في تدنّي نسبة المشاركة بالانتخابات الجزائرية

عمر كوش

لم تحظَ الانتخابات التشريعية الجزائرية بإقبال جماهيري على التصويت، مثلما كانت تعوّل السلطة، بل شهدت مقاطعة كبيرة من معظم الجزائريين، فلم تتجاوز نسبة المشاركة 20.79% داخل البلاد، و10.67% في الخارج، مسجّلة أدنى نسبة مشاركة شهدتها الانتخابات الجزائرية منذ الاستقلال، الأمر الذي يستدعي طرح أسئلة عن أسبابها وحيثياتها ودلالاتها السياسية والاجتماعية.

ليس من المبالغة القول إنّ تدنّي نسبة المشاركة هو الحدث السياسي الأبرز في هذه الانتخابات، لأنّه يشير إلى امتناع ما يقارب 80% من الجزائريين عن المشاركة في العملية الانتخابية، ما يعني أنّ ما يقارب 20 مليون جزائري (من أصل الكتلة الناخبة المقدَّرة بأقلّ من 25 مليون) اختاروا التعبير عن رفضهم هذه العملية الانتخابية، ولما كانت تسعى إليه السلطة الحاكمة من ورائها، خصوصاً أنّها كانت تعوّل على تجديد شرعيتها من خلال الاحتفالية الانتخابية التي نظّمتها ورعتها وصرفت عليها، ما يشير إلى مواصلة حالة الانسداد السياسي، وتعثّر عملية انتقال ديمقراطي حقيقي، الأمر الذي يجرّد الغرفة السفلى من البرلمان الجديد، الممثّلة في “المجلس الوطني الشعبي”، من أي سند شعبي، ويفقدها مقوّمات تجسيد الإرادة الشعبية المطلوبة، ما يجعل مشروعيتها السياسية والتمثيلية محلّ شكّ، والظنّ بأنّها غير قادرة على أداء أدوارها التشريعية والرقابية، وسيحدّ من قدرتها على تمثيل تطلّعات عموم الجزائريين، ومن احتواء الاحتقان الاجتماعي. إضافة إلى أنّ المقاطعة الشعبية الواسعة أعلنت سقوط رهانات التمثيلية السياسية للمؤسّسات المنبثقة عن السلطة، التي قد تلجأ إلى تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، عبر افتعال الأزمات مع دول الجوار، وذلك في حال عجزها عن مواجهة تآكل شرعيتها وتقلّص قاعدة تأييدها.

الأهم أنّ نسبة المشاركة المتدنّية في هذه الانتخابات تعكس عمق أزمة الثقة السائدة بين قطاعات واسعة من الجزائريين والنظام السياسي الذي توطّدت أركانه منذ عام 2019، وتعكس فشل خطاب النظام الذي روّج لمشروع “الجزائر الجديدة”، بوصفه البديل السياسي الذي يستجيب لتطلّعات الجزائريين.

الدستور في النظام الرئاسي الجزائري يعطي رئيس الدولة، في حال فوز الأحزاب الموالية له، صلاحية تشكيل الحكومة واختيار رئيس الحكومة

لا يمكن الركون إلى التفسير الذي يعتبر تدنّي نسبة المشاركة مجرّد ظاهرة عزوف انتخابي عابر، أو أنّها لا مبالاة سياسية، بل يعبّر عن قطيعة حاصلة تعكس عمق الأزمة السياسية بين الدولة والسلطة، وتشير إلى استمرار تآكل مصداقية الانتخابات بوصفها آلية للتغيير الديمقراطي، بعدما أضحت، في نظر مقاطعيها، وسيلة لإعادة إنتاج البنية السلطوية القائمة، عوضاً عن تجديد النُّخب وتحقيق الاستقرار السياسي. كما تتعلّق بمدى تراجع الثقة في جدوى العملية الانتخابية التي يرعاها النظام الحالي، إذ لم يعد معظم الجزائريين يؤمنون بإمكانية أن تفضي الانتخابات إلى عملية تغيير حقيقي في تركيبة النظام السائد وطبيعة سلطاته، ويعتقدون أنّ نتائجها لن تؤثّر في مراكز القرار الفعلية داخله. لذلك، بات الناخب الجزائري ينظر إلى المقاطعة بوصفها الوسيلة المتبقّية لديه كي يعبّر بصمت عن احتجاجه ورفضه القاطع الوصاية السلطوية على إرادته السياسية، إذ يجسّد العزوف الانتخابي لديه سلوكاً سياسياً غايته سحب ما تبقّى من شرعية شعبية من النظام.

لم يعد الجزائريون ينظرون إلى الانتخابات التشريعية في بلادهم محطّة تعبّر عن تنافس سياسي حقيقي بين برامج مرشَّحي الأحزاب والتيّارات السياسية، بل باتوا يرونها وسيلة للطامحين إلى السيطرة على التمثيل السياسي، وللساعين إلى المناصب والامتيازات، لذلك فقدت العملية الانتخابية أساسها الديمقراطي، وتحوّلت إلى مجرّد إجراء إداري يفتقر إلى الفعّالية السياسية، الأمر الذي يزيد من عُمق أزمة الشرعية التي يريد أن يتجاوزها النظام الجزائري، عبر تأكيد نزاهة الإجراءات الشكلية التي قام بها في العملية الانتخابية، في ظلّ غياب الشرعية الديمقراطية الجوهرية.

يوضح واقع الحال أنّ الجزائر تعيش حالة من مصادرة الفضاء السياسي بعد قمع الحراك الشعبي، وبعد اعتماد مقاربة سلطوية نهضت على تضييق الخناق على العمل السياسي المستقلّ، وعلى نشاط منظّمات المجتمع المدني، ووسّعت مفهوم الإرهاب في القانون الجنائي ليشمل النشاط المعارض السلمي، واعتقلت عدة ناشطين وقادة رأي، إلى جانب حلّها أحزاباً مستقلّة ومنظّمات حقوقية ومدنية، وبالتالي، باتت قطاعات واسعة من الجزائريين لا تجد جدوى من أي مشاركة سياسية عبر صناديق الاقتراع، لأنّها محرومة من ممارسة السياسة في الفضاء العام.

فقدت العملية الانتخابية في الجزائر أساسها الديمقراطي، وتحوّلت إلى إجراء إداري يفتقر إلى الفعّالية السياسية

وأفرزت الانتخابات ما توقّعه معظم الجزائريين، فكرّست نتائجها الخريطة السياسية القائمة نفسها، وذلك بعد أن سيطرت الأحزاب الموالية للسلطة (تضمّ خمسة أحزاب: جبهة التحرير الوطني، والتجمّع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وحركة البناء الوطني، وصوت الشعب) على ثلثي مقاعد البرلمان، بحصولها على 256 مقعداً من أصل 407 مقاعد، الأمر الذي يمنحها فرصة الهيمنة على مكتب البرلمان، وعلى الهياكل واللجان النيابية القطاعية، والتحكّم في المسارات التشريعية للقوانين والمبادرات النيابية.

لا تؤثّر نتيجة الانتخابات في طبيعة التحالفات الحزبية، لأنّ الدستور في النظام الرئاسي الجزائري يعطي رئيس الدولة، في حال فوز الأحزاب الموالية له، صلاحية تشكيل الحكومة واختيار رئيس الحكومة، من دون أن يكون مضطراً إلى استشارة هذه الأحزاب، ما يجعل السلطة في أريحية كبيرة في تشكيل الحكومة، وتمرير القوانين والتشريعات في المرحلة المقبلة. في المقابل، سجّلت بعض أحزاب المعارضة عودة محدودة إلى البرلمان من دون أن تتمكّن من تشكيل كتلة مؤثّرة، في حين أنّ تمثيل المستقلّين تراجع بشكل كبير مقارنة بانتخابات 2021.

يمكن فهم نتائج هذه الانتخابات في ضوء الظروف التي سبقت عملية الاقتراع، وفي مقدّمتها تدنّي نسبة المشاركة نتيجة حالة العزوف والمقاطعة، وما رافق العملية الانتخابية من جدل حول شروط المنافسة والمشاركة السياسية، لكنّها لا تشير إلى حدوث أي تقدّم في اتجاه تجاوز الأزمة المعيشية، والمأزق السياسي في الجزائر، والقطيعة مع الممارسات السلطوية، من خلال إرساء مسار انتقالي ينهض على إنهاء سيطرة المؤسّسة العسكرية على السلطة المدنية، وإنهاء الوصاية الأمنية على العمل السياسي، والإفراج عن معتقلي الرأي، والتوقّف عن مصادرة الفضاء العمومي، وعقد حوار وطني جامع يفضي إلى عَقد اجتماعي يؤسّس لعملية انتقال ديمقراطي تستند إلى انتخابات حرّة وتعدّدية فعلية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى