
كان الوقت بعد منتصف الليل بقليل، وكنت قد أديت واجبي الوطني تجاه الطعام على أكمل وجه: صحنين من الرز، وقطعتين من اللحم، وثلاثة أكواب من اللبن، ثم استسلمت للنوم استسلام دولة صغيرة أمام جيش جرار.
وفي ذروة النوم، شعرت بيدين تهزان كتفي. فتحت عيني بصعوبة، فرأيت رجلاً ضخماً بلحية كثة يقف فوق رأسي.
قلت له: – دعني أنام يا أخي. إذا كنت ملاك الموت فعد غداً.
هزني مرة أخرى وقال بصوت هادئ: كفاك نوماً. استيقظ.
قلت: تعال صباحاً. فالعقل البشري لا يعمل بعد ثلاثة أكواب من اللبن.
قال: الليل أستر لي.
عندها انتبهت. الرجل لا يريد أن يراه أحد. نهضت على مضض، غسلت وجهي، وأعددت فنجانين من القهوة، وجلسنا في غرفة المكتب. مد يده إلى الفنجان.
كانت أصابعه طويلة ونحيلة، أصابع رجل أمضى عمره بين الكتب أكثر مما أمضاه بين الناس.
قلت: من أنت؟
قال: ألم تعرفني؟
قلت: يا رجل، تشابهت اللحى عندنا. هل أنت ماركس؟ أم إنجلز؟ أم برنارد شو؟ أم زرادشت نفسه؟
ابتسم وقال: اقتربت… لكنني سبينوزا.
كدت أسقط الفنجان.
— سبينوزا؟ باروخ سبينوزا؟
قال: نعم.
قلت: يا ساتر. لقد أتعبتني أيام الجامعة. كنت أقرأ لك الصفحة الواحدة أسبوعاً كاملاً. كنت تكتب وكأنك تخبئ الفكرة داخل متاهة ثم تترك القارئ يبحث عنها وحده.
ضحك لأول مرة، ضحكة قصيرة خافتة، كأنها خرجت من زمن بعيد.
قلت: مرة تقول إن الله هو الطبيعة، ومرة تقول إنه جوهر الأشياء، ومرة تقول إن كل شيء جزء من نظام واحد. ثم يغضب الناس منك. ماذا فعلت لهم؟ هل سرقت صندوق الكنيس؟ أم هربت مع ابنة الحاخام؟
قال: لا شيء من ذلك.
قلت : إذن لماذا طردوك؟ ولماذا حاول رجل طعنك؟ ولماذا أصدروا قراراً يمنع الناس من الاقتراب منك؟ كأنك تحمل وباءً لا فكرة!
اختفت الابتسامة من وجهه فجأة. ورأيت شيئاً يتغير في عينيه. رفع يده ببطء إلى جانب عنقه، وتحسس موضعاً قرب الفك، كما لو أن الجرح ما زال هناك رغم مرور القرون. بقيت أصابعه للحظة فوق المكان. ثم سحبها بهدوء.
قال: مضى على ذلك أكثر من ثلاثمائة عام.
ثم ابتسم ابتسامة شاحبة.— لكن الذاكرة لا تعرف الحساب.
ساد الصمت بيننا. حتى بخار القهوة بدا وكأنه يصعد أبطأ من قبل.
قال: الرجل الذي هاجمني لم يكن يعرفني معرفة شخصية.
قلت: إذن لماذا أراد قتلك؟
هز رأسه. : لأنه كان يعتقد أنه يدافع عن الحقيقة.
ثم نظر إلى سواد النافذة. وهذه من أقدم مآسي البشر… أن كثيراً من الناس لا يرتكبون أسوأ أفعالهم بدافع الشر، بل بدافع اليقين.
شرب رشفة من القهوة وأردف: لأن الناس لا يخافون من الخطأ بقدر ما يخافون من السؤال.
قلت: هذا لا يقتصر على زمانك يا صديقي
قال: أعلم. ولهذا جئت.
قلت ضاحكاً: جئت من القرن السابع عشر لتخبرني بهذا؟
قال: جئت لأحذرك.
قلت: ممن؟
أجاب: من وكلاء الله.
قلت: وأين أجدهم؟
قال: أسهل من العثور على الله نفسه.
ثم تابع: تجدهم في كل عصر. يتحدثون باسمه أكثر مما يتحدثون عنه. يغضبون نيابة عنه. يحاكمون الناس نيابة عنه. ويصدرون الأحكام وكأن السماء فوضتهم بإدارة شؤونها اليومية.
ثم مال نحوي وهمس: والغريب أنهم يتصرفون أحياناً وكأن الله يحتاج إلى جيش من المحامين والحراس.
قلت: وهذه مفارقة عجيبة.
قال: العجيب أكثر أنهم يختلفون فيما بينهم حول ما يريده الله، لكنهم يتفقون دائماً على معاقبة من يسأل.
ساد الصمت قليلاً.
ثم قلت: لكن ألا ترى أن الناس يحتاجون إلى يقين؟
قال: نعم.
قلت: وإلى أجوبة؟
قال: نعم.
ضحك حتى كاد يسكب القهوة.
وقال: لأن الأجوبة التي تخاف من الأسئلة ليست أجوبة، بل تعليمات معلقة على باب دائرة حكومية.
ضحكت رغم أنني لم أفهم كيف وصلت الدوائر الحكومية إلى فلسفة القرن السابع عشر.
ثم قال: لقد لاحظت شيئاً طريفاً خلال القرون التي قضيتها ميتاً.
قلت: وما هو؟
قال: أن الذين حاربوني ماتوا جميعاً.
قلت: هذا أمر متوقع.
قال: لكن المدهش أن معظم أفكارهم ماتت معهم أيضاً.
سألته: وأفكارك؟
ابتسم هذه المرة بثقة هادئة.
وقال: ما زالت تتجول في الجامعات والمكتبات، وإن كانت ما تزال تسبب الصداع للطلاب كما كانت تفعل معك.
ثم مرر أصابعه على حافة الفنجان كمن يتذكر شيئاً بعيداً.
وأضاف: يبدو أنني ما زلت أمارس هوايتي المفضلة… إزعاج اليقين.
ثم سألته: وهل تحسن العالم بعد كل هذه القرون؟
فكر قليلاً. وبدا وجهه للحظة وجه رجل رأى أجيالاً كاملة تمر أمامه.
ثم قال: أصبح الإنسان يطير في السماء، ويغوص في أعماق البحار، ويرسل آلات إلى الكواكب.
قلت: هذا تقدم عظيم.
قال: نعم. لكنه ما زال يكره جاره للأسباب نفسها التي كان يكره بها جاره قبل أربعمائة عام
قلت: هذه ملاحظة محبطة.
قال: بل مضحكة.
قلت: كيف؟
قال: لأنه يغير أسماء الحروب والشعارات والأعلام في كل جيل، لكنه يحتفظ بالأخطاء نفسها كأنها إرث عائلي مقدس .
عندها دقت الساعة الثالثة فجراً. نهض سبينوزا ببطء.
قلت: إلى أين؟
قال: يجب أن أرحل قبل الفجر.
قلت: ولماذا؟
ابتسم. وقال: لأن وكلاء الله يستيقظون باكراً.
توجه نحو الباب، ثم توقف عند رف الكتب. مرر أصابعه فوق ظهور المجلدات كما يودع أصدقاء قدامى. وبقي واقفاً لحظة يتأملها.
ثم قال: لا بأس… ما زال البشر يخبئون أسئلتهم هنا.
بعدها استدار نحوي. أومأ برأسه تحية أخيرة. ثم اختفى كما جاء.
وبقيت وحدي في المكتب. نظرت إلى فنجانه الفارغ. كان لا يزال دافئاً. ونظرت إلى السماء من النافذة. وفكرت أن أكثر المخلوقات غرابة ليس الفيل ولا الحوت ولا الديناصور المنقرض. بل ذلك الإنسان الذي يؤمن بأن الله خلق المجرات والبحار والنجوم، ثم يظن أن أهم قضية في الكون كله هي معاقبة جارٍ تجرأ ذات يوم على طرح سؤال مزعج.






