مونديال 2026: متعة ينغصّها البيزنيس والسياسة

  بسام مقداد

قد يكون أهل منطقتنا الأكثر ترحيباً ببطولة العالم في كرة القدم التي تنتهي غداً الأحد. فخلال شهر ونيف أتاحت لهم الإنصراف، ولو قليلاً، عن حياتهم الغارقة في فظائع الحروب المتناسلة منذ 7 أكتوبر 2023. وكمية أعلام الدول المشاركة في البطولة التي ترفرف على شرفات المنازل وفوق السيارات، والمنازلات الكلامية في المقاهي وعلى مواقع شبكات التواصل الإجتماعي، تشير إلى أن المونديال نجح في خلق ملاذ يسهى فيه الناس، ولو إلى حين، عن هموم الحرب ومآسيها وويلاتها.

المساحة التي يتيحها المونديال لأهل المنطقة لنيل غفوة عن ما هم فيه من هموم ومخاوف وقلق، هي أقصر من أن تمنحهم ترف المشاركة النشطة في لنقاشات الدائرة في العالم حول المونديال الحالي. والعالم مأخوذ بما يجري في المونديال لأول مرة، ويجعل ما بعده بعيداً عما كان قبله، وينقل المونديال إلى مرحلة جديدة يلعب فيها الذكاء الاصطناعي والتطور العلمي دوراً حاسماً. فما يجري يبهر العالم ويدهشه  بضخامته وحداثته وجديده الذي لم يعد يسمح بالعودة إلى ما كان من قبل. وما يجري حول الملاعب والمباريات من بدع الذكاء الإصطناعي والألوان المبهرة يجعل المونديال أقرب إلى كرنفال الريو دي جانيرو الشهير ــ عرس الجسد والبهجة والألوان.

لكن الدهشة وضخامة ما يجري في المونديال، لم تنقذه من النقاش حول العديد من المسائل التي يرى النقاد أنها تنغص استثنائيته بنظرهم. أوروبا انتظرت منذ أن وقعت القرعة على البلدان المضيفة الآن للمونديال في العام 2018 وحتى مطلع السنة الحالية لتعلن عزمها على مقاطعته. فقد أشار موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية في 27 كانون الثاني/يناير من السنة الجارية إلى أن أوروبا تشهد تصاعدًا في الدعوات إلى مقاطعة كأس العالم لكرة القدم، في محاولة للاحتجاج على سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعتبر مونديال 2026 “مشروعه الشخصي”. وبحسب ما أوردته، في 27 كانون الثاني/ يناير، كل من صحيفة “لوموند” الفرنسية و”غارديان” البريطانية وموقع “فوربس سبورت” الأميركي، فإن بعض كبار المسؤولين يضغطون بشدة من أجل ذلك، إلى درجة أن هذا الاحتمال لم يعد يبدو مستحيلًا.

مقاطعة أوروبا التي بدت محتملة في مطلع السنة، لم يبق لها أثر بعد انطلاق المونديال في الشهر الفائت. فقد تغير الجو السياسي بين أوروبا وأميركا بشكل شبه كلي خلال هذه الفترة بسبب تطورات الحرب الأميركية الإيرانية، التي جعلت ترامب بحاجة لمساعدة اوروبا في مأزق مضيق هرمز، وحضر ترامب قمة الناتو الأخيرة في أنقرة، بعد تردد طويل.

السياسة لم تترك الرياضة وشأنها في يوم من الأيام. وتشكل مع البيزنس الذي حوّل الرياضة إلى أحد أهم مجالات استثمارته، العامل المنغص الرئيسي للمتعة التي تحملها الرياضة للبشر. وإذا صح ما يتم تداوله عن تدخل ترامب شخصياً مع رئيس الفيفا لإلغاء البطاقة الحمراء بحق أحد لاعبي الفريق الأميركي، يتحقق ما يذهب إليه كثيرون من أن السياسة لا تتخلف عن البيزنس في تشويه هذه المتعة.

موقع الخدمة الروسية في الموقع السلوفينيvreme  نشر في 12 الجاري نصاً عنونه بالقول “الرياضة والسياسة والبيزنيس: لماذا يُوصف مونديال 2026 بأنه أكثر بطولات كأس العالم جنونًا في التاريخ؟”.

رأى الموقع في مستهل نصه أن المونديال لم يشهد من قبل مثل هذه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي يواجهها هذا العام، إذ تحوّل “أهم حدث رياضي في العالم بعد الألعاب الأولومبية” إلى استعراض بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقلّما تنفصل نهائيات كأس العالم لكرة القدم عن السياسة، غير أن كرة القدم لم تشهد من قبل ظروفًا جيوسياسية مماثلة، حيث تخوض إحدى الدول المستضيفة حربًا مع دولة مشاركة، بينما يضطر منتخب الأخيرة إلى السفر من دولة أخرى للمشاركة في مبارياته. ويُضاف إلى ذلك تزامن لافت يتمثل في أن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك تجد نفسها في خضم حرب تجارية واسعة النطاق. ووفقًا لما ذكرته BBC، فإن الفترة الممتدة بين حفل الافتتاح والمباراة النهائية ستشهد إعادة تفاوض بين الدول الثلاث على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ويولي ترامب أهميةً كبيرةً لبطولة كأس العالم ومموليها، حتى إنه مازح قائلاً إن هزيمته أمام جو بايدن في انتخابات عام 2020 هي التي أتاحت له العودة إلى البيت الأبيض في الوقت المناسب لحضور نهائيات كأس العالم لكرة القدم، وكذلك دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028. وفي وقت سابق، كان قد حصل على جائزة السلام من الفيفا في مراسم أثارت جدلاً واسعاً، قبل أن يشن حرباً على إيران، أدت إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

عن العلاقة المثيرة للجدل التي تربط رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA جياني إنفانتينو، تحدث موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله الألماني DW في نص نشره في 9 الشهر المنصرم.

قال الموقع أنه في الأشهر التي سبقت كأس العالم 2026، تعرض الاتحاد الدولي لكرة القدم بقيادة رئيسه جياني إنفانتينو، لانتقادات متكررة بسبب قربه غير المعتاد من دونالد ترامب. فقد ظهر إنفانتينو مراراً إلى العلن برفقة رئيس الولايات المتحدة. في 19 شباط/فبراير 2026، جلس إنفانتينو على المنصة خلال انعقاد أول اجتماع لـ”مجلس السلام” بشأن غزة، حيث ظهر وكأنه من أشد معجبيه، مرتدياً قبعة حمراء كُتب عليها “الولايات المتحدة” والأرقام “45-47” التي ترمز إلى فترتي رئاسة ترامب. وخلال مراسم سحب قرعة كأس العالم، سلّم إنفانتينو الرئيس الأميركي جائزةً أُنشئت خصيصاً له، وهي “جائزة السلام التابعة للفيفا”، التي أصبحت، عملياً، بمثابة تعويض عن رفض منحه جائزة نوبل للسلام.

في سياق الحديث عن سياسة الهجرة التي تتبعها الولايات المتحدة وتأثيرها على المونديال، قال الموقع إن الحكومة الأميركية فرضت مؤقتاً على الزوار القادمين من بعض الدول رهناً مالياً يصل إلى 15 ألف دولار، لا يُرد إليهم إلا بعد مغادرتهم البلاد. ورغم إلغاء هذا الإجراء بالنسبة إلى كثيرين من حاملي تذاكر كأس العالم 2026 قبيل انطلاق البطولة بوقت قصير، فإنه يوضح بجلاء مدى تأثير سياسات الأمن والهجرة في مجريات البطولة.

وعلى غرار كافة المواقع التي تناولت تأثير السياسة والبيزنس على المونديال، توقف الموقع عند ثمن بطاقات الدخول والإمتيازت التي تمنح لأصحاب البطاقات المميزة. أشار الموقع إلى أن نظام بيع تذاكر المونديال يتسم بطابع تجاري شديد. فمنذ بدء طرح التذاكر، كانت الأسعار الرسمية مرتفعة للغاية، إذ بلغ ثمن العديد من المقاعد عدة آلاف من الدولارات، بينما وصل السعر الأولي لتذاكر الدرجة الممتازة لمباراة النهائي إلى نحو 11 ألف دولار. واعتمدت فيفا للمرة الأولى ما يُسمّى “التسعير الديناميكي”، ما أدى إلى تغيّر كبير في الأسعار تبعاً لحجم الطلب، فحتى ضمن المرحلة نفسها من مراحل البيع، دفع المشجعون مبالغ مختلفة مقابل المقاعد نفسها. ولذلك تُتهم  الفيفا من قبل منظمات المشجعين وجماعات الدفاع عن حقوق المستهلك بفرض أسعار مبالغ فيها، وبغياب الشفافية، وباعتماد عملية بيع غير عادلة، بل وتقدمت بشكوى إلى المفوضية الأوروبية. كما أعلنت النيابات العامة في ولايتي نيوجيرسي ونيويورك أنها تعتزم إجراء تحقيق في نظام الفيفا لتوزيع التذاكر.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى