الحلقة الثانية من الكتاب “مقاربات ورؤى في عرين البوتقة” للباحث عيسى حداد 

موسوعة عمل، بعنوان الفضاء العربي في مسار التشكل- الكتاب الأول

الكتاب الأول “مقاربات ورؤى في عرين البوتقة”

تأليف : الباحث عيسى بن ضيف الله حداد 

الحلقة الثانية من الكتاب 

قضايا

وإشكاليات

في المستهل قرأت يوماً.. قولاً فذاً، جاء فيه.. إن ” معظم التاريخ ظن، وما تبقى من إملاء الهوى “- أجل..

قد يُظن أن هذا التوصيف ” ظن وهوى ” هو قدح وذم.. قد يكون.. وقد لا يكون. هو يكون حالما يذهب الباحث فيه من مذهب المؤامرة عليه – لا يكون ذلك عندما يهوى الباحث فيه إنقاذه من مغبة ما ألصق فيه من شوائب ومثالب ليست من كُنهه.. وما نظن مساهماتنا إلا من هذا القبيل.. في مسعى سعينا إلى سواء السبيل..

على هذا المنوال، اكتب للحقيقة يا عزيزي، كما تراها: قد لا يصدق ذلك بعض الناس، ولكن في آخر الأمر سيعرف الجميع الحقيقة كلها- (تشالز سالسبورغ – مؤسس نيويورك تايمز).

S

لعل هذا القول للفيلسوف الفرنسي، برغسون (1859 – 1941) يشكل المدخل الأريب لموضوعنا: إن الزمان تراكم ونمو ودوام، الدوام فيه هو استمرار تقدم الماضي الذي تتزايد احداثه قليلا الى ان يتضخم ويكون المستقبل..

وقفة من قبلي: وجدت في موضوعة برغسون، ما له صلة بكيفية

أو بأخرى مع مقولاتي في التاريخ التي ما طفقتُ اذكرها بين حين وحين، وهي تعلن عن سير التاريخ بما يحمله فيه، لا شيء يولد من عدم، الماضي احشاء الحاضر، ومن الحاضر ينبع المستقبل،  التاريخ في سيره تواصل لا تفاصل، يسير قدما نحو الأمام وفق محور لولبي او قل مغزلي يدور على نفسه ليقدم خيوطا متراكمة تكبر وتكبر..

تلكم هي نظرتي للتاريخ، وحتى لتناسخ الأديان، هي من ذات المنبع..

وقول آخر هو لي: وها هنا، البحث في التاريخ يأتي، كتقصي عن الجذور التي منها، عبر العصور التي في ظلها قد نبتنا، ولعلها تتوارى في العقل الباطن فينا شئنا أم أـبينا..

ونحن، إن كنا لا نعترف بتاريخنا القديم، ومن أصحابه من دوننا؟  بيد انها جذورنا القديمة، بها ترتفع منها أشجارنا.

وقول آخر هو لي: الموروث لا يتلاشى، يقبع في اللاوعي، الوعي يأتي كضبط وتوجيه، والوعي الذكي يعبىء الإيجابي في الموروث لتغير الواقع المحيط بنا..

³

 

 

مقاربات

في مقاربة أولية مع المصطلحات الشائعة

في مستهل هذا التناول، بودي التصدي لبعض مفاهيم المصطلحات المتداولة ذات الصلة بهذه المسألة. ولا سيما السائدة في عصرنا التي تحمل إيحاءات لفواصل وحدود قطعية قائمة بينها، بينما هي لم تكن تتمتع بذات المضمون في تلك العصور القديمة.

ينطبق ذلك على شؤون أسماء الأقوام والقبائل والأديان. إذ لم تكن تلك الأسماء المتداولة في عصرنا، مثل الآشوريين والبابليين والكلدانيين والفينيقيين والآراميين والعرب، التي يتم تحميلها رغما عنها – كما نرى – سمات أقوام منفصلة، في حين إنها تمثل بطبيعتها وواقعها، أسماء عهود وأطوار ومناطق وقبائل تربطها وشائج وصلات عضوية، بحيث لا يختلف الأمر كثيراً عما هو شائع في عصرنا من مسميات في مناطقنا العربية..

أما ما قد لصق بهذه المفردات من إيحاءات وما قد حملته من تحديدات مشبعة بأبعاد فصل وقطع، فقد حدث في العصور الحديثة كتكريس ونتيجة للتجزئة، وانعكاس لهيمنة أفكار ونزعات مستحدثة تلقي على الماضي ثقلها ورؤيتها بما ليس لها فيه من صلة. ونظراً لكوننا على اضطرار في استعمال ذات المصطلحات، سنحاول بقدر الإمكان تخليصها مما قد علق بها من إيحاءات زائفة…

في السامية كمفهوم – في البداية نعلن رفضنا للمفهوم العرقي للسامية، ذلك المفهوم المستمد بحقيقته من النظرية العرقية التوراتية، وما هو بطبيعته، لا يعبر سوى عن رؤية أسطورية لا صلة لها بالواقع والتاريخ. وها هو ذا، علم التاريخ والآثار وعلم الحياة والإناسة ينفي نفياً قطعياً معظم ما جاء في الرواية التوراتية عن العروق والأجناس وتطور التاريخ وعمر الأرض. [1]

يتعلق الأمر في منظورنا بجملة من القبائل والأقوام القديمة التي قد ضمتها بوتقة حضارية واحدة ناجمة عن شروط فرضتها قوانين المكان والزمان ( الجغرافية والتاريخ )، مما جعلها تتفاعل بما يخص شؤون

الثقافة واللغة والمصير..

لقد أدت تلك التفاعلات المشار إليها، ليرث العرب المعاصرين جملة الأقوام التي تحمل مصطلح الساميين.

بما يخص اليهودية، نستمد من المؤرخ الإنكليزي فيليب حتى، ما يلي: ” في أوربا كما هو الحال في أمريكا، أضحت كلمة “سامي” تعني قبل كل شيء يهودي،  بيد أن سمات  علم الفراسة المحددة تقليدياً للساميين ( اليهود) ومن بينها الأنف المعقوف، لا صلة لها البتة في الحقيقة بالساميين، إذ أنها تميز بدرجة عالية اليهودي عن النمط السامي الحقيقي، وهي هذه السمات حصيلة مكتسبة من اتحاد قديم جداً بين العبرانيين وشعوب أخرى مثل الحوريين والحثيين والمتانيين – وهي أقوام من أصل آري لا سامي ” . [2]

بيد أن، إذ كنا نثمن القيمة التاريخية لرأي هذا المؤرخ، إلا أن هذه الأحكام قد تنطبق على العبرانيين فيما قد مضى، أما يهود هذه العصر فإن شأنهم آخر، بعضهم أو قليل منهم فقط يتمتع بتلك السمات، أما الغالبية منهم فلهم خصائص مغايرة تضم شتات من سمات هنا وهناك. كما أن المسألة ليست مسألة سمات وخاصيات جسدية، إذ أن البشرية قد تمازجت إلى درجة لم يعد معها ممكناً من التحدث عن خصائص وسمات مميزة ثابتة..

في حقيقة الأمر لا صلة واقعية ثابتة لليهودية المحدثة على نحوٍ قطعي بهؤلاء الأقوام، ذلك لأن اليهودية كدين ينطبق عليها ذات القوانين التي تنطبق عليها أديان البشرية، أما الرؤية المعاكسة التي تسبغ على اليهودية مفهوم القومية والصلة بالسامية فأنها تنضح من ذات النظرية العرقية التوراتية التي قد انبثق منها مقولة ما يسمى بشعب الله المختار.

بطبيعة الحال، لا يسمح لنا المجال، لتناول هذه النظرية التوراتية – العرقية ووليدها المتمثل بالشعب المفضل من قبل يهوه الإله القبلي  العبري، إنما لا بد من التنويه في كون اليهود – وإن كان للبعض منهم أصول عبرية –  قد فقدوا خصائص الصلة بالسامية، كهوية ثقافية منبثقة من محيط  حضاري، وذلك بسبب توزعهم المديد عبر أصقاع المعمورة.

ويمكن دعم هذه الحقيقة من طبيعة الاختلافات الشديدة البادية بين الجماعات اليهودية على صعيد الثقافة واللغة[3] والهيئة.

أما بما يخص اليهود من ذوي الأصل العبري، تكون إقامتهم الطويلة الممتدة عبر آلاف السنين خارج المجال الحضاري السامي قد أفقدتهم هذه الخاصية السامية المفترضة، لأن المسألة بحد ذاتها  في جوهرها الأصلي – مسألة محيط حضارة وثقافة، لا مسألة عرق وجنس وسلالة، وتلك هذه الحقيقة ذاتها التي تنطبق عليهم، تنطبق تماماً على غيرهم، من دون استثناء.

إن الدراسات الغربية، بما فيها تلك الدراسات المحابية لليهودية – تؤكد هذه الحقيقة.

نذكر من تلك الدراسات  مصدراً منافحاً عن اليهودية من خلال وضعهم في قانون الاستثناء عن العام البشري، إذ يؤكد هذا المصدر:[4] بأن عبر تجربة ميدانية تم التوصل إلى حقيقة مؤكدة تبين أنه لا يمكن التحدث عن خصائص عرقية يهودية، بل إن معظم اليهود لا يعودون إلى أصول فلسطينية، فاليهودي المغربي له قسمات مغربية، والألماني له قسمات ألمانية، وكذلك الإنكليزي والهندي والفرنسي. الخ.

كما على صعيد تحليل الأشكال (المورفولوجيا) تم التوصل إلى

نمطين من اليهود: الأشكناز – وهم يهود أوربا العائدة أصولهم الأولى إلى يهود بحر الخزر، الذين قد امتزجوا بشعوب أوربا

الشرقية والوسطى، والسفارديم الذين لهم أصول آسيوية وإفريقية.. يؤكد البرفوسور جوزفيتيش ( الجامعة العبرية) ” أنه قد أجرى تجارب بيولوجية على المهاجرين اليهود وسجل النتائج ووصل إلى نتيجة بأن اليهود هم طائفة دينية تضم جماعات مختلفة من الناس اعتنقوا ديناً واحداً، بيد أن نسبة ضئيلة من يهود الأقطار العربية يمكن أن تعود أصولها للعبرانيين القدامى” [5].

ونشير هنا، أن استثناء اليهود من القوانين العامة للتاريخ والمجتمعات البشرية يشكل مناورة خفية لوضع القانون التوراتي المتمثل بالشعب المفضل[6]في صبغة عصرية. الأمر الذي يشكل بحد ذاته مؤامرة مركبة على اليهود ذاتهم وعلى باقي الشعوب. ألا نرى في اعتبار اليهودية قومية يجعل اليهود المقيمين في شتى بلدان العالم في ورطة حقيقية…!  إذ إلى أي قومية يمكن أن ينتمي اليهودي في فرنسا وألمانيا وأمريكا…الخ !

كما نعلم، لا يمكن أن يقبل العقل والعلم والتاريخ قومية عائمة فوق الحضارات والقارات واللغات…!

أما بصدد علاقة العرب بالساميين القدامى، يذكر فيليب حتى:  بأن عرب الجزيرة خاصة – البدو منهم ، يمثلون خير تمثيل الجنس السامي، وذلك على كافة المستويات، البيولوجية، والسيكولوجية واللغوية، وذلك بسبب عزلتهم الجغرافية، إذ لم يذكر التاريخ أن الغزاة قد اخترقوا هذا الحاجر الطبيعي المكون من رمال الصحراء… ” من هناك كما يبدو، قد جاء الأجداد القدامى لكل الشعوب السامية: البابليون، الآشوريون، الكلدانيون الآموريون/ العموريون/٠، الفينيقيون، العبرانيون، والعرب والأحباش: أنهم بالأحرى قد شكلّوا في عصر ما قد مضى، شعباً واحداً “. [فيليب حتى ص 13]

كتعليق على ما تقدم بصدد العرب: في هذه المسألة نلتقي جزئياً مع هذا المؤرخ، وبالتحديد في كون تلك الأقوام – السابقة الذكر – قد جاءت إلى ربوع الهلال الخصيب من موطنها القديم – الجزيرة العربية – بيد أننا لا نقبل أن هذه الأقوام تمثل عرقاً بالمعنى السلالي أو العرقي النقي، بل نتبناه  بالمعنى المجازي.. أي أنها لأسباب تتعلق بالمناخ والجغرافية والتفاعل والصلات، أخذت تشكل أرومة ذات سمات ثقافية مشتركة يمكن أن نطلق عليها جوزاً ومجازاً بالسامية. فالنظرية التوراتية في مسألة العروق وعمر الكون لا صلة لها بالواقع أنها وليدة أسطورة أسقطها العلم.

في منظورنا، أنه لا يمكن حذف الصلة التاريخية والبشرية، بين المجال الإفريقي والهندي والجزيرة العربية. من جانب آخر، لا بد من أن تكون الجزيرة العربية قد تمتعت في عهودها القديمة بخصائص مناخية مختلفة، مما يجعلها موطن لاستقبال هجرات بشرية قادمة من مناطق أخرى قريبة أو بعيدة. إذ أن وجود البترول والوديان الطويلة دلالة على وجود حياة نباتية وعضوية وغزارة مائية كثيفة.

في هذا الصدد،  نرى، أنه على الرغم من كون شبه جزيرة العرب تتمتع بنمط من الحدود الطبيعية التي تجعل منها وحدة جغرافية متميزة بحد ذاتها، إلا أنها لم تكن قط بمعزل عن التواصل مع محيطها، إذ أن هذه الحدود الطبيعية كانت على الدوام سهلة الاختراق والنفوذ، فالبحر الأحمر لم يمنع أبرهة الأشرم من أن يأتي اليمن من الحبشة، وكذلك قد سمح بيسر كبير – على الرغم من تواضع الإمكانيات –  للجوء رفاق النبي إلى نجاشي الحبشة. ولم يكن أمر الخليج العربي أكثر صعوبة، بل وحين  يعصى أمره – له شماله. أما سيناء فقد كانت المعبر السهل للأنباط ومن قبلها للهكسوس والمصريين والآشوريين وكل أبناء صحراء العرب، ولم يكن بحاجة لهم لعبوره لا لتدخل إله ولا لعصا نبي..

أجل، ليس من الاستحالة بمكان، أن تكون جزيرة العرب قد عرفت بالتوالي، خلال العصور السحيقة فيما قبل التاريخ المعروف الكثير من الهجرات إليها ومنها- وذلك لأسباب تتعلق بالتحولات الطبيعية الدراماتيكية. بل من الممكن جداً، أن يكون العصر الجليدي القديم قد جعل البشر يندفعون باتجاه المناطق الاستوائية الدافئة، ولهذا يكون قد توفر لجزيرة العرب حصة الأسد من أوائل البشر، وتضاريسها الظاهرة تفصح عن باعها الكبير في هذا المضمار، الأمر الذي قد حملته صدى الذاكرة الجمعية المتوارثة عبر أساطير الخلق والتكوين الأول التي تشكّل الحمولة الأولى للأدب الأسطوري القديم.

على غرار ذلك وفي زمن لاحق  ولنفس الأسباب الجيو – مناخية المتغيرة، تكون ظاهرة التصحر التدريجي قد دفعت  هؤلاء الأوائل باتجاه بقاع الماء المتمثلة بالأنهار الكبرى وسهول السواحل، وهكذا كان الرافدين والنيل وسواحل الأحمر والخليج والبحر الأبيض المتوسط القريبة – الشرقية والجنوبية – هي مناطق اللجوء من هذا الزحف الصحراوي المتتالي.

إن هذه الحقائق بكليتها يمكن أن تبدوا لنا من خلال استقراء التاريخ الماضي، بل ومن فحص معطيات الحاضر وعكسها على الماضي، إذ ليس الحاضر فقط وليد تاريخي للماضي، بل ويمكن فهم هذا الماضي من خلال قراءة الحاضر، أنه الجدل الذي يبدو كقانون شامل في الحوادث والأشياء.. 

في واقع الحال وعلى هامش تلك المطالعة الجيو- مناخية ونتائجها البشرية ، أنه ليس من الأهمية بمكان، أن تكون تلك الأقوام متحدرة من أرومة واحدة ” السامية أو غيرها ” ، كما لا يعنينا أن يكون أصل جميع هؤلاء الأقوام من بقاع شبه جزيرة العرب، أو يكون هؤلاء الذين قدموا من هذه البقاع هم من أرومتها ذاتها أو قد قدموا إليها من البقاع المجاورة القريبة أو البعيدة،  وإنما الذي نتبناه – وهو الأهم في منظورنا – هو أن هذه الأقوام قد تفاعلت وشكلت عبر عملية تاريخية طويلة متعددة المراحل والأطوار هوية ذات سمات مشتركة يمكن وصفها – حالياً – باسم العروبة.

والجدير بالذكر، أن الدراسات التاريخية المنطلقة من منظور المركزية الأوربية، في الوقت الذي قد تتبنى فيه الأصل السامي الموحد لهذه الأقوام،  واتفاق معظمها بكون هذه الأقوام قد قدمت من بقاع جزيرة العرب، تعلن بذات الوقت انقراض معظمها من قائمة التاريخ وتبقي فقط على العرب (عرب الإسلام) واليهود (يهود التلمود)، كما تعمل على دمج مأثورات تلك الأقوام بالتراث العبري، وتحرص على الدوام على بعثرت العرب وتوزيعهم على أمم وقوميات و ضم اليهود الموزعون في العالم في هوية – عبرية موحدة مستندة على تراث الأقوام السامية القديمة.. ؟

ومن الغرابة بمكان، أن هؤلاء عندما يتناولون تاريخ المجتمعات الأوربية يعملون بدأب على ضم جميع القبائل والأقوام القديمة وصهرها في عملية التكوّن القومي الخاص بها. كأن للعالم عدة مقاييس، مقياس للأوربي، ومقياس للعبري، ومقياس للعربي..

إن الأمر المثير في هذا المنظور، أنه يعمل بدأب على تطبيق منهجية مقلوبة معتمدة على المناورة والمؤامرة على التاريخ، إذ تجهد ذاتها في دراساتها على فصل المتصل ووصل المنفصل : ففي تناولها لتاريخ العرب وشؤونهم تضع هذا وذاك في سياق الفصل والتمزيق لوحدة المجال والسير الحضاري، بينما ينعكس الأمر فيما يخص اليهود واليهودية إذ تضمهم في وحدة تاريخية عضوية متجاوزةً التباعد في المسافات والقارات وتباين الانتماء للأزمنة والثقافات والحضارات..

يبدو لي، أن هذا المنهج المعتمد من قبل أصحاب منظور المركزية

 الغربية، يتوافق إلى درجة مطلقة مع السياسة المعتمدة لنظام السيطرة – الرأسمالي الغربي، إذ أن شطب تلك الأقوام (السامية القديمة) من قائمة التاريخ وفصلهم عن العروبة يخدم  إستراتيجيتها السياسية الذاهبة لتمزيق المنطقة، حيث تجعل من تزوير التاريخ مستنداً شرعياً لها، لذا فهي حين تروج لموضوعة اختفاء تلك الأقوام وبقاء اليهود والعرب، يصبح معها الأمر سهلاً لوضع مخططها في انسجام مع هذا التاريخ الرث. هذا المخطط الذي يستند على ركيزتين، قاعدة لإسرائيل، وتمزيق وبعثرت العرب، مما يسهل وضع اليد على ثروات وبشر ومصير المنطقة..

كخلاصة – بعد هذه المقاربة الأولية – نستبدل السامية كمفهوم عرقي بالسامية كمفهوم ممثل لمحيط حضاري.. سواء أكان الأمر يتعلق بذات المصطلح أو ببديل عنه..

ولمزيد من الوضوح نشير، أن هذا المحيط الحضاري قد نجم منذ البداية عن جدل العلاقة بين مناطق الماء، الزراعية الخصبة، مع الصحراء المترامية الأطراف الرابضة على تخومها، مما قد أسهم على الدوام في دفع سكان الصحراء، واحاتها، وديانها، وبواديها، إلى التوطن في هذه المناطق الخصبة.

بالإضافة إلى طبيعة الموقع الجغرافي الإستراتيجي لهذه المنطقة

في قلب العالم القديم الذي قد جعل منها مركز العبور للتجارة الدولية.

والجدير بالملاحظة، على هامش هذه المسألة : إن تلك العلاقة الجدلية القديمة العميقة بين شبه الجزيرة العربية ومحيطها التي بدت حيناً بكونها مركزاً لاستقبال موجات بشرية، ومن ثم تحولها لتكون بؤرة إرسال لهجرات بشرية، وتحوّل المنطقة لتصبح أخيرا الدائرة المركزية وعقدة المواصلات للتجارة الدولية، قد رسخ في نهاية المطاف السمات الكونية لذلك الميراث الثقافي – الحضاري العظيم المنبثق من ذات المنطقة، إذ لم يكن – هذا التراث – يوماً حصراً لها وحدها، ينطبق ذلك كليةً على الميزات الكونية لأساطيرها ولاهوتها القديم، وكذلك على الخصائص الأممية للديانة الكونية المتمثلة في المسيحية والإسلام، وعلى ما قدمه العرب في حضارتهم – خلال أحقاب تاريخهم القديم والوسيط – من عطاءات جليلة لعموم البشرية.

والعرب- لاستكمال هذا المشهد التاريخي نلتمسه في الأصل لمصطلح العرب: كان هذا المصطلح في مدلوله القديم، يعكس نمطاً معيشياً محدداً، متمثلاً في حياة النقل والرعي والبداوة [7].

وكان هذا النمط قد عبرت فيه عملياً، كل أقوام المنطقة الذين سبقوا ما أصطلح عليه باسم عرب. لهذا لا نجد تمييزاً حقيقياً على سبيل المثال، بين الآراميين والعرب، من حيث كل منهما قد عبر في ذات المرحلة، وأنتقل من حياة الرعي والتنقل إلى مرحلة الاستقرار والتوطن.

ينطبق الأمر كذلك على الأقوام الأخرى… بيد أن تسمية العرب قد التصقت بآخر الأقوام التي عبرت من ربوع شبه الجزيرة إلى شمالها وشمالها الشرقي، وهي التي توافق الطور الأخير في سلسلة التطور اللغوي في المحيط الحضاري الموافق لها..

أرى، في الأسماء المتداولة في عصرنا عن هؤلاء القدامى، من أمثال الآشوريين والبابليين، والكلدانيين الفينيقيين، والآراميين، والعرب.. أنها لا تحمل بذاتها سمات أقوام منفصلة حضارياً، بل تمثل أسماء عهود وأطوار ومناطق وقبائل تربطها وشائج وصلات عضوية، بحيث لا يختلف الأمر كثيراً عما هو شائع في عصرنا من مسميات في مناطقنا العربية..

أما ما لصق بهذه المفردات من إيحاءات وما حملته من تحديدات مشبعة بأبعاد فصل وقطع، فقد حدث في العصور الحديثة كتكريس ونتيجة للتجزئة، وانعكاس لهيمنة أفكار ونزعات مستحدثة تلقي على الماضي ثقلها ورؤيتها، بما ليس لها فيه من صلة..

كما أرى، لم تمثل تلك المسميات في غالبيتها، أكثر من حالات لعهود ومراحل متشابكة ومتداخلة، أسهمت كل منها بنصيبها في التشكّل التاريخي لهذه الهوية الجمعية المتمثلة، بالعروبة.

تبعاً لذلك كما نرى: تمثل العروبة الحالية كهوية الحصيلة النهائية

للعملية التاريخية السابقة لما يسمى بعرب – هم عرب ما قبل العرب.. أو أسلاف العرب المحدثين.. بلا ريب.

وفي هذا الصدد والقول ليوها هنا، البحث في التاريخ يأتي، كتقصي عن الجذور التي منها، عبر العصور التي في ظلها قد نبتنا، ولعلها تعشعش في العقل الباطن فينا شئنا أم أـبينا..

ونحن، إن كنا لا نعترف بتاريخنا القديم، ومن أصحابه من دوننا؟  بيد انها جذورنا القديمة بها ترتفع منها أشجارنا..

العروبة كوريثة تاريخية لأقوام متعايشة في ذات المحيط الحضاري:

لا يمكن اختزال الهوية القومية لتصبح مسألة أجناس وعروق، إنما هي نتاج تكون حضاري وثقافات، ذلك لكون الأجناس والسلالات العرقية لم تعد واقعية في عالم الواقع والممارسة، أنها قد تصلح فقط لعصر القبائل المغلقة، التي لم يتح لها التاريخ إلا حيزاً جد قصير.. ما يؤكد هذه الحقيقة بالنسبة للعروبة: وقائع التواصل الجغرافي والمجال الحيوي ذاته، ومن ثم تواصل التاريخ واللغة و من هم العرب ؟

يتعلق الأمر في منظورنا بجملة من القبائل والأقوام القديمة التي قد ضمتها بوتقة حضارية واحدة ناجمة عن شروط فرضتها قوانين المكان والزمان ( الجغرافية والتاريخ )، مما جعلها تتفاعل بما يخص شؤون الثقافة واللغة والمصير..

في واقع الأمر، يمكن لنا استبدال السامية كمفهوم حديث، من حيث كون هؤلاء القدامى لم يعرفونه قط، في حين أن الزمان والمكان بما احتوى عليه من بنى تحتية متشابكة ومتداخلة، نجم عنها وفق مسار تشكلي، تفاعلات متعددة انبثق عنها ثقافة متشابه وشبكة لغوية متداخلة ومتطورة، كما يكون قد حدث لدى الأمم القديمة، ولربما بوضوح أكثر وأقدم أصالة..

الثقافة.

التواصل الجغرافي: يتمثل بتواصل التوطن في أرض المكان الممتد عبر آلاف السنين، هذا المكان الذي يتمتع بخصائص جغرافية مناخية على درجة كبيرة من التماثل. وكما نعلم، كون العامل الجغرافي يكون الوعاء الضروري لتحقيق التواصل والتفاعل والاندماج.

وهؤلاء الناس الذين قد كونوا العرب  قد تناسلوا وتواصلوا وتوارثوا – مع من قد ضمته منطقتهم من وافدين في أرض المكان من قديم الزمان .

اللغة كمؤشر: ليست اللغة العربية مجرد مشتقة من اللغات السامية، وإنما أيضا قد ورثتها، وهذا هو مصدر الغنى والحيوية في اللغة العربية، وهو ما جعلها تصمد إزاء محاولات القضاء عليها، لأنها متأصلة في المحيط الحضاري.

إن التطورات في مجال اللغة يبدي على نحوٍ ما، في كون اللغة العربية نتاج سياق تطور موضوعي قد حدث على أرضية اللغات السامية، وهي على صلة خاصة باللغة الآرامية، بحيث تكون بذات الوقت شقيقة لها ومشتقة منها ووارثة لها. وليس من المستبعد أن تكون هذه اللغات – السامية – مشتقة من لغة أم واحدة، مما قد شرّط مسيرة تطورها..

لقد كان على الدوام في تلك المنطقة،  ثمة وجود للغة مسيطرة على كامل المنطقة، والتحوّل – الذي يبدو لنا – من لغة إلى أخرى لم يكن تحوّلاً بالمعنى الحرفي للكلمة، إنما كان عبر عملية تطور موضوعي في معالم الثقافة واللغة السائدة، الأمر الذي قد بدا خاصةً في اللغة الآرامية حيث قد عمت المنطقة عبر قرون عديدة، وأصبحت اللغة المسيطرة في المرحلة الفارسية، إذ قد امتد تداولها من حدود الهند حتى النيل.

كذلك كان الأمر في انبثاق وسيادة الأبجدية الفينيقية التي كانت بمثابة حصيلة تطور طبيعي فرض ذاته بشكل طوعي على جميع المنطقة، لم تمنع هذه الحقيقة الفينيقيين بكامل جموعهم من تبني اللغة الآرامية في طور سيادة هذه اللغة.

ويعلن لنا التاريخ، أن الآشوريين عندما سيطروا على المناطق الآرامية تبنوا هذه اللغة، الأمر الذي يعني أن هذه اللغات والثقافات كانت متآخية، إذ لم يدر قط بخلد الآشوريين – وهم المسيطرون –  أنهم يتبنون لغة وثقافة ليست لهم بها من صلة.. كذلك كان موقف العرب – الأنباط – والتدمريين – وحواضر شمال شبه الجزيرة –

والفينيقيين – الكنعانيين وبقية الأقوام..

وعلى غرار ذلك يمكن إدراك التحوّل الطوعي الشامل لتلك الأقوام إلى اللغة العربية، بدون أية مشقة.. إذ عندما حضرت اللغة العربية إلى المنطقة، قبل الإسلام وبعده، احتلت تدريجياً وطوعاً موقع اللغة الآرامية، حيث لم يكن هناك في ذلك الزمن وسائل اتصال وإعلام مسيطر، ولم يكن ثمة قدرة على إجراء قسر لغوي وثقافي، إنما العملية كانت بكليتها طوعيه.. إذ عند وصول الإسلام – الذي قد دفع عملية التعريب إلى أقصاها – لم يتحقق التعريب خارج المحيط الحضاري الذي قد ضم الأقوام المسماة بالسامية مع الأقوام التي لها صلة تاريخية – صميميه بها.

وبالمجمل، كان هناك على الدوام لغة مسيطرة على كل بقاع المنطقة، وكان التحوّل من لغة إلى أخرى يتم شمولياً في عموم المنطقة وبعفوية مطلقة.. وتتقوى هذه الحقيقة عندما ندرك وجود نمط من العلاقة الوثيقة بين تلك اللغات التي لا يمكن معها إلا أن نعتبر في أن هذا التحوّل قد جرى في ذات النطاق بين لغات أخوات مشتقة من لغة أم واحدة أو تجمعها دائرة لغوية واحدة، أو حتى لهجات لها سمات متمايزة ترسخت بها لأسباب ذات صلة بالتباعد الجغرافي وصعوبة التواصل اليومي بين هذه الأقوام ( أو

المجموعات القبلية).

تغدو تلك الظاهرة، كما لو كانت معبرة عن حدوث تطور واشتقاق أدى إلى تمايز تدريجي في هذه اللغات.. بحيث تكون بنت لغة ما ذاتها على ما قد سبقها.. يذكر جواد علي، في الجزء الأول من كتابه، تاريخ العرب قبل الإسلام، إن المعنيين بلغات الشرق الأولى قد لاحظوا وجود تماثل واضح بين البابلية والآشورية والكنعانية والعبرية والآرامية والعربية، واللهجات العربية الجنوبية والحبشية والنبطية وأمثالها، من حيث اشتراكها أو تقاربها في جذور الأفعال، وتصاريفها، وزمني الفعل الرئيسيين التام والناقص، أو الماضي والمستقبل، وفي أصول المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية والأعداد، وبعض أعضاء الجسم، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات، الذي يحدث تغيراً في المعنى وفي التعابير التي تدل على منظمات الدولة والمجتمع والدين، فقالوا بوجود وحدة مشتركة تجمع شمل الأقوام التي تتكلم بها.. [8]

تؤكد هذه الحقيقة ذاتها مقولة المحيط الحضاري وتهافت المنظور العرقي التوراتي ( السامي).

الثقافة كمؤشر:  كما نعلم، ثمة علاقة جدلية بين الثقافة واللغة

 ولا سيما على مدى الأزمنة القديمة، إلا أننا سنتناول مسألة الرموز الدينية كممثل عن الفعالية الثقافية: لقد عرف هذا المحيط الحضاري في أغلب أطواره التاريخية وجود رموز دينية مشتركة، قد تختلف أسماء الآلهة، بيد أن وظائفها متماثلة..

تظهر دراسة تاريخ أديان المنطقة تماثلاً فذاً بين الوظيفة التاريخية للرموز الدينية لدى المصريين القدامى والبابليين والفينيقيين والآراميين والعرب الأنباط. كما أن سياق تطور المفاهيم الدينية كانت متماثلاً إلى درجة كبيرة، إذ تبدي الدراسة المقارنة للأديان السائدة آنذاك، عن حقيقة وجود دائرة ألوهية واحدة  تتصف – بسمات مشتركة لها يمكن وصفها ” بالتعدد في ظل التوحيد”، وذلك في محاولة منها لتفسير ظواهر الكون المتعددة من خلال تعدد مظاهر الألوهية، لكون الألوهية قد تمتعت بوظائف إدارية لشؤون الطبيعة والناس وبهذا قد تحلت بسمات كونية…

بطبيعة الحال، لم يكن أمام الناس ومستوى وعيهم في عصرهم،  إلا مثل هذا التصور المعرفي لتفسير لغز الكون وأسرار الطبيعة المبهمة لديهم…[9]

وتكاد تتفق معظم الدراسات في اعتبار أن لاهوت التوحيد عميق الجذور لدى أقوام المحيط السامي، ولذا يكون التعدد في الأسماء يعكس التعدد في الوظائف، الأمر يمكن أن يكون  قد أدى – في مرحلة تالية ما – إلى حدوث اشتقاقات ألوهية من الإله الأعلى الكلي القدرة، أي انبثاق منظومة ألوهية يسيرها إله أعلى، حيث يقوم مجموعة من الآلهة الصغار المساعدين له في أعمال إدارة  وتسيير وتنظيم شؤون الكون، ربما قد أدى تطور هذا المفهوم لوجود إله خاص لكل قبيلة يستمد صلاحياته من الإله الأعلى .. يمكن العثور على صدى هذه الحقيقة مما قد ذكره هيرودوت،[10]وما يتم الاتفاق عليه من قبل الجميع، في تحديد سمات لاهوت العرب قبل الإسلام، المتمثل بالإشراك، أو بتعبير أدق بوجود الآلهة المساعدة للإله الأعلى..

ليس من الغرابة بمكان،  أنه حتى في حال وجود آلهة ممثلة لقبائل أو أقوام، فإن هذه الآلهة كانت تترابط فيما بينها بصلات ودية، بحيث تقدسها مجمل القبائل المنتمية لذات المحيط الحضاري.

والجدير بالنظر أن تلك الظاهرة الدينية المتمثلة في ال “ SYNCRETISM

 إي التآلف والتوفيق بين الآلهة المتعددة وقبولها – التي يكثر تداولها بين دارسي التاريخ الغربيين – تعبر بحد ذاتها عن العديد من المظاهر، من حيث تعكس نمط من اللاهوت المشترك في واقعه ومصدره وتطوره ومآله، كما يعبر – من جهة ثانية – عن نزعة أولية للتوجه نحو التوحد، إذ أن قبول قبيلة ما مقدسات قبيلة الأخرى وتبنيه لها ينم بحد ذاته، عن تفاعل ثقافي وتواصل صميمي يؤدي في مآله الأخير للاندماج في بوتقة ثقافية واحدة..

وليس من المستبعد أن يكون مصدر هذه الظاهرة، وجود نمط من الاعتقاد بمصدر إلهي موحد (بإله كلي التوحيد)، قد تجلّى – طوراً – عبر العديد من المظاهر الوظيفية التي يرمز لها بأسماء آلهة – وطوراً آخر- في أسماء متعددة – كرموز- للقبائل أو الأقوام المتعددة.. ونظراً لإدراك تلك الجماعات لوظيفة الألوهية ومصدرها وتنوع رموزها ومسمياتها، تم القبول الجماعي بها..

على سبيل التأكد من هذه الظاهرة بكليتها، يمكن أن نستمد من التاريخ الخاص بالمنطقة واقعتين هامتين:

الأولى – عدم وجود حروب ذات صبغة دينية في تلك المرحلة من التاريخ، إذ لو كان ثمة وجود للاهوت مختلف في وظائفه وسماته، لعكس ذاته على كافة أشكال الحروب والنزاعات (كما قد حدث في أوربا).  وبوسعنا اعتبار أن تلك الحروب – التي قد حدثت – لم تكن-  آنذاك- حروب بين أقوام مختلفة، بل هي نزاعات في ذات المحيط بين حالات سياسية مستندة على قاعدة قبلية، أي نمط موسع من الصراع السياسي على السلطة.

الثانية – تتحدد الواقعة الثانية تلك، في التحوّل السهل والفوري إلى دين التوحيد الكوني الذي قد حققته تلك الأقوام، من حيث يعبر عن قرابة وطيدة بين هذه الأقوام فيما قد كانت عليه وفيما  قد تحوّلت إليه.  وبهذا يكون الدين الكوني المتمثل بالمسيحية والإسلام يمثل بحد ذاته حصيلة مركبة لتطور طبيعي وتحول نوعي في مجمل المفاهيم الدينية السائدة.. إذ أن اللاهوت القديم قد تجاوزه الوعي المعرفي المتقدم من جهة، كما أنه بذات الوقت لم يعد يفي بغرض التوحيد..

والجدير بالذكر، وحدهم العبرانيون  قد شذوا  في المرحلة اليهودية عن هذه القاعدة، إذ تمتع يهوه التوراتي بسمة قبلية مغلقة، ودخل على الدوام في حالة حرب وصدام مع آلهة الجوار.. بيد أننا نعتبر أن اليهودية  قد تشكلت في مرحلة متأخرة، من حيث قد ظهرت بداية تشكلها في المرحلة الفارسية، ولم تتكامل على صعيد فعلي إلا بعيد القرن الأول الميلادي، أي في بداية الطور التلمودي.. إذ تعلمنا دراسة الأسفار التاريخية للعهد القديم أن سليمان وورثته من ملوك الشمال والجنوب  قد مارسوا عبادات  الجوار..

وهكذا يمكن لنا إدراك مغزى تلك الظاهرة التاريخية المتمثلة بوجود

لاهوت جماعي شامل لعموم – يتم فيه تقديس كل آلهة الأقوام والقبائل من قبل الجميع –  حيث يشكل ذلك تعبيراً رمزياً عن وحدة مصدره اللاهوتي التوحيدي القديم من جهة، وترجمة  فعلية لمحتوى الصلات العميقة والتفاعل الوثيق القائم بين المكونات – الديموغرافية (أقوام وقبائل) المتعايشة في المنطقة…. وهل غير اللاهوت – في ذلك الزمن العتيق – يستطيع جمع الشمل في البوتقة الموحدة…؟

وبهذا تكون ظاهرة الدائرة اللاهوتية الكلية المشتركة، قد ساهمت – على نحوٍ ما – في دفع المسار التاريخي الذي أدى إلى دمج تلك الأقوام في هوية ثقافية حضارية موحدة…

بصدد تواصل المسار التاريخي ووحدة المجال الحيوي: نستمد  لتكثيف هذه المسألة –  نصاً مقتبساً من مراسلات أنجلز[11]لماركس (26 أيار 1853)، إذ يذكر” إن الإمبراطورية الآشورية، وكذلك البابلية، قد تم أشادتها من قبل القبائل البدوية في ذات المكان الذي قد تم فيه في عصر تالٍ تأسيس خلافة بغداد. إن الكلدانيين المؤسسين للإمبراطورية البابلية مازالوا يعيشون في نفس الموضع بذات الاسم بني خالد “.

بطبيعة الحال، قد تم دراسة مسألة هذه المراحل التاريخية المتعددة بصورة كافية، وكما نرى حتى في أحوال التنوع والتناقض والالأطوار التاريخية المتسمة بظروف التجزئة والبعثرة نجد سمات قاهرة مشتركة.

قرائن تاريخية اضافية

في قراءة تاريخية إضافية تدعم قدم المسار التاريخي الفاعل في تحديد دائرة الهوية العربية – ذلك القدم السابق جداً للإسلام – هو الحدود التي توقفت عندها انتشار اللغة والثقافة العربية، من حيث قد تم تحديد هذا الانتشار، عبر سياق مغاير في حدوده مع حدود انتشار الإسلام. كما أن سرعة الانتشار ذاته، تدعم كون المخاض التاريخي الذي انبثقت منه هوية المنطقة يعود بقدمه إلى عصور سحيقة..

علاوة على ذلك، تفصح طبيعة هذا الانتشار عن ذاتها، بكثير من الوقائع من بينها:

أولاً: في كون اللغة العربية في مداها الإسلامي تعلن عن ذاتها

كلغة للنخبة/، تكاد تنحصر لدى علماء الدين والفقهاء، وفي أقصى مداها لغة الشعائر والصلوات، بينما تكون في مداها العربي تجاوز ذلك، لتكون لغة العامة والخاصة، كلغة الثقافة وممارسات الحياة..

ثانياً: تُظهر الوقائع الحية، بكون تمسك المسيحيين العرب بهذه اللغة ودورهم بتطويرها، حتى في أرض المهجر، وليس بأقل من تمسك المسلمين العرب بها..   

ثالثاًتفصح تلك الظاهرة التاريخية عن حقيقتها بكل جلاء، من خلال الانتقال السريع للمراكز السياسية وحتى الثقافية، من مكة والمدينة إلى دمشق وبغداد والقاهرة وغيرها من مدن المغرب العربي.. من حيث كونه يعبر عن تنقله في كونه في ذات المجال..

ولكم تظهر تلك الوقائع، بين الحين والحين عن ظهور مرجعية ما، ومؤشرات ما – حتى لو كانت مستترة –  تضغط بحد ذاتها على الواقع السياسي والثقافي العربي، معلنة عن عرينها العروبي.

وكما قد ذكرنا، ليس الحاضر فقط وليداً شرعياً لتاريخ الماضي، بل ويمكن فهم هذا الماضي من خلال قراءة لقرائن يعلن عنها الحاضر..

S

[1] بطبيعة الحال إن رفضنا للمنظور التوراتي الخاص بالعروق والأجناس إنما ينطلق من موقف عام،  أي أننا نرفض جعل المنظومة الأسطورية القديمة – التي قد مثلت المصدر الأكبر، بل الأوحد للمرويات الأسطورية التوراتية – مصدراً لحقائق علمية، في حين أننا نقر هذه المنظومة الأسطورية قد مثلت عهدئذ محاولة أولية -عبقرية لتفسير الكون، وبهذا تكون قد مثلت أولى الخطوات التي قد مهدت لبروز النظر العقلي – التجريدي .. بيد أننا نرى في هذه المسألة ثمة مفارقة، إذ أن الأقوام التي ابتدعت تلك الأساطير قد تخلت عنها كحقائق موضوعية ووضعتها في أرشيف التراث، في حين تجعل الصهيونية العصرية من الأسطورة مصدراً للتاريخ. وعلى غرار ذلك يتعامل بعض الدارسين للتاريخ من الأوربيين، إذ يعتمدون على ذات المصطلحات ويروجون لها، على الرغم من إقرارهم بعدم مطابقتها لمعطيات التاريخ، كأنهم في هذا يرغبون في زرع الوهم في قلب الحقيقة بهدف لوي عنق التاريخ…!

[2] PHILIP K. HITTI, PRECIS D` HISTOIRE DES ARABES, TRADUCTION DE M. PLANIOL, Ed PAYOT, PARIS, 1950, P 12 – 13.

[3] بصدد اللغة، ثمة محاولة عبرنة لغوية قصرية أو تعسفية تجري في الأرض المحتلة، إلا أنه في الحقيقة تبقى الانتماءات اللغوية لليهود متعددة، وتكون اللغة العبرية الحديثة – التي انبثقت من العبرية القديمة – قد تباعدت كثيراً عنها – وهي هذه الأخيرة، بطبيعة الحال،  لغة مفروضة فرضاً..

[4]JEAN – PIERRE ALEM, JUIFS ET ARABES 3000 ANS D`HISTOIRE, Ed BERNARD GRASSET PARIS 1968, P = 34-35.

[5]أحمد سوسة، المصدر العرب واليهود في التاريخ، ص 703.

[6] في خروج 19/6 ” وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة “،  وفي ثنية 7/6 ” إياك اختار الرب لتكون شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض.. من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي اقسم لآبائكم “

[7] في عصرنا، ثمة تداول لمثل هذا المفهوم في بعض المناطق العربية

[8].. (هذا النص مستمد من مختارات قومية لمحمد دروزة، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 1988، ص 606).  كما يوجد صلة وطيدة في اللغة المصرية القديمة مع هذه اللغات..

[9] في هذا المجال نستمد بعض هذه الحقائق  من دراسات : البنية الذهنية في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم، حوراني يوسف  دار النهار للنشر بيروت 1978 وكذلك فيما قبل الفلسفة : ه. فرانكفورت، جون. أ. ولسن، توركيلد جاكبسون، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت الطبعة الثالثة، 1982. ونشير في أننا لا نقبل نتائج كل هذه الدراسات على علاتها.

[10] المؤرخ الإغريقي- في القرن الخامس ق م، في التاريخ 3/8.

[11] في المراسلات مع ماركس الطبعة الفرنسية  الجزء الثالث, 26 / 5 / 1853، ص 374 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى