
شهدت الساحة السياسية في موريتانيا، مطلع يوليو/ تمّوز الحالي، خطوةً تشريعيةً بارزةً، من شأنها رسم ملامح مرحلة سياسية جديدة، إثر إقرار البرلمان تعديلات قانونية على النظام الأساسي لضبّاط الجيش الوطني، تفرض قيوداً صارمةً على مشاركة العسكريين في الحياة السياسية، بمن فيهم المتقاعدون وأفراد الاحتياط، من دون إذن مسبق من السلطات، في مسعى واضح إلى فكّ الارتباط التاريخي المزمن بين المؤسّسة العسكرية والمجال السياسي، والدفع بقطار مدنية الدولة نحو مربع جديد.
يمثّل القانون الجديد محاولةً جادّةً لإعادة صياغة العقد السياسي في موريتانيا، ونقطة تحوّل جوهرية تنهي قاعدةً غير مكتوبة شكّلت المشهد العام منذ انقلاب عام 1978، إذ ظلّت المؤسّسة العسكرية، عقوداً، البوابة الرئيسة لإنتاج السلطة والتحكّم في مفاصلها. يؤسّس هذا التحوّل لقطيعة مع مرحلة كان فيها الجيش فاعلاً ومؤثّراً في اللعبة السياسية وتوليد النُّخب الحاكمة، للانتقال إلى أخرى جديدة ينحصر دوره فيها في حماية الاستقرار وضمان الأمن القومي بعيداً عن دواليب السياسة.
منذ أفول الحكم المدني الأوّل الذي أعقب الاستقلال عام 1960، بقيادة الرئيس المختار ولد دادا، الذي استمرّ 18 عاماً تحت مظلّة نظام الحزب الواحد، عرفت نواكشوط تعاقباً لرؤساء قادمين من خلفية عسكرية. لم يكسر هذه القاعدة سوى قوس عابر مثّلته تجربة الرئيس المدني الراحل سيدي محمّد ولد الشيخ عبد الله (2007 – 2008) التي لم تدم سوى 15 شهراً، قبل أن تصطدم بقيادة الجيش إثر قرار الرئيس بعزل أربعة من كبّار الضباط، ما عجّل إطاحته واعتقاله.
ظلّ الجيش الموريتاني الفاعل السياسي الأقوى والموجِّه الأساسي للمشهد منذ أواخر السبعينيّات
عاد الجيش إلى السلطة إثر انقلاب عسكري أبيض، وقاد الجنرال محمّد ولد عبد العزيز الحُكم، ليثبّت حكمه لاحقاً عبر صناديق الاقتراع بالفوز من الدور الأوّل، فحكم البلاد فترتَين رئاسيتَين متتابعتَين (2009 – 2019). بعدها آل الحكم إلى وزير دفاعه، ورفيق دربه محمّد ولد الغزواني، في ما وُصف بأوّل تداول سلمي للرئاسة في تاريخ البلاد بين “جنراليْن”، بعد إخفاقه في تعديل الدستور لولاية ثالثة. بيد أنّ الخلافات سرعان ما دبّت بين الرجلَين بعد رفض ولد الغزواني بقاء سلفه حاكماً من خلف الكواليس، ما فجّر صراعاً صامتاً دفع ولد عبد العزيز إلى تحريك محاولة انقلابية فاشلة عبر الحرس الرئاسي، وانتهى الأمر بإدانته قضائياً بالسجن 15 سنة بتهم الفساد والإثراء غير المشروع.
يسهم هذا السرد التاريخي في كشف حقيقة أنّ الجيش الموريتاني ظلّ الفاعل السياسي الأقوى والموجِّه الأساسي للمشهد منذ أواخر السبعينيّات. من هذا المنطلق، تتباين القراءات حول خلفيات هذا القانون بين من يعتبره خطوةً تأسيسية نحو الدولة المدنية، والضمانة الوحيدة لإنهاء دوامة العسكر المقنَّع، بقطع الحبل السري بين البزّة العسكرية وصندوق الاقتراع، وطيف يراه مناورة استباقية لهندسة مشهد 2029، أي ما بعد الغزواني، من خلال إعادة ضبط العلاقة بين المؤسّسة العسكرية والسلطة المدنية، بما يؤمّن انتقالاً آمناً وسلساً للسلطة.
يهدف الرئيس ولد الغزواني من خلال هذه الضوابط، إلى حماية خليفته المدني في انتخابات 2029 من أيّ تشويش أو طموح قد يراود رفاق السلاح
يسعى النظام بهذه الخطوة إلى صدّ أيّ منافسة مفترضة من الثكنة العسكرية، بوصفها الخزّان التقليدي الذي يوفّر دوماً بدلاء جاهزين لسدّة الرئاسة، وهو المدرك أنّ قوة المؤسّسة العسكرية لا تتأتّى فقط من ممارستها السياسة بقناع حزبي عبر نخبة هجينة تخلع البذلة العسكرية، وإنّما من التغلغل العميق في البنية القبلية وشبكات المصالح المالية والاجتماعية الممسكة بمفاصل الدولة.
يثير القانون الجديد إشكالاً حقوقياً ودستورياً عميقاً، فإذا كان حظر ممارسة العمل السياسي على العسكري في أثناء الخدمة الفعلية مفهوماً ومسوّغاً بدعوى فرض الانضباط داخل الجيش وضمان حياده، فإنّ تمديد القيود إلى ما بعد الخدمة الفعلية يثير إشكالات قانونية، فالضابط المتقاعد يبقى مواطناً مدنياً بمجرّد خروجه من الخدمة، ولا مبرّر لحرمانه الحقوق السياسية، كالترشّح والانتخاب والتعبير، التي يكفلها الدستور، ما يثير مخاوف من تحوّل القانون إلى أداة لتصفية حسابات مستقبلية، تهدف إلى تحصين السلطة وضمان عدم خروجها من مسارها المرسوم.
سياسياً، يبعث النظام عبر هذا القانون رسالةً مبطّنةً إلى الفاعلين في المشهد السياسي، مفادها بأنّ مغادرة الخدمة العسكرية لم تعد تذكرة عبور تلقائية نحو الفضاء السياسي، وأنّ الدولة حريصة على منع تحوّل الرصيد الرمزي لقادة الجيش إلى مشاريع سياسية منافسة قادرة على تغيير قواعد اللعبة.
تكريس مدنية الدولة ينبغي ألا يكون عبر تقييد حقوق المواطنة لفئة من المواطنين بناءً على خلفيتها المهنية السابقة
على افتراض صدق النيّات في التوجّه نحو تكريس مدنية الدولة وإبعاد المؤسّسة العسكرية عن المنافسة السياسية، فإنّ ذلك ينبغي له ألا يكون عبر تقييد حقوق المواطنة لفئة من المواطنين بناءً على خلفيتها المهنية السابقة، بقدر ما يكون عبر تسييج قانوني محكم يضبط المنطقة الرمادية حيث يلتقي الجنرال بالسياسي، فهناك تكمن شبكات النفوذ والعلاقات الرمزية المتراكمة للضبّاط خلال سنوات الخدمة، ما يحتّم وضع قواعد شفّافة تمنع تسييس المؤسّسة أو عسكرة السياسة، من دون مساس بحقوق الإنسان والمواطن.
يجد النظام في نواكشوط نفسه أمام محطّة مفصلية لإثبات جدّية مساعيه في تدشين حقبة جديدة تنأى بالجيش عن توجيه الحياة السياسية في البلاد. وهذا ما لا يتأتّى بالشعارات، بل بتقديم القدوة المؤسّسية، عبر حملة تطهير في مفاصل الدولة تنهي استحواذ الضباط السابقين على المناصب السيادية والحقائب الوزارية وإدارة المؤسّسات العمومية. فالمصداقية تقتضي البدء بالذات قبل مطالبة الآخرين بالامتثال، والبناء الديمقراطي لا يستقيم مع تحوّل الامتيازات الفردية لقلّة نافذة إلى أداة إقصاء للأغلبية، وفرض شروط التضحية والامتثال على المعارضين، فيما يترفّع عنها أصحاب القرار.
خلف الستار القانوني الذي يسعى، ظاهرياً، إلى صوْن هيبة الجيش وضمان عدم استغلال هيبته في المعارك السياسية، تتبدّى القراءة الواقعية للمشهد الموريتاني بأبعاد أكثر عمقاً. إنّها صياغة مبكّرة لمعادلة انتقال السلطة، فيبدو واضحاً أنّ الرئيس ولد الغزواني يهدف، من خلال هذه الضوابط، إلى حماية خليفته المدني في انتخابات 2029 من أيّ تشويش أو طموح قد يراود رفاق السلاح.
المصدر: العربي الجديد






