العالم والتحول الحضاري

     د- عبد الناصر سكرية

بعد سلسلة متواصلة متراكمة من الفضائح الأخلاقية التي أسقطت آخر أوراق التوت عن عورات النظام العالمي السائد وأسقطت معها  أسسه الفكرية وكشفت وحشيته المادية اللا محدودة وغير المقيدة بأي قيد أخلاقي أو إنساني؛ وبعد أن أسقط الغرب الإستعماري ذاته كل مقومات ما أسماه هو نفسه : منظمات دولية وقانون دولي وإتفاقيات دولية تضبط وتنظم العلاقات بين الدول والأمم بما فيها كل ما يتعلق بالبيئة والصحة وحقوق الإنسان وتقرير المصير والحروب والأسرى ؛ بات واضحا أن  نظام القيم الغربي   والقانون الدولي أصبح في عداد المفقود بل والمنهار تماما..

وإذا كانت ” حضارة ” الغرب هي الغالبة والسائدة منذ خمسة قرون فرضت خلالها مفاهيمها المادية وعقلها النفعي الإستهلاكي على العالم بأسره ، بالقوة  و بالخداع غالبا ، وبتسويق النموذج الغربي مختبئا تحت عباءة شعارات براقة جاذبة و مخادعة في ذات الوقت ؛ فإنها تمكنت من أن تشكل نموذجا عالميا متفردا من حيث الثقافة والمفاهيم الإجتماعية والعقل العلمي والبحث التجريبي الامر الذي مكنها من التقدم التقني والعمراني والعلمي في مختلف مجالات العلوم وميادين الحياة..

ثم توالت الأحداث منذ بداية القرن الواحد والعشرين لتكشف من الخفايا والفضائح  ما كان كافيا لإنهيار النموذج الغربي السائد إنهيارا تاما وعلى اكثر من صعيد ..

# الصعيد الأول :

نظام ما بعد الحرب ” العالمية ” الثانية : وهو النظام الذي شكلته القوى الدولية المنتصرة في الحرب وهي التي تشكل أساس النموذج الغربي وعقله المفكر وقوته الإقتحامية ..فكانت منظمة الأمم المتحدة وما تفرع عنها وتبعها من منظمات دولية تعنى بشؤون الحياة كافة وتنظم العلاقات – او هكذا كان يفترض – بين الدول وتضع الضوابط للحروب والتعامل فيها ..فكان مجلس الأمن واليونسيف ومنظمة الأغذية العالمية ومنظمة الصحة العالمية وإتفاقية جنيف بخصوص أسرى الحروب وسواها كثير مما يخص البيئة والمياه الإقليمية للدول وهكذا إلى ما لا نهاية..ثم كانت محكمة العدل الدولية ثم الجنائية الدولية ..كانت هذه المنظمات أساسا لنوع من الإنضباط والإستقرار العالميين ولو في حده الأدنى ..وكانت الدول الكبرى الغربية تنتهكها وتسخرها لخدمة مصالحها في كل مرة تحتاج إليها لتكون وسيلة أو ستارا لتمرير مصالح عينية لها ..وكان الغالب أن لا تنتهك قوانينها علانية بل التستر والتخفي والمخادعة كانت الأساس في ذلك الإستخدام والتوظيف لمصالح الدول الكبرى..فكان أن تمتعت تلك المنظمات بكثير من المصداقية أمام جمهور البشر وخصوصا اؤلئك الذين لا يدركون الخفايا وتأخذهم تسويقات الإعلام والدعاية..ما جعلها تلعب أدوارا فاعلة وتمارس صلاحيات نافذة كانت تبدو وكأنها تطبيق للقانون الدولي ومن خلفه نظام دولي متكامل مترابط..

وعلى الرغم من أنها صنعت وتشكلت بأيدي قوى النظام الدولي ما بعد الحرب ولخدمتها ؛ إلا أن ما تمتعت به من ثقة الجمهور العالمي جعلها مقبولة ومطلوبة حتى صارت ملجأ لكل جهة محلية أو دولية ضعيفة او مستضعفة أو مستهدفة ؛ تحاول باللجوء إليها تحصيل شيء من حقوقها المهدورة أو تطالب بحقوق لها مغتصبة..

وكانت تتكشف بين الحين والآخر بعض الخفايا التي تلقي الضوء على جزء من الحقيقة المغيبة عن الوعي العام فيما يخص تلك المنظمات وعملها وفعالياتها ؛ لكنها سرعان ما كانت تنطفىء بعد تسويق تبريرات لها ثم إسقاطها سريعا عن أي إهتمام إعلامي..

إلى أن دخل القرن الواحد والعشرون وبدأت الفضائح تتكشف بسرعة أكبر ووتيرة أعلى..

فكانت أحداث 11 سبتمبر 2001 وتدمير برجي التجارة في نيويورك المدماك الأول في بداية إنهيار نموذج النظام العالمي إياه..

كان إطلاق حرب إعلامية شاملة وشريرة وشرسة على ما سمي ” الإرهاب العالمي ” وأساس الإرهاب الإسلامي ؛ إنطلاقا من أحداث تدمير البرجين ؛ إشعارا لظاهرتين متكاملتين :

الأولى : الذعر الذي أصاب العالم الغربي الرأسمالي وأشعره بزعزعة سيطرته على المصالح الدولية وظهور منافسات قوية تكاد تسلبه تفرده وتحكمه ؛ وهو ما دفعه إلى تمثيل تلك المسرحية الإجرامية لإتخاذها ذريعة لحروب خارجية تدميرية ولكنها معلنة وواضحة ولا تتخفى تحت شعارات براقة كحماية أقلية هنا أو حقوق إنسان هناك أو حماية الديمقراطية مثلا..

الثانية : توجه خاص جدا نحو الوطن العربي كجغرافيا وثقافة ومقدرات  والإسلام كدين وحضارة وقيم..

كان واضحا إتخاذهما معا : الوطن العربي والإسلام ؛ كعدو أول وأخير للنموذج الغربي وقلبه الولايات المتحدة..

ثم كان غزو العراق وإحتلاله وإسقاط نظامه الوطني المدماك الثاني في بداية إنهيار  النموذج الغربي الحاكم والمتحكم..

لقد حفل كلا الحادثين : تدمير البرجين وإحتلال بلاد الرافدين : بكثير من الأكاذيب والتزوير والخداع ؛ ما جعلهما أساسا فعليا لإنكشاف حقيقة النظام العالمي والهيمنة الرأسمالية الإستعمارية عليه وبداية تصدعه تمهيدا لإنهياره..

ثم تتالت الأحداث فبلغ الإنكشاف ذروته في العدوان الأمريكي – الصهيوني على غزة وفلسطين وحرب الإبادة الجماعية المستمرة إلى اليوم..فكانت ممارسات دول العدوان إنتهاكا تاما وصارخا لكل قانون دولي ولكل إتفاقية دولية وكل ضوابط الحروب والتعامل ..من قتل المدنيين العزل الى قتل الصحافيين والاطباء وتدمير المستشفيات وقتل الأطفال ؛ وبوحشية ظاهرة وغير منكورة .. كانت كلها علامة على إنتهاء دور ووظيفة ما يسمى القانون الدولي وإنهاء دور مؤسساته الدائرة حوله أو في فلكه..

ثم جاءت الحرب الحالية الراهنة في منطقة الخليج العربي لترسم خاتمة محزنة لذلك القانون الدولي وتفتح الباب واسعا لإيجاد نظام عالمي جديد يعبر عن الوقائع المستجدة وموازين القوة المتجددة..

هل يعني هذا العودة إلى نظام ما قبل الحرب ” العالمية ”  الثانية ؟ بالتأكيد لا..فما كان قبلها لم يكن سوى سيطرة تامة لذات النظام العالمي الذي كان ينبغي أن يسقط بإنتهاء الحرب ” العالمية ” الأولى..لكنه إستطاع بخبث وذكاء إعادة تدوير ذاته وقوته وصولا إلى صياغة نظام ما بعد الحرب الثانية..

# الصعيد الثاني : الاسس الفكرية والقيمية والمعرفية :

لم يكن إنهيار النموذج الغربي مقتصرا على نظام منظمات ما بعد الحرب ” العالمية ” الثانية ، بل يشمل أيضا الأسس الفكرية التي تقوم عليها ” حضارة ” الغرب المادية الإستهلاكية..ومنظومة المفاهيم الإجتماعية والقيم السلوكية التي توجه عقله وحركته..

فمع إنكشاف إستهتار النظام الغربي بالقوانين التي وضعها هو ودوسه عليها دون وجل أو تردد ؛ تكشفت خفايا المؤسسات التي كان يفترض أن تكون حاميا للقانون والنظام الدوليين ..ليست خفايا من النوع الذي يقبل الأعذار أو يحتمل المسامحة أو يغفر الذلات..لكنها خفايا تجسد بأمانة ودقة النظام العقلي والنموذج الفكري والقوالب السلوكية التي تحرك أؤلئك الأشخاص الذين يشكلون قيادة تلك المؤسسات وطليعة إداراتها ويوجهون سياساتها وإهتماماتها ..فإذا هي نخبة في غاية السقوط الأخلاقي والفساد الإداري وصولا حتى الجشع الإجرامي وليس الجشع المادي فقط والإستحواذ على كل ما هو متاح في العالم من موارد..

سقط النموذج الغربي أخلاقيا وإنسانيا وإجتماعيا..لم يسقط أفراد لأنهم فاسدون..بل سقطوا لأن نموذجهم في السلوك والتفكير والتعامل هو الفاسد والمعادي للإنسانية والقيم الإنسانية في أبسط صورها وأشكالها..

فحينما تتحول منظمة الصحة العالمية – على سبيل المثال – إلى دائرة للبحث والسعي في قتل البشر عوضا عن حمايتهم ؛ وإيجاد الوسائل العلمية والتقنية لتنفيذ القتل العامد المتعمد ، تكون قد كشفت عن أحط أنواع السلوك البشري والعقل البهيمي المجرم..

وحينما تستطيع شركات التجارة الرأسمالية شراء ذمم الأطباء فتعقد لهم المؤتمرات ويجرون لها الدراسات والأبحاث فقط لتسويق مصالحها التجارية المادية ، نكون أمام نموذج فريد من الإنحطاط والسقوط الأخلاقي..

وحينما تزور الحقائق العلمية لتخدم المصالح المادية ؛

وحينما يزور التاريخ وتشوه الوقائع ويزيف الوعي وتغتصب العقول بأيدي نخب علمية وثقافية وإعلامية ؛ لا نكون أمام فساد سياسي أو إداري ، بل امام إنحطاط حضاري بلغ ذروته..بل أمام إنهيار لا راد له ولا خلاص من آثاره المدمرة على كل صعيد..

أما في مجال السلوك وما يسوده من إنحرافات وشذوذ وفساد من كل نوع ؛ فالإنهيار لا حدود له ولا مجال لمعالجته..

الاسوأ في كل هذا أن هذا النموج الغربي – العالمي يضع الأساس الذي يبرر كل هذه المظاهر الشاذة والفاسدة ويجد لها منطلقات فكرية ودوافع علمية – ثقافية تحض عليها ويتخذ لها من القوانين ما يشرعها ويسمح لها بالمزيد من التدهور والإنحدار..

حيال كل تلك الظواهر وما يترتب عليها ؛ حق القول بسقوط النظام الغربي – العالمي في السياسة كما في الثقافة كما في نظم الحياة والأخلاق والسلوك..

هنا تبرز معضلة أخرى : هل من بديل يشكل نموذجا حضاريا حقيقيا يوجه السلوك الإنساني العام ويضبط إيقاعه على أسس جديدة أخلاقية إنسانية ؟

ليست المعضلة في تشكل نظام للقوة العالمية على أساس من التوازنات الجديدة التي تفرضها الوقائع..ها هي قوة الصين ترتفع إلى الصف الأول عالميا ..كقوة هائلة في الإقتصاد والعلم والتقنية والتطور وحتى في الأسلحة الحديثة ووسائل المراقبة والتدخل والقتال..

وها هي روسيا تثبت قوة مادية وعسكرية قتالية متقدمة..

كذلك تصعد دول البريكس كالصين والهند والبرازيل وروسيا وسواها..

فهل تشكل واحدة من هذه القوى التي باتت تضاهي القوة الغربية وتحاكي النموذج الغربي من حيث القوة والعمران والتقدم المادي والتقني والعسكري ؛ نموذجا للحضارة الإنسانية يقتدى به فيسود ويتعمم ؟؟

هل تملك منفردة او مجتمعة ثقافة إنسانية يمكن تعميمها لتسود العالم وتحل مكان ثقافة الغرب المتهاوية ؟

الأبرز بين تلك القوة الصاعدة والموازنة للنظام العالمي الجديد هي الصين بكل قوتها وتقدمها المادي والعمراني ..وهي لا شك ستكون قريبا جدا أحد أبرز مراكز القوة العالمية .وستشكل مع أصدقائها اساسا لنظام جديد لتوزيع القوة العالمية وتوازناتها..فهل تستطيع تعميم  ثقافتها ونموذجها الإجتماعي ليكون نموذجا إنسانيا عالميا ؟

لا تملك الصين مثل هذه الإمكانية..فلغتها ليست قابلة للتعميم لتصبح لغة عالمية..كما أم معارفها الثقافية – الإنسانية ليست في هذا المستوى..

فما البديل إذن ؟

من بين كل النماذج العالمية الراهنة ، وحده  النموذج الإسلامي – العربي يملك كل مقومات النموذج الحضاري الإنساني الذي يغطي الحاجات الروحية والنفسية والأخلاقية والإجتماعية للمجتمع الإنساني..وحده القادر على الحلول مكان ثقافة الغرب المادية ونموذجه الإجتماعي المتهالك الساقط..

وحدها لغة العرب قادرة على الإنتشار وتحظى بالقبول العالمي ..

وحده النموذج الإسلامي – العربي بما يمثله من إعتدال ووسطية ويلتزم به من قيم أخلاقية وإجتماعية وأسرية وضوابط إقتصادية للعدل والمساواة ومن أركان أساسية للتعامل الإيجابي الحر بين الأفراد وبين الشعوب والأمم ؛ هو القادر أن يكون النموذج الحضاري الإنساني البديل..

فهل يملك القدرة على التحول إلى هذا النموذج العالمي الحضاري ليغطي الحاجة البشرية الماسة إلى نموذج بديل عن النموذج الغربي  ويملأ فراغا حضاريا وخواء روحيا يسود العالم بكل جوانبه وأجنحته وقواه ومجتمعاته؟؟

المصدر: كل العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى