
يا تموز… يا أقسى الشهور
افتتح ت. س. إليوت قصيدته الخالدة “الأرض الخراب” بعبارة أصبحت من أشهر افتتاحيات الشعر الحديث: “أبريل أقسى الشهور” (April is the cruellest month).
بدت العبارة يومها مفارقة محيرة؛ فكيف يكون الربيع، فصل التفتح والولادة، أقسى الفصول؟ لكن إليوت لم يكن يتحدث عن الطقس، بل عن الذاكرة. فالربيع يوقظ ما حسبناه مات، ويبعث الرغبات والحنين والذكريات، فيجبر الإنسان على مواجهة ما فقده، ويذكره بأن ما اندثر في الخارج قد يظل حيا في الداخل.
ومن زاوية أخرى، اقتربت الشاعرة السويدية كارين بويه من الفكرة ذاتها حين كتبت في قصيدتها الشهيرة “نعم، يؤلم حين تتفتح البراعم.”
Ja visst gör det ont när knoppar brister.
لم تكن تتحدث عن الأزهار وحدها، بل عن الإنسان أيضا. فكل ولادة يصاحبها وجع، وكل نمو يقتضي التخلي عن شيء من الماضي، وكل تحول حقيقي يبدأ بتصدع صامت لا يسمعه أحد. حتى الربيع لا يمنح الأشجار خضرتها إلا بعد أن تشق البراعم أغلفتها الضيقة في ألم خفي. وكأن الحياة لا تهبنا التجدد إلا بعد امتحان من الوجع.
أما أنا، فأقول: تموز هو أقسى الشهور. ليس لأن شمسه أكثر لهيبا، بل لأن ذاكرة هذه المنطقة حملت إليه الانقلابات والهزائم والحرائق والفواجع. حتى غدا اسمه، في وعينا الجمعي، مرادفا للتحولات الكبرى التي لا تترك البشر كما كانوا.
قبل أيام قليلة من رحيله، كتب الصديق والأخ، شيخ المترجمين، الدكتور موسى الحالول، منشورا ساخرا على عادته عن شهر تموز، قال فيه: “ماكو شاعر كتب: يا شهر تموز… يا شهر الانقلابات.”
كان يقصد الانقلابات العسكرية التي عرفها العراق وبلدان أخرى. كان يمازح التاريخ بطريقته الذكية، ولم يخطر ببال أحد أن تموز سيكتب بعد أيام فصلا آخر من حكايته؛ فصلا لا تصنعه الدبابات، ولا يعلنه ضابط عبر الإذاعة، بل يكتبه المرض بصمت.
خلال أيام قليلة تبدل كل شيء. تحولت العافية إلى مرض، والحركة إلى غيبوبة، وأحاديث الأصدقاء إلى دعوات صادقة على أبواب المستشفيات.
ثم جاء الرحيل. رحلة أخيرة انتقل فيها من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن ضيافة البشر إلى ضيافة الرحمن، بعد عمر قضاه مسافرا بين اللغات والثقافات، يحمل المعرفة كما يحمل المسافر زاده، ويعود منها محملا بالكتب والأفكار.
ترك الدكتور موسى الحالول ما يقارب سبعين كتابا بين ترجمة وتأليف، لكنها ليست مجرد عناوين على رفوف المكتبات، بل جسور متينة مدها بين الحضارات، وأثر ثقافي سيبقى شاهدا على أن الإنسان قد يغيب، لكن الكلمة الصادقة تواصل حياتها بعد صاحبها.
كان إليوت يرى أن قسوة أبريل تكمن في إيقاظ الحياة داخل أرض خراب، وكانت كارين بويه ترى أن التفتح لا يحدث إلا عبر الألم. أما تموز، فيجمع القسوتين معا؛ ففيه تتفتح في القلب براعم الفقد، وندرك أن الذين ملأوا حياتنا علما ومحبة قد يرحلون فجأة، تاركين فراغا لا تملؤه الكلمات. إنه الوجع الذي يرافق كل تحول كبير؛ حين يغلق الموت بابا، ويفتح الذكر بابا آخر.
لهذا، إذا كان إليوت قد قال إن “أبريل أقسى الشهور”، فإنني، وأنا أودع صديقا وأخا وقامة ثقافية كبيرة، أقول: تموز هو أقسى الشهور. فيه تتبدل الأحوال كما تتبدل الأزمنة؛ تتحول العافية إلى سقم، والكلام إلى صمت، واللقاء إلى ذكرى، والإنسان إلى سيرة ترويها الأجيال. ولا يبقى بعد كل هذه التحولات إلا ما زرعه المرء من خير، وما تركه من علم، وما غرسه في قلوب الناس من محبة.
رحم الله الدكتور موسى الحالول. وجعل كل حرف كتبه نورا له في قبره .
غاب الجسد، لكن الأثر باق. وستظل كتبه شاهدة على أن المعرفة هي الصورة الوحيدة التي يعجز الموت عن محوها، وأن المترجم الحقيقي لا ينقل الكلمات بين اللغات فحسب، بل يترك جسورا يعبر عليها الآخرون، حتى بعد أن يرحل.






