
دفعت زيارة وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي إلى دمشق، أواخر الشهر الفائت بالعلاقات السورية التركية نحو أطر تنفيذية أوسع، بعدما تناولت المباحثات قضايا الأمن وإدارة الهجرة وتدريب الشرطة ومكافحة المخدرات والاستجابة للكوارث، إلى جانب الوثائق الرسمية وأنظمة الهوية والجوازات ورخص القيادة والسجل العائلي.
والتقى تشيفتشي خلال الزيارة وزير الداخلية السوري أنس خطاب ووزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، فيما وقع الجانبان بروتوكول تعاون في مجال إدارة الكوارث والطوارئ. وذكرت وزارة الداخلية التركية في بيانها أن الاجتماعات شملت الأمن والمساعدات الإنسانية وإدارة الكوارث والتعاون الفني، مع تأكيد استعداد أنقرة لدعم القدرات المؤسسية السورية.
وتمنح زيارة وزير الداخلية دلالة تتجاوز طبيعتها الأمنية المباشرة، لأنها تفتح بابًا أمام دخول الخبرة التركية إلى البنية الإدارية السورية نفسها، كما تطرح أسئلة حول طبيعة هذه المساعدة، ومدى قدرة دمشق على استخدامها لإعادة تشغيل مؤسسات متضررة، والضمانات المطلوبة لمنع تحول التعاون الفني إلى تبعية تشغيلية أو احتكار خارجي للبنية الرقمية والبيانات السيادية.
تعاون يدخل إلى وظائف الدولة
في الثالث من تموز، أعلنت رئاسة إدارة الهجرة التركية أن أنقرة مستعدة لتقديم دعم فني في طباعة الوثائق الرسمية ذات الأهمية المرتبطة بأمن البيانات، وذكرت بطاقات الهوية ورخص القيادة وجوازات السفر والسجلات العائلية على وجه التحديد.
ويعني هذا المسار أن ملف عودة اللاجئين السوريين بدأ يرتبط ببناء قدرة إدارية داخل سوريا على التحقق من الهوية والملكية والحالة المدنية، بعد سنوات تضررت خلالها السجلات والمراكز الحكومية، وفقد كثير من السوريين وثائقهم أو حصلوا على وثائق بديلة في بلدان اللجوء ومناطق السيطرة المختلفة.
كما يمكن للتقنيات التركية أن تساعد في تسريع هذه العملية، بالنظر إلى الخبرة التي طورتها أنقرة في إدارة الهوية البيومترية والهجرة والسجلات الإلكترونية والخدمات الحكومية. غير أن نقل التقنية يحتاج إلى إطار قانوني سوري يحدد مكان تخزين المعلومات، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها، وشروط تبادلها مع دولة أخرى.
وقال الباحث في الشأن التركي طه عودة أوغلو إن الوقائع على الأرض تشير إلى أن العلاقة بين أنقرة ودمشق دخلت خلال الفترة الأخيرة مرحلة مختلفة عن الأشهر الأولى التي أعقبت وصول إدارة الرئيس أحمد الشرع، موضحاً أن التركيز في بداية العلاقة انصب بدرجة كبيرة على الجانبين الأمني والعسكري.
وأضاف عودة أوغلو خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المقاربة التركية بدأت تتسع خلال الأشهر الماضية، لتشمل إلى جانب التعاون الأمني والعسكري مساراً يتعلق ببناء مؤسسات الدولة السورية وتعزيز قدراتها، في ظل تسارع وتيرة التنسيق بين البلدين في ملفات الحدود ومكافحة الإرهاب وقضية قوات سوريا الديمقراطية.
نقل الخبرات إلى أجهزة الدولة
وأشار إلى أن العلاقة انتقلت كذلك إلى قطاعات الإدارة والطاقة والنقل والصحة والتعليم، إضافة إلى تشغيل البنية التحتية، وهي مجالات تختلف عن طبيعة التعاون التي سادت في المرحلة السابقة.
وأوضح أن هذا التوجه يستند إلى قناعة تركية بأن تحقيق استقرار دائم في سوريا يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات إلى مختلف شرائح المجتمع، إلى جانب امتلاكها القدرة على ضبط الأمن، خصوصاً في ظل التفاهمات الجارية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والتعاون التركي المرتبط بهذا الملف.
ولفت عودة أوغلو إلى أن الزيارات المتبادلة بين البلدين شملت نقل الخبرات التركية في الإدارة والعمل المؤسسي إلى الجانب السوري، من خلال برامج تدريبية نُظمت في أنقرة ودمشق، معتبرًا أن هذا المسار يقع ضمن حسابات الأمن القومي التركي.
وقد سبقت زيارة تشيفتشي خطوات عملية في مجال التدريب الأمني. ففي الثالث عشر من أيار الماضي، وقعت وزارة الداخلية السورية والقيادة العامة للدرك التركي بروتوكولاً لتطوير برامج التدريب، شمل دورات متخصصة في التحقيقات الجنائية وعلوم مسرح الجريمة وتدريب الكلاب البوليسية، إلى جانب برامج لرفع الجاهزية المهنية والميدانية للعاملين في أجهزة الأمن.
كما تناولت مباحثات حزيران تدريب عناصر الشرطة السورية وتطوير التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والتهريب وتجارة المخدرات وتبادل المعلومات وإدارة الحدود.
مع ذلك، لا يكفي تدريب العناصر أو تزويد الإدارات بأنظمة تقنية لبناء جهاز شرطة يعمل وفق القانون. فإصلاح الأمن الداخلي يرتبط ببنية القيادة، وتحديد الاختصاصات، وآليات التوظيف، وقواعد استخدام القوة، وحقوق الموقوفين، وإمكان تقديم الشكاوى، والرقابة القضائية والمدنية.
شراكة مؤسساتية بحسابات أمنية
وكان تقرير “إعادة تصور سوريا: خريطة طريق للسلام والازدهار بعد الأسد”، الذي نشره معهد الشرق الأوسط في آذار من العام الفائت، قد شدد على أن إصلاح القطاع الأمني يحتاج إلى تغييرات قانونية ومؤسساتية وثقافية شاملة، وإلى إعادة توجيه وظيفة الأمن نحو حماية المواطنين.
بدوره، أفاد عودة أوغلو بأن أنقرة تنظر إلى وجود دولة سورية مستقرة على حدودها الجنوبية باعتباره الضمان الأفضل لأمنها في المرحلة الحالية، في ظل التحولات الإقليمية والدولية والمخاطر المحيطة بتركيا والمنطقة.
وتوقع عودة أوغلو أن يؤدي استمرار التعاون والتنسيق بالمستوى الحالي إلى تطور العلاقة نحو نموذج شراكة استراتيجية واسعة، مستشهداً بالتجربة التركية في بناء المؤسسات والشراكات مع دول آسيا الوسطى والدول الناطقة بالتركية.
وأشار إلى أن نموذج التعاون الذي طورته أنقرة مع تلك الدول يمكن أن يشكل مرجعاً لمسار العلاقة مع سوريا، بالنظر إلى أهمية سوريا بالنسبة إلى تركيا بوصفها دولة مجاورة ترتبط معها بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية مباشرة.
وفيما يتعلق بحدود الدور التركي في إعادة تأهيل المؤسسات الأمنية والخدمية السورية، قال عودة أوغلو إن هذا الدور يتجه إلى مزيد من التوسع، مرجحاً أن يصل إلى مرحلة متقدمة خلال الفترة المقبلة، مع استمرار ارتفاع وتيرة التنسيق والزيارات المتبادلة بين الجانبين.
وأضاف أن الدور التركي سيبقى خاضعاً لاعتبارات ترتبط بالسيادة السورية والتوازنات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن أنقرة ستواصل إعطاء الأولوية للملف الأمني، حتى مع توسع التعاون إلى قطاعات أخرى.
وأوضح أن تركيا ستسهم بدرجة كبيرة في تدريب الكوادر الأمنية، وتأهيل أجهزة الشرطة، وتطوير أنظمة إدارة الحدود، وتعزيز القدرات المتعلقة بحفظ الأمن على الحدود بين البلدين.
وأشار إلى أن التعاون سيشمل أيضاً قطاعات النقل والصحة والتعليم، متوقعاً أن تؤدي الشركات التركية خلال المرحلة المقبلة دوراً واسعاً في إعادة تأهيل البنية التحتية السورية، خصوصاً شركات الإنشاءات والنقل التي تمتلك خبرة يمكن نقلها إلى السوق السورية.
بناء المؤسسات وحدود الاعتماد
وختم عودة أوغلو بأن أنقرة تحرص على بناء تعاونها مع دمشق على أساس الشراكة ونقل الخبرات، معتبرًا أن هذا المسار يمكن أن يحقق مصالح متبادلة لكل من سوريا وتركيا.
وتمنح المباحثات الأخيرة دمشق فرصة للاستفادة من دعم فني قريب وسريع في قطاعات تحتاج إلى إعادة تشغيل واسعة. كما تمنح أنقرة حضوراً طويل الأمد داخل مسار إعادة بناء مؤسسات الأمن والإدارة، وتساعدها على متابعة قضايا الحدود والهجرة والعودة والمخدرات من داخل المؤسسات السورية.
وتتوافق هذه العلاقة مع رؤية تركية تعتبر استقرار سوريا ضرورة للأمن الداخلي التركي، ولتقليص تدفقات الهجرة، وتسريع عودة السوريين. أما دمشق فتحتاج إلى الخبرة والتمويل والمعدات، لكنها تحتاج كذلك إلى الحفاظ على قدرة مؤسساتها على اتخاذ القرار وتشغيل الأنظمة من دون اعتماد دائم على الخارج. ويصبح هذا التحدي أكثر حساسية في وزارة الداخلية، لأن نطاق عملها يشمل الأمن والهوية والهجرة والبيانات المدنية والمرور والشرطة.
ويمكن أن ينجح التعاون إذا أدى إلى بناء كوادر سورية، وتوحيد الإجراءات، وتحسين الخدمات، وإخضاع العمل الأمني لقانون واضح. ويتطلب ذلك نشر مضمون الاتفاقات، وتحديد مدة برامج التدريب، وضمان تعدد الشراكات الدولية، وإنشاء رقابة قضائية وإدارية على قواعد البيانات وأجهزة إنفاذ القانون.
المصدر: تلفزيون سوريا






