”  كولونيا”… القبض على فكرة الجمال

   بسمة النسور

قد يُخيّل إليك لوهلة، وأنت تتابع أحداث الفيلم المصري “كولونيا” (2026)، للمخرج محمّد صيام، ومن بطولة أحمد مالك، والمبدع الفلسطيني كامل الباشا، ومايا السيد، وغيرهم، أنّ هذا الفيلم مسروق من فيلم هوليوودي ضخم حاز “الأوسكار”، ولقي إقبالاً واسعاً، وحقّق أرباحاً خياليةً؛ ذلك أنّ عناصر العالمية، من حيث النصّ والصورة والحوار والموسيقى والأغاني المختارة بذكاء ومستوى الإخراج متوافرة في هذا الفيلم المدهش الذي لا تتعدّى مدّته 95 دقيقة. ورغم إمكاناته الإنتاجية المتقشّفة، إلّا أنّ مخرج العمل (والمشارك في تأليفه)، محمّد صيام، برع في ترجمة الحكاية إلى مشهدية بصرية باذخة، قبضت على فكرة الجمال، وبعثت فيها الحياة، وجسّدتها قصّة شديدة الواقعية عبر عين كاميرا فائقة الذكاء والحساسية، إذ صوِّرت المشاهد الخارجية ليلاً في شوارع الإسكندرية وشواطئها، فيما صُوِّرت معظم المشاهد في موقع تصوير داخلي يمثّل شقّةً متواضعةً مطلّةً على البحر، لتأكيد طبيعة الفيلم الدرامية العميقة بفضائه النفسي القاتم.
يحكي “كولونيا” عن علاقة ملتبسة، معقّدة، مركّبة، بين الأب وابنه الأصغر؛ الأب مريض سرطان في ليلته الأخيرة، بعد أن عاد إلى المنزل عقب استفاقته غير المتوقَّعة من غيبوبة امتدّت أشهراً في المستشفى، والابن الشابّ الغاضب، الحزين، المخذول، المدمن، العبثي، الذي يعاني مرارة الفقد برحيل أمّه، المسكون بعذابات الماضي وذكرياته المؤلمة.
قد يتوهّم المتلقّي أنّ العلاقة بينهما قائمة على الكراهية والنفور والاحتقار، غير أنّ الأحداث التي استغرقت ليلةً واحدةً، هي زمن الفيلم، تكشف مشاعر مختلطة: كراهية، وحبّ، وتعلّق، وحزن، وندم، وعتب، وعجز عن التعبير عن مشاعر متناقضة ألمّت بهما معاً على مدى عمر من سوء الفهم وانعدام أدوات التواصل، قبل المواجهة الكُبرى في ليلة واحدة أخيرة أفضت إلى التخفّف من الأسرار، والتنفيس عن الغضب، والتوصّل إلى الغفران برحيل الأب فجراً.
لم يلجأ الكاتب إلى الافتعال أو الصراخ، ولا إلى العويل أو المبالغة في الأداء الدرامي، بل جعل ممثّليه يعبّرون عن دواخل شخصياتهم بحِرفية عالية، أكّدت قدرات درامية عالية تُحسب لهم جميعاً، ما أهّل الممثّل الشابّ أحمد مالك للفوز، عن استحقاق، بجائزة أفضل ممثّل في مهرجان الجونة السينمائي. وإن كان الممثّل الفلسطيني المبدع كامل الباشا قد تألّق وتجلّى في تجسيد دور الأب المُشرف على الموت، واستحقّ الحصول على أعلى تقدير لأدائه اللافت، الذي مهّد لمالك كي يذهب بعيداً في اعتناق الشخصية حدّ التقمّص.
الصادم في الأمر، ولعلّه ليس صادماً بالمطلق، أنّ الفيلم لم يحقّق النجاح الجماهيري، وفشل تجارياً، فكانت إيراداته في دور السينما متواضعةً ومخيّبةً، ما أدّى إلى وقف عرضه بعد 35 يوماً، وبعد تراجع إيراداته لتصل إلى أرقام منخفضة جدّاً. غير أنّ الفيلم نجح، وحصل على التقدير والإشادة نخبوياً ونقدياً، وحصد ما يزيد على سبع جوائز في مهرجانات سينمائية دولية وإقليمية عريقة، لعلّ أهمّها الجائزة الكُبرى في مهرجان بروكسل، وجائزة أفضل ديكور في مهرجان أيّام قرطاج السينمائية، مع جائزة الإنجاز الإبداعي من مهرجان فجر السينمائي الدولي، وغيرها. وقد حقّق المرتبة الأولى في المشاهدة عند عرضه في منصّة شاهد.
“كولونيا” (عطر أبي) فيلم جميل، ممتع، مؤثّر، يتناول برشاقة وعمق قضايا الحياة والموت والخيبة والعبثية والعلاقات الإنسانية المرتبكة، وقد نجا من الاستنساخ والتقليد الأبله، واحتفظ بالأصالة من خلال ملامح المكان، وشكل الحوار، وطرق التعبير عن الانفعالات. وهو فيلم استثنائي كفيل بأن يعيد للسينما المصرية اعتبارها، ويؤكّد أهمية إفساح المجال للمواهب الشابّة من مخرجين وممثّلين، من أجل النهوض بصناعة السينما الجادّة العميقة التي تعبّر عن الواقع بصدق وجرأة وإبداع، ما يؤدّي، في النتيجة، إلى تطوير ذائقة المتلقّي المستلَبة بفعل اقتراحات سينمائية مسلوقة ومسروقة لا تخلو من تفاهة وابتذال.
تحية كبيرة إلى القائمين على هذا المنجز الباهر الذي يستحقّ الإشادة والالتفات.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى