الاقتصاد يُبنى مرتين

لمى الجمل

يعتقد كثيرون أن الاقتصاد يُبنى في المصانع، والأسواق، والمرافئ، وخطوط الإنتاج. وهذه نصف الحقيقة فقط. فالاقتصاد يُبنى مرتين: مرة عندما تُنتج الثروة، ومرة قبل ذلك بكثير، عندما تُكتب القواعد التي تحدد كيف ستُنتج هذه الثروة، ومن سينتجها، وما هي الحدود التي سيتحرك الجميع داخلها.

لهذا، فإن اللحظات التشريعية الكبرى ليست أحداثًا قانونية فحسب، بل محطات اقتصادية أيضًا، حتى وإن لم يشعر بها المواطن في اليوم التالي، ولم تنخفض الأسعار، ولم ترتفع الأجور. فما يبدو في ظاهره نقاشًا تشريعيًا، قد يكون في جوهره تأسيسًا للمناخ الذي ستتشكل داخله القرارات الاقتصادية لسنوات طويلة.

وفي سوريا، ومع انعقاد الدورة الأولى لمجلس الشعب في مرحلة تسعى فيها الدولة إلى إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، يكتسب هذا المعنى أهمية خاصة. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد القوانين التي يمكن أن تصدر، بل بنوعية القواعد التي ستنتجها المؤسسة التشريعية، وبقدرتها على تحويل القانون من نص يُقرأ إلى نظام يُمارس، ومن إعلان تشريعي إلى سلوك مؤسسي مستقر.

ويُنظر إلى البرلمانات غالبًا باعتبارها مؤسسات سياسية، في حين يغيب جانب آخر لا يقل أهمية؛ فهي، في جوهرها، مؤسسات اقتصادية أيضًا. ليس لأنها تدير الأسواق أو تحدد الأسعار، بل لأنها ترسم الإطار الذي تتحرك داخله الأسواق، وتحدد العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وبين الحقوق والالتزامات، وبين المخاطرة والاطمئنان.

فالاقتصاد لا يتحرك داخل الفراغ، بل داخل منظومة من القواعد. وكلما كانت هذه القواعد واضحة، ومستقرة، وقابلة للتطبيق بصورة متسقة، انخفضت كلفة اتخاذ القرار، سواء بالنسبة للمستثمر، أو لرجل الأعمال، أو حتى للمواطن الذي يقرر كيف ينفق دخله أو أين يضع مدخراته.

ولهذا، فإن وظيفة المؤسسة التشريعية لا تقتصر على إنتاج القوانين، بل تمتد إلى إنتاج بيئة يصبح فيها اتخاذ القرار الاقتصادي أكثر وضوحًا وأقل مخاطرة. فالتشريع ليس غاية في ذاته، بل أداة لتنظيم السلوك الاقتصادي، وتقليل مساحة الغموض، وتوفير قواعد متساوية يمكن للجميع العمل ضمنها بثقة واستقرار.

فالاقتصاد لا يتحرك داخل الفراغ، بل داخل منظومة من القواعد. وكلما كانت هذه القواعد واضحة، ومستقرة، وقابلة للتطبيق بصورة متسقة، انخفضت كلفة اتخاذ القرار، سواء بالنسبة للمستثمر، أو لرجل الأعمال، أو حتى للمواطن الذي يقرر كيف ينفق دخله أو أين يضع مدخراته.

واليقين، في الاقتصاد، ليس مفهومًا نظريًا، بل مورد اقتصادي بحد ذاته. فكلما ازدادت قدرة الأفراد والشركات على توقع كيفية تطبيق القانون، انخفضت كلفة المخاطرة، واتسعت مساحة المبادرة، وازدادت قابلية الاقتصاد للنمو.

ومن هنا، فإن نجاح أي مجلس تشريعي لا يُقاس بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على بناء منظومة قانونية تجعل النتائج أكثر قابلية للتوقع، وتحد من الحاجة إلى الاجتهادات المتباينة والتفسيرات المتعارضة.

فالقانون الذي يحتاج إلى تفسير جديد في كل مرة يُطبَّق فيها، لا ينتج استقرارًا، مهما بلغت جودة صياغته. كما أن التشريع الذي يفتح الباب أمام نتائج مختلفة في وقائع متشابهة، لا يضيف إلى الاقتصاد مرونة، بل يضيف إليه كلفة خفية لا تظهر في الموازنات، لكنها تؤثر في قرارات الاستثمار والإنتاج والتوسع.

ولذلك، فإن الاقتصادات التي تحقق قفزات نوعية ليست بالضرورة تلك التي تصدر أكبر عدد من القوانين، وإنما تلك التي تجعل القانون أقل حضورًا في النقاش اليومي، لأنه أصبح واضحًا، ومستقرًا، ومتوقع النتائج. فنجاح التشريع يُقاس أحيانًا بقدرته على أن يصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة الاقتصادية، لا موضوعًا دائمًا للخلاف حول كيفية تطبيقه.

وفي الدول التي تمر بمراحل إعادة بناء، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية. فإعادة بناء الطرق والمصانع يمكن قياسها بالأرقام، أما إعادة بناء الدولة الاقتصادية فلا تتحقق إلا عندما يشعر الفاعلون الاقتصاديون بأن قواعد العمل أصبحت أكثر استقرارًا من التقلبات، وأن المؤسسات قادرة على إنتاج قرارات متسقة لا تتغير بتغير الأشخاص أو الظروف.

وسوريا اليوم لا تحتاج إلى تشريعات أكثر مما تحتاج إلى تشريعات تؤسس لاستقرار مؤسسي طويل الأمد. لأن بناء الاقتصاد لا يبدأ عندما تدخل الاستثمارات، بل عندما تصبح البيئة القانونية قادرة على منح الجميع التوقع نفسه تجاه القرار نفسه، وتتحول المؤسسة التشريعية إلى أحد مصادر اليقين في الحياة الاقتصادية، لا مجرد جهة لإصدار النصوص.

فالأسواق لا تكافئ كثرة القوانين، وإنما تكافئ جودة المؤسسات التي تنتجها وتطبقها.

وفي النهاية، يبقى الاقتصاد مشروعًا مؤسسيًا قبل أن يكون مشروعًا ماليًا. فالمصانع يمكن أن تُبنى خلال سنوات، أما المؤسسات التي تمنح الاقتصاد استقراره فتحتاج إلى رؤية، وتشريع، واستمرارية.

ولهذا، فإن الثروة لا تبدأ يوم يُفتتح مصنع جديد، ولا يوم يدخل مستثمر إلى السوق، بل تبدأ في اللحظة التي يقتنع فيها الجميع بأن القواعد أصبحت أوضح من أن يُختلف عليها، وأكثر استقرارًا من أن تتبدل مع كل مرحلة.

فالدول لا تبني اقتصاداتها حين تُراكم القوانين، بل حين تنجح في بناء مؤسسات تجعل القانون قاعدة مستقرة للحياة الاقتصادية. ولهذا، فإن الاقتصاد يُبنى مرتين: مرة في السوق… ومرة قبل ذلك، تحت قبة البرلمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى