
يستحق تصريح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الذي قال فيه العبارة الدقيقة والمفاجئة: “إن عهد قيام الولايات المتحدة بدعم (تمويل) الدفاع عن الدول الغنية قد انتهى. نحن بحاجة إلى شركاء، لا محميات” التوقف قليلا عنده باعتباره تصريحا غير عادي، ومرتبطا باستراتيجية الولايات المتحدة القادمة بعد حرب إيران ارتباطا مباشرا.
وهو موجه إلى الدول الأوربية الغربية وإلى الدول العربية الخليجية في الوقت نفسه.
فاستخدام كلمة ” الدول الغنية ” لم يكن عبثا وهي كلمة توحي بأن القصد دول الخليج في حين أن السياق العام يترك الانطباع بأن قصده هو الدول الأوربية الغربية.
وفي الحالتين فهي إشارة واضحة تماما عن تغير في نهج السياسة الأمريكية نحو الانزياح التدريجي في تركيز بؤرة الاهتمام الاستراتيجي من أوربة والشرق الأوسط نحو أماكن أخرى خاصة الصين والمحيط الهادي وأيضا القارة الأمريكية بما في ذلك أمريكا الجنوبية وكندا.
بالتالي فالقراءة الأوسع للتصريح لا تشمل فقط المساهمة المالية في نفقات الدفاع عن ” الدول الغنية ” والانخراط في حروب الولايات المتحدة ” كشركاء” ولكن حدوث تغيير في مفهوم الأحادية القطبية من كونه يعني مسؤولية الولايات المتحدة في تطبيق النظام العالمي إلى توزيع المسؤوليات الدفاعية على أوربة ذاتها أما دول الخليج فعليها في المدى الأبعد الاعتماد على نفسها، وفي المدى القريب دفع ثمن حماية أمريكية مفترضة أعلى مما تفعل حتى الآن.
ما يهمني بالدرجة الأولى هو التغير في الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، هذا التغير الذي سوف يترك فراغا في القوة في منطقتنا وفي أوربة أيضا.
أما في أوربة فواضح أن روسيا مرشحة للاستفادة من ذلك التغير بزيادة نفوذها الأوربي، بينما السؤال يبقى من سيحاول الاستفادة من فراغ القوة الذي سوف ينشأ في منطقتنا؟ وعلى حساب من؟
هناك الآن القوة الاسرائيلية التي يتحكم بها اليمين المتشدد تحاول الهيمنة على المنطقة. وهناك إيران التي تلقت ضربة هائلة عبر الحرب الجارية حتى الآن لكنها لم تستسلم وربما إذا استطاعت الخروج ببعض المكتسبات ستحاول تعزيز موقعها الاقليمي ثانية لكن خسائرها العسكرية والاقتصادية ستقف عائقا أمام هكذا طموح لا يتناسب مع مرحلة إعادة الاعمار.
وهناك تركيا القوة العسكرية والاقتصادية والبشرية الكبيرة بمكانتها الجيوسياسية المتميزة.
أما مشرقنا العربي فماتزال قواه مشتتة إلى أبعد حد، ومالم يجد طريقة لتجميع تلك القوى في بوتقة واحدة فسيكون موضوعا لمنافسة بقية القوى الاقليمية على الهيمنة والنفوذ.






