
في وادي الفرات لا يُؤرَّخ الزمن بالسنوات فقط، بل بالكوارث والعجائب. فالناس هناك لا يقولون: “حدث هذا عام 1887”، بل يقولون: “كان ذلك في سنة المهبولة”، أو “قبل سنة الثلجة الكبيرة”، أو “بعد سنة الجوع”، وكأن النهر نفسه صار تقويماً حيّاً يطبع ذاكرة البشر بالماء والخوف والطين.
ومن أكثر تلك السنوات حضوراً في ذاكرة أهل الرقة ودير الزور ما عُرف باسم “سنة المهبولة”؛ وهي التسمية الشعبية التي أُطلقت على العام الذي فاض فيه الفرات فيضاناً هائلاً وعنيفاً، حتى بدا كأن النهر فقد عقله وخرج عن طبيعته.
وقد عُرفت أيضاً في بعض الروايات المحلية باسم “سنة الطامّة”، لأن الماء اجتاح الحوايج والزرائب والأطراف الزراعية، وهدّد القرى والمضارب، وحوّل السهول الهادئة إلى بحر موحل لا يُرى له آخر.
وكلمة “مهبولة” ليست كلمة عابرة في اللهجة الفراتية، بل لها جذور عربية قديمة. فالفعل “هَبَلَ” يدل على الذهول واضطراب العقل وفقدان الاتزان، ومنها جاء اسم المفعول “مَهْبول”. وقد ذكر الإمام مرتضى الزبيدي في كتابه تاج العروس من جواهر القاموس أن “الهَبَل” يدل على الثكل والحيرة والاضطراب العقلي، وأن “المهبول” هو من أصابه ذلك. ولذلك لم يكن أهل الفرات يصفون النهر بالمهبول عبثاً، بل لأنهم رأوا فيه في ذلك العام نهراً هائجاً مضطرباً، يضرب ضفتيه ككائن فقد صبره وعقله.
ولعل المفارقة الغريبة أن العرب في الجاهلية عرفوا صنماً شهيراً باسم “هُبل”، وكأن الجذر نفسه ظل يحمل عبر القرون معنى الهيبة والاضطراب والقوة الغامضة.
ولأهل الفرات تاريخ طويل مع تسمية الأعوام وفق الكوارث الطبيعية والأحداث الكبرى. فهناك “سنة جمدة الفرات” حين اشتد البرد حتى تجمّد الماء على الأطراف، و“سنة الثلجة الكبيرة” التي قيل إن الثلوج فيها استمرت أربعين يوماً، و“سنة الجوع” حين أكل القحط الزرع والماشية، ثم “سنة المهبولة” التي تحوّل فيها النهر إلى طوفان مجنون.
ولم يكن الفرات في المخيال الشعبي مجرد نهر. كان أباً ومطعماً وجلاداً في الوقت نفسه. يعطي القمح والقطن والسمك، ثم يعود أحياناً ليبتلع ما أعطاه.
فالناس هناك يحبونه ويخشونه معاً، ولذلك جاءت أمثالهم وأغانيهم مليئة بالرهبة من مزاجه المتقلّب.
ووصفه النابغة الذبياني في معلقته قائلا عن جنون الفرات وغضبه:
فَمَا الفُرَاتُ، إِذَا جَاشَتْ غَوَارِبُهُ … تَرْمِي أَوَاذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ
ويستخدم النابغة هذا التشبيه البليغ لتصوير شدة غضب الملوك (مثل الملك النعمان بن المنذر) أو قوتهم الجارفة التي لا تُرد .
وفي عام 1967، جاءت طائرات هيلوكوبتر لإنقاذ أهالي حوايج حسن البوحسن وحلاوة من براثن الفرات الذي ابتلع أراضيهم وهجرهم .
وفي عام 2026 عادت الذاكرة القديمة لتتحرك من جديد. فالأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة رفعت منسوب الفرات بصورة كبيرة، وغمرت المياه بعض الحوايج والأطراف الزراعية، وأعادت إلى أذهان كبار السن حكايات “سنة المهبولة”.
حتى يمكنني أن أسميها: “هاي المهبولة الثانية “.
وليس الخوف من الماء وحده ما يرعب الناس، بل فكرة السدود أيضاً. فأي تصدعات خطيرة ـ لا سمح الله ـ قد تجعل الكارثة أكبر من مجرد فيضان موسمي، لأن الفرات اليوم لم يعد نهراً حرّاً كما كان، بل نهراً محاصراً بالسدود والحواجز والتحكم السياسي والمناخي معاً. وهكذا يبقى الفرات أكثر من مجرى ماء. إنه ذاكرة كاملة تمشي بين الضفتين.
وحين يغضب، لا يفيض الماء فقط، بل تفيض القصص القديمة، وتخرج أسماء السنوات المنسية من أفواه العجائز، كأن التاريخ لم يمت أبداً، بل كان نائماً تحت الطين ينتظر المطر.






