالجرم المشهود تهرب خلسة مع أول رصاصة! ورأيت الغرائز بعدها كيف جمحت، وكيف صارت بلا مكابح ولا ضوابط ولا تصنيف ولا تهذيب! ما بالي أتحدث عن ذلك وأنا كنت من الطامحين بأن يتم العمل بعد انتصار الثورة السورية على رفع جودتها وتوطيد أسسها الإنسانية والإبداعية والجمالية!
الحرب هي غابة الغرائز، والكراهية هي الرطوبة التي تمدها بعناصر الاستمرار والنمو. فتصبح النفس البشرية عارية، ويظهر الإنسان كما لو أنه قادم من عصور ما قبل الكهوف البعيدة. وفي داخله تاريخا طويلا من الصراع مع كل شيء من أجل البقاء.
في غابة الغرائز لا يوجد بين أحراشها وأوكارها أسئلة عن القيم والأخلاق، لا شيء يطلق عليه حقوق الآخرين، ما يوجد فيها أسئلة جائعة لالتهام البقاء والديمومة وإِشباع الأدرينالين بشروره السبعة وما يتفرع عنها.
لقد كشفت الحرب في كل مرة اندلعت فيها، بأن الحضارة ليست بالصلابة التي نعتقدها، إنها قشرة رقيقة تحجب عنّا رؤية غابة الغرائز التي تشعلها أولى الرصاصات وأولى ضربات السيف. كشفت الحرب بأن مبنى من الحضارة يخفي خلفه غابة من الغرائز.
ومع ذلك ما زلت أسأل وبقلق، كيف يكتب الإنسان من على حافة العدم؟ كيف ستقف اللغة على حروفها ومعانيها بعد أن أدخلتنا الحرب إلى تلك الغابة؟ كيف يستوي البوح عن إدراك بأن غابة الغرائز هي من خرجت من داخلنا؟!
المصدر: تلفزيون سوريا






