نظرة في ملف “محمود أحمدي نجاد”

د- مخلص الصيادي

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات.

وأن تقوم أجهزة استخبارات معادية باختراق الطرف الآخر وأن تحاول تجنيد شخصيات لصالحها فهذا أمر مفهوم، وقت الحرب ووقت السلم، وأن تنجح بذلك فليس هذا بالغريب، وقد رأيناه في معظم الدول والنظم على اختلاف الأزمان والأماكن.

وبالنسبة لإيران فإن الاختراق الإسرائيلي للجسم السياسي والأمني والعسكري في هذا البلد بات حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، فقد سقط علماء ذرة، على يد الموساد بشكل مبكر داخل ايران وفي أكثر الأماكن تحصينا وحراسة،  ويبرز هنا مسعود محمدي 2010 ومحمد فحري  زاده 2020 من بين اكثر من سبعة علماء ذرة تمت تصفيتهم، كما سقط قادة سياسيون في ايران وخارجها على يد الموساد وكان من ابرزهم قائد حركة حماس إسماعيل هنية الذي اغتيل في مكان استضافته المحصن في العاصمة طهران، وهذا كله قبل أن تبدا عمليات قتل وتصفية القادة والعسكريين الإيرانيين ومن في حكمهم داخل ايران وفي لبنان وسوريا.

المهم في هذا أن عمليات الاختراق على عمومها ممكنة وحتى يمكن القول إنها طبيعية، وعمليات اختراق الموساد وأجهزة الاستخبارات الأمريكية للطبقة السياسية والإدارية والعسكرية الإيرانية معروفة، ومن الملفات المشهورة في هذا المجال ملف الجنرال في الحرس الثوري “علي رضا عسكري” وكان نائبا لوزير الدفاع وعضوا في حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي وقد جندته المخابرات المركزية الأمريكية.

وقد يدفع الواقع المشار إليه إلى اعتبار تجنيد “محمود احمدي نجاد” أمرا لا يحتاج إلى كثير توقف، لكن الذي يدقق في الأمر ويتمعن في التقارير التي تحدثت عنه لا بد أن يتسلل إليه الشك، ولا بد أن يتنبه الى حقيقة أن كل الجواسيس الإيرانيين إنما تم تجنيدهم سرا، وعمل “المشغل”، على سترهم، ثم محاولة حمايتهم وانقاذهم، وهذا سلوك طبيعي، فليس هناك جهاز استخبارات يفضح عملاءه، أو يكشفهم، أو يقصر في محاولة انقاذهم، لأنه بذلك يفقد ثقة عملائه، وهذه الثقة هي قاعدة رئيسية في بناء شبكة العملاء.

إن مصادر الحديث عن ” عمالة أحمدي نجاد” كلها ذات مصدر واحد أمريكي إسرائيلي، تعود الى تقارير استخباراتية، ومصادر لا تصرح عن اسمها، وحينما يشار الى المصدر باعتباره مسؤولا في الموساد يتحول الحديث الى ” محاولة تجنيد” لا يعرف مدى نجاحها، وحينما يكون يستند الحديث الى تقارير صحفية، تذهب الى الحديث عن اجتماعات ولقاءات بين نجاد ومسؤولين في الموساد في عواصم غربية. ومثل هذا التذبذب يريد أن يوحي بالدقة التي تعزز المصداقية. بزعم أن هذه صحافة لها مصداقيتها، وأنها تتحدث عن ” حقائق”، وأنها فيما تقول وتكتب لا تقوم بخدمة أمنية أو استخباراتية أو سياسية خاصة.

لو أن أحمدي نجاد كان عميلا، أو كان هدفا للتجنيد لتحاشت الأجهزة الاستخبارية المعنية عن الإشارة إليه، بل ولكانت عملت على توفير تستر عالي المستوى له.

ثم إن من الملاحظ أن هذا الحديث يأتي في وقت تبحث فيه إيران عن قيادات سياسية وعسكرية تعوض تلك التي فقدتها في الحرب المستمرة منذ فبراير 2026، ولو أن لأحمدي نجاد مكانة في الرؤية الإسرائيلية الأمريكية لإيران المستقبل، لكان الحرص عليه شديد، والعمل على جعله مقبولا ومرموقا أشد.

إن التحليل المنطقي والموضوعي يشير ليس إلى خطأ هذه الروايات باختلاف مصادرها الأمنية والصحفية، وإنما تشير ـ وهذا الأهم ـ إلى غاية أخرى باتت واضحة وهي الرغبة في إزاحة ” محمود أحمدي نجاد” من الصورة، من فرصة أن يكون له شيء في مستقبل إيران، خصوصا وأنه منذ أن ترك الرئاسة وهو يطمح أن يعود إليها، وفي المرتين التي ترشح فيهما، وضع خارج السباق الرئاسي بقرار أو توجيه من المرشد الراحل علي خامنئي. وهل هناك من تهمة أقوى وأبشع من وضعه في خانة ” العدو الإسرائيلي / الأمريكي”.

ولا تقف المسألة عند إزاحة الرجل، وإنما قد تمتد الى أن هذه الإزاحة من شأنها أن تفسح المجال لوجه نائم قد يكون هو المقصود الذي يريده ” العدو” على رأس إيران، راهنا أو لاحقا. أي أن هدف الإزاحة يكمن في تعبيد الطريق لشخص مقصود بعينه، وهذه طريقة معروفة في عمل أجهزة الاستخبارات للدول العدوانية حينما تفشل في اختراق مستوى معين فإنها تحدث فيه فراغا يملأه عميل ينتظر.

ما نقوله بشأن ملف “محمود أحمدي نجاد” ليس دفاعا عن الرجل، فقد كان الرجل التنفيذي الأول في نظام الملالي لثمانية أعوام متواصلة 2005 ـ 2013، وكان مسؤولا عن كل التجاوزات والخطايا التي ارتكبها هذا النظام الخاضع ل”نظرية ولاية الفقيه” بحقنا في مختلف بلداننا العربية وخصوصا في سوريا والعراق.

ما نقوله بشأن هذا الملف يستهدف توفير رؤية موضوعية للحدث حتى لا نكون منفعلين مع روايات مصنوعة يراد بها تشكيل وعينا ورؤيتنا وفق مصالح عدونا الذي يحمل المشروع الصهيوني على عاتقه ويعمل على تنفيذه بكل الأساليب التي يملكها.

إستانبول 16 / 7 / 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى