
في وادي الفرات القديم، قبل التأميم والإصلاح الزراعي وتفكك الإقطاع الكبير، وفي معظم البيوت العريقة لم تكن المضافة مجرد غرفة واسعة تُقدَّم فيها القهوة للضيوف، بل كانت أشبه بوزارة داخلية وخارجية ومحكمة عسكرية ومسرحاً اجتماعياً في الوقت نفسه.
وكان الشيخ يُقاس هناك بعدد الرجال الذين يقفون خلفه، وعدد الخيل المربوطة قرب بيته، وعدد البنادق المعلقة على الجدران، بل وحتى بعدد العبيد والخدم الذين يتحركون في المضافة بصمتٍ يشبه صمت القطط المدربة. وفي تلك البيئة ظهرت فئات مختلفة تخدم السلطة نفسها، كلٌّ بطريقته: العبيد… والزگورتية… والحنشل… والچتّا.
فالعبد كان جزءاً من ماكينة المضافة الداخلية، بينما كان الزگورتي ذراعها الضاربة خارج الدار، أما الحنشل والچتّا فكانوا رجال المهمات القذرة والخصومات السوداء التي لا يريد الشيخ أن يُنسب إليها علناً.
وكانت بعض البيوتات الكبيرة تتباهى بالعبيد كما تتباهى بالإبل الأصيلة. فالسود، القادمين غالباً من بقايا أسواق الرق القديمة أو من سلالات استقرت في المنطقة منذ عقود، كانوا يقومون بالأعمال التي يعتبرها أبناء العشيرة أقل من مقامهم: إعداد القهوة، تنظيف المضافة، خدمة الضيوف، سقي الخيل، إشعال النار شتاءً، والوقوف ساعات طويلة قرب الباب ينتظرون إشارة صغيرة من الشيخ، كأنهم قطع أثاث بشرية. وكان المضحك المبكي أن الشيخ قد يقف وسط المجلس يخطب عن الحرية والكرامة العربية، بينما يقف خلفه عبد يحمل الدلة بصمت، لا يحق له الجلوس إلا بعد خروج آخر ضيف. ومع ذلك، لم يكن دور العبيد بسيطاً كما يبدو. فالعبد داخل المضافة كان يعرف أسرار البيت كلها: يسمع أحاديث الثأر، وصفقات الزواج، وخطط الغزو، والشتائم التي يقولها الشيخ عن حلفائه بعد أن يغادروا. لكنه كان مطالباً أن يكون أصمّ وأبكم في الوقت نفسه.
ولهذا فضّل بعض الشيوخ العبيد على أبناء العمومة أنفسهم في خدمة الداخل، لأن ابن العم قد يخونك طمعاً بالمشيخة، أما العبد فمصيره كله مربوط بالمضافة. أما خارج المضافة، فكان هناك عالم آخر أكثر خشونة، عالم “الزگورتية”. والزگورتي، كما تعارف أهل الفرات وبعض المدن المجاورة، هو الرجل الذي لا يتردد في تنفيذ ما يطلبه سيده مهما كانت النتيجة: سطو، نهب، تخويف، وربما قتل. والكلمة على الأغلب ذات أصل تركي züğürt وتعني الطفران والمفلس والمعدم الذي باع نفسه لمن يدفع له المال، وبقيت عالقة في لهجة المنطقة مثل كثير من مفردات العهد العثماني.
وكان الناس يقولون عن الرجل القاسي: “فلان زگورتي…”
أي أنه لا يخاف العواقب، أو ربما لا يملك رفاهية التفكير بها أصلاً.
والزگورتي لم يكن فارساً نبيلاً كما في الحكايات، بل أقرب إلى المرتزق الحديث. فهو لا يقاتل دفاعاً عن فكرة، بل دفاعاً عن الجهة التي تطعمه. وإذا تغيّر سيده تغيّرت مبادئه بسرعة مذهلة. لكن الزگورتي لم يكن وحده في هذا العالم.
ففي بعض مناطق الفرات كان هناك ما يسمّى بـ”الحنشل”. والحنشل غالباً رجل سريع الحركة، يعيش على النهب الخفيف والسطو الليلي وقطع الطريق على المسافرين أو سرقة المواشي في مواسم الفوضى. ليس مقاتلاً منظماً، بل أقرب إلى ذئب منفرد يعرف دروب البادية والأنهار والقصب، ويجيد الهرب أكثر مما يجيد المواجهة. وكان الشيخ أحياناً يستخدم الحناشل لإرباك خصومه دون أن يورّط رجال عشيرته مباشرة. فتُسرق بعض الخيل، أو تختفي الأغنام، أو يُقطع طريق القافلة ليلاً، ثم يبدأ الجميع بتبادل الاتهامات بينما يبقى الشيخ جالساً في مضافته يشرب القهوة وكأنه لا يعرف شيئاً.
أما “الچتّا” فكانوا أشبه بعصابة صغيرة أو جماعة زعران مرتبطة بولاء مؤقت لمن يدفع أكثر. وإذا كان الزگورتي يملك شيئاً من الانضباط العشائري، فإن الچتّا كانوا أكثر فوضوية وخشونة، يُستخدمون في الضرب، والتخويف، وافتعال المشاكل في الأسواق والمواسم والنزاعات بين العشائر. وكان بعض الشيوخ يحتفظون بهؤلاء كما يحتفظ التاجر بالكلاب الشرسة قرب المخزن: لا يحبهم أحد، لكن الجميع يخشاهم.
وفي أواخر العهد العثماني، خاصة أثناء الحرب العالمية الأولى وبعد انسحاب الدولة من أجزاء واسعة من بلاد الشام، ازداد الاعتماد على هؤلاء الرجال. فالدولة التي كانت تتداعى كجدار طيني تحت المطر، لم تعد قادرة على ضبط البادية بالقانون، فلجأت إلى الشيوخ وأتباعهم المسلحين.
وهنا برز اسم ابن مهيد، الذي عُرف باعتماده على الزگورتية، خاصة في مرحلة الصراع على سوريا بين العثمانيين والقوى الغربية. ويقال إن دعماً مالياً وسلاحاً كان يأتي من ديار بكر وغيرها لبعض القوى المحلية من أجل التصدي للمشروع الغربي. لكن المشكلة القديمة بقيت نفسها: حين يعتاد الرجل أن يعيش من السلاح، يصبح من الصعب أن يعود فلاحاً يسقي القمح وينتظر المطر.
وهكذا صارت المضافة الفراتية دولةً صغيرة متكاملة:
العبد يدير الداخل، والزگورتي يحرس الخارج، والحنشل يسرق في الظلام، والچتّا يثيرون الرعب في الأسواق، والشيخ يجلس في الوسط يشرب القهوة ويتحدث عن الشرف.
فالعبد كان يصنع الهيبة داخل المجلس، أما الزگورتي فكان يصنع الخوف خارجه.
وحين يدخل الضيف إلى مضافة كبيرة ويرى العبيد يتحركون بين النار والدلال، والزگورتية يجلسون قرب الباب وبنادقهم إلى جانبهم، والحنشل والچتّا يتسكعون في الساحة بوجوه قاسية وعيون مترقبة، يشعر أنه دخل سلطة كاملة لا بيتاً عادياً.
وكان المجتمع ينظر إلى الجميع بنظرة متناقضة: يحتقر العبد لكنه يعتمد عليه، ويخاف الزگورتي لكنه يعجب به، ويكره الحنشل لكنه يستعين به وقت الخصومة، أما الچتّا فكان الناس يلعنونهم نهاراً ويبحث بعض الشيوخ عنهم ليلاً.
حتى إن بعض الأمهات كن يقلن عن الطفل المشاغب: “هذا راح يطلع زگورتياً!” وكأنها مهنة مستقبلية محترمة، مثل الطب والتعليم.
ومع الزمن، جاء التأميم والإصلاح الزراعي، ثم الدولة الحديثة، فتفككت تلك البنية القديمة شيئاً فشيئاً. اختفت المضافات الإقطاعية الضخمة، وتراجع نفوذ الشيخ التقليدي، واختفى العبيد كطبقة ظاهرة، وتلاشى الزگورتية والحناشل والچتّا القدامى.
لكن الحقيقة أن الفكرة نفسها لم تختفِ تماماً.
فالزگورتي عاد بأسماء جديدة: مرة باسم الحزب، ومرة باسم الأمن، ومرة باسم العقيدة، ومرة باسم الوطنية.
أما الحنشل والچتّا، فقد عادوا بملابس عصرية وسيارات حديثة وصفحات على وسائل التواصل، لكن الجوهر بقي نفسه: رجال يعيشون على الفوضى، ويقتاتون على خوف الناس.
أما العبد القديم، فقد اختفى شكله فقط، بينما بقيت روحه تتنقل بين البشر: في الموظف الذي يهز رأسه خوفاً، وفي الفقير الذي يصفق لمن يهينه، وفي كل إنسان تعوّد أن يعيش داخل مضافة أكبر منه، لا يملك فيها سوى حمل الدلة أو حمل البندقية.






