المونديال لعبة تحوم حولها الشبهات

دلال البزري

صدر عن “الدولة” اللبنانية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، مرسومٌ جمهوريٌّ يمنح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، الجنسية اللبنانية بذريعة زواجه من لبنانية. وفي مدّة قياسية (شهرين ونصف الشهر)، “تعذّب” خلالها إنفانتينو في إعطاء البصمات والصورة والتوقيع وما شابه من إجراءات، حصل على الجنسية اللبنانية. و”الدولة” اللبنانية التي تقاتل من أجل تطبيق القانون خالفت هذه المرّة قانوناً أصدره الانتداب الفرنسي قبل مائة عام يحرم المرأة اللبنانية المتزوِّجة من غير لبناني من منح جنسيتها لأولادها؛ أي إنّ بنات إنفانتينو الأربع أصبحن تلقائياً لبنانيات، مع أنهنّ يتمتعن، مثل والديهن، بالجنسيتَين الإيطالية والسويسرية.

رئيس “الدولة” لم يرفّ له جفن وهو يعطي هذه “الهدية” لإنفانتينو. هو يجهل عذاب آلاف اللبنانيات المتزوِّجات من غير لبنانيين، خصوصاً اللواتي يعشن في لبنان، ويحرم القانون أولادهن من حقوق، ضئيلة صحيح، ولكنّها حيوية بالنسبة إلى مَن هو محروم منها في بلاد أبيه الأصلية أو غير قادر على بلوغها. ما دوافع هذه المخالفة الصارخة للقانون والعدل؟ ما كواليسها؟ لا نعرف بالضبط، فقط ترجيحات بأنّ إنفانتينو قد “يساعد” لبنان على المشاركة في دورات مونديال مقبلة أو يدفع من جيب “فيفا” أموالاً لإنشاء ملاعب أو أندية، أو يُسوِّق لبنان في “المحافل” الرياضية العالمية… إلخ. لا نعرف. ترجيحات ضعيفة، ولا علاقة لها بصغر البلد. فبلاد أصغر من لبنان، مثل الرأس الأخضر الذي لا يتجاوز عدد سكّانه نصف مليون نسمة تأهّل منتخبه إلى المونديال، وخاض معركةً “مشرّفةً”، كما يقولون عند الخسارة.

لبنان لا يستطيع أن يتّحد، وليس فقط لتشكيل فريق “وطني”، إنّما أيضاً لتأييد هذا أو ذاك من المنتخبات المشاركة في المونديال

ولبنان فوق هذا لا يستطيع أن يتّحد، وليس فقط لتشكيل فريق “وطني”، إنّما أيضاً لتأييد هذا أو ذاك من المنتخبات المشاركة في المونديال. هذه السنة بقي اللبنانيون على عهدهم، توزّعوا مشجّعين بين البرازيل وفرنسا والمغرب والأرجنتين، وعدد أقلّ توزّع بين إسبانيا وإنكلترا وبلجيكا، فيما أنصار أمل وحزب الله تحمّسوا في “مناطقهم” لإيران. وإنفانتينو رجل مستعجل مدّاح، لم ينتظر صدور جواز سفره اللبناني حتّى طار إلى أميركا لحضور سحب قرعة كأس العالم 2026 في مركز كينيدي بواشنطن بحضور ترامب وقياديين من “فيفا”. ماذا فعل بعد السحب؟ منح ترامب “كأساً” مذهّبةً أو ذهبية بالكامل (لا نعرف)، هي نسخة من جائزة الفريق الفائز بالمونديال، فضلاً عن ميدالية ذهبية أيضاً، وشهادة رسمية مكتوبة تقول إنّ دونالد ترامب هو الفائز الأوّل بجائزة “السلام” التي تمنحها “فيفا” لشخصية سياسية عنوانها “جائزة فيفا للسلام”.

ويقول إنفانتينو: “تُمنح جائزة فيفا للسلام كلّ عام لشخصية تجسّد التزاماً لا يتزعزع بالسلام والوحدة في العالم، بفضل قيادتها وما قامت به من إنجازات وأعمال استثنائية”. لاحقاً دافع عن هذه الجائزة: “موضوعياً، ترامب يستحقّها” أو “لعب دوراً محورياً في حلّ صراعات عديدة، وأنقذ حياة آلاف الناس” أو “فرض وقف إطلاق النار في غزّة” أو “أسهم في توقيع اتفاق بين الكونغو ورواندا” أو “أنهى الحرب بين روسيا وأوكرانيا”… ولم يكذّب ترامب خبراً، فمارس دوره بوصفه رجل “سلام”؛ في أثناء لعب المنتخب الأميركي مع البوسني ضرب اللاعب الأميركي فولاين بالوغون كاحل منافسه البوسني بحذائه ذي المسامير، فأشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجهه، وطرده من المباراة. ويروي ترامب بُعيد الحادثة أنّه اتّصل بإنفانتينو وطالبه بمراجعة القرار، واصفاً البطاقة الحمراء بأنّها “ظلم كبير”. فأذعن إنفانتينو وأعاد اللاعب الأميركي إلى الملعب، فيما تعرّض الإنكليزي جاريل كانساه للعقوبة نفسها، ولم “ينقذه” منها أحد.

يعطي رئيس “الدولة” الجنسية اللبنانية لإنفانتينو، ويجهل عذاب آلاف اللبنانيات المتزوِّجات من غير لبنانيين

كما في مجالات أخرى، يدشّن ترامب سلوكاً جديداً في المونديال. الزعماء الذين سبقوه كانوا يؤيّدون منتخبهم الوطني بالحماسة والمديح والاستقبالات: سيلفيو برلسكوني، ولولا دي سيلفا، ونلسون مانديلا… ولم يجرؤ أحد منهم على فعل مماثل لفعل ترامب. وقانون “فيفا” ينصّ صراحةً على “الحياد السياسي” في مادَّتيه الرابعة والرابعة عشرة. والأخيرة تقول “إنّ قادة فيفا عليهم واجب شخصي باحترام الحياد السياسي”. وردّات الفعل على سلوك إنفانتينو خجولة. صدر نقد حادّ ودعاوى وتفنيد قانوني عن المنظّمة الأميركية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعن 50 نائباً في البرلمان الأوروبي، وعن الاتحاد النرويجي لكرة القدم ومسؤولين سابقين في “فيفا”، فضلاً عن وسائل إعلام (الغارديان) ووكالات أنباء (أسوشييتد برس ورويترز).

نقطة أخرى جديرة بالانتباه: شاهدَت مونديال هذه السنة أعدادٌ قياسيةٌ من الناس في الملاعب وأمام الشاشات. خمسة ملايين حضروا شخصياً، وشاهده 186 مليوناً في الشاشات، والإحصاء الدقيق لم يكتمل بعد. سبب هذه الزيادة أنّ عدد الفرق المشاركة ارتفع من 32 إلى 48 فريقاً، ما ضاعف عدد المباريات ومعها أعداد المشاهدين. والسبب الثاني مشاركة ثلاثة بلدان في تنظيم المونديال هذه السنة: الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وإذا علمنا أنّ مونديال 2030 يتوزّع أيضاً بين ثلاث دول مجاورة، المغرب وإسبانيا والبرتغال، ولأنّ العام المذكور سيصادف المئوية الأولى للمونديال، سيكون هناك مونديال موازٍ مُوزَّع بين الأوروغواي والأرجنتين والباراغواي؛ أي إنّ ثلاث قارّات هي أفريقيا وأوروبا وأميركا الجنوبية ستستضيف مونديال تلك السنة. فيمكنك بسهولة توقّع أنّ الأعداد ستضرب أرقاماً قياسيةً جديدةً. وستكون الهُويّتان الوطنية والعرقية في صلب عواطف المونديال، وفي صلب ردّات الفعل على الخسائر كما على الانتصارات. وبقاء إنفانتينو رئيساً لـ”فيفا” سيفاقم حدّة أزمتها، سواء بقي ترامب أو رحل، وسواء ضعفت الترامبية أو ازدادت سيطرتها على عقول الأميركيين، وربّما على العالم.

في زمن ما قريب بعيد، كان “الوطن” في قلب المنافسة: نشيده الوطني، ورايته الوطنية، وإسناد النجاح أو الإخفاق إلى مشاعر وطنية، بل إنّ العديد من أنظمة القرن الماضي استعملت الكرة لتعزيز هيمنتها: إيطاليا موسوليني الفاشية، وأرجنتين الطغمة العسكرية، وحتّى ألمانيا بعد تطهّرها من النازية. ومن بقايا القرن السابق، فراعنة مصر وساموراي اليابان وفايكنغ الدنمارك (أو النرويج). وليست كلّ الفرق على الدرجة نفسها من الحظّ في “الوطنية” هذه. ماذا حصل؟

شتائم العنصرية ملأت أثير المونديال، وتكاد تكون بريئةً أمام فضائح ملايين الدولارات التي استباحها قادة “فيفا” 

مدّت الهجرة البلدان “الأصيلة” بلاعبين ذوي أصول أفريقية وبشرة سوداء، أو بأسماء غير “أصلية”، كما هو حاصل مثلاً مع الأوروبيين ذوي الأصول المغاربية (تونسية، جزائرية، مغربية). تكون المعضلة “خفيفة، سلمية” كما في الحالة الأخيرة: الأصول المغاربية. مثلاً، هذا المشهد من مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب نقلته صحيفة لوموند الفرنسية: “قمصان حمراء بألوان علم المملكة المغربية، وقمصان زرقاء، بل حتّى بيضاء أو خضراء، بألوان الجزائر. غير أنّ أصحاب هذه الأخيرة حسموا موقفهم؛ فهم يشجّعون فرنسا، فقط لإغاظة المغاربة (…) صنع سعيد عباءةً مؤلّفة من نصف علم فرنسي ونصف علم مغربي، وقال: كانت الأجواء قبل المباراة مشحونةً جدّاً، وكان لا بدّ من اختيار معسكر. وفي النهاية، اخترت ألّا أختار. فأنا أحبّ فرنسا والمغرب (…) بدت ليلى وقد خيّم عليها شيء من الحزن، وهي تلتفّ بالعلم المغربي الأحمر تتوسّطه نجمة خضراء، وقالت: أنا سعيدة وفخورة بأنّنا بلغنا هذا الدور. أمّا الشيء الوحيد الذي يزعجني فهو أنّني مضطرّة إلى تبرير دعمي للمنتخب المغربي أمام أصدقائي. هذه جذوري، وهذه عائلتي”.

هذه ألطف التفاعلات “الهُوياتية” مع المونديال. وأعنفها ما يخصّ الفريق الفرنسي أيضاً، فهو مكوّن من ذوي البشرة السوداء، باستثناء ثلاثة لاعبين، وكان في صلب شتائم عنصرية انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي تصريحات مسؤولين سياسيين فرنسيين وغير فرنسيين، تجاوزت ما ألفناه من العنصرية السابقة بأقدار. نورد هنا تصريحاً لاقى تفاعلاً هائلاً، لنائبة في برلمان الباراغواي، سيلست أماريلا، بعدما خسرت بلادها المباراة أمام فرنسا (صفر – واحد). قالت عن قائد الفريق الفرنسي كيليان مبابي الأفريقي الجذور: “أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة، وبدلاً من حليب أمه كان يرضع جوز الهند، وهذه أكثر المعلومات التي سمعها عن الشمبانزي (…) كاميروني منحدر من إرث الاستعمار، يبذل جهداً يائساً ليبدو فرنسياً، حاقد، حديث النعمة، متغطرس وقبيح”.

شتائم العنصرية ملأت أثير المونديال، وتكاد تكون بريئةً أمام فضائح مترامية، وشبه مكتومة، لملايين الدولارات التي استباحها قادة “فيفا” لصالح شركات ومصانع ووكالات تعاقدت معها على هذه أو تلك من “المنتجات”. فهل يكون لدى قادة “فيفا” الوقت والهمة والضمير الكافيين لمراجعتها؟ أم تستمرّ على منوال جياني إنفانتينو، وتستقرّ على صورتها هذه: شبيهة القادة السياسيين في عالمنا؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى