قراءة في المجموعة القصصية: أمشي وبجواري تمشي سلمى

   عبد المجيد عرفة

 

حسن علي البطران أديب سعودي متميز، يكتب القصة القصيرة جدا.

امشي وبجواري تمشي سلمى مجموعته القصصية القصيرة جدا هي العمل القصصي الأول الذي اقرأه للأديب حسن علي البطران.

وقبل الخوض في تقييمي لهذه التجربة أود ان اوضح انني ومنذ سنوات قرأت في مجال الفكر عموما والسياسة والتاريخ والاسلاميات والرواية العربية والسورية وهذه اول مرّة اقرأ مجموعة قصص قصيرة جدا.

غير ذلك ما اعرفه عن الكتابة الادبية ان هناك نصوص أدبية وقصص قصيرة وروايات ومسرح مدونات للقراءة. أما القصة القصيرة جدا. أراها تجربة جديدة تحتاج للقراءة المتأنية والدقيقة والمتعمقة لهذا الإبداع الجديد. على الاقل بالنسبة لي.

بدأت بقراءة المجموعة القصصية القصيرة جدا لصديقي حسن علي البطران امشي و بجواري تمشي سلمى. فقد لفتني بداية العنوان نعم إن فعل المشي يحرك المكامن الذهنية في الإنسان ويدفعه للتأمل والحيوية الذهنية ومناقشة المُعاش عنده وقد يتوصل لمواقف من حياته وتدفعه لتصرفات جديدة يراها مناسبة له.

هذا ما استخلصته من فعل المشي في المجموعة القصصية، وعند الدخول إلى المجموعة وقراءتها قصة قصة. تراني أقف مع ذاتي متأملا ما الذي أراد أن يوصله صديقي حسن من هذه القصص التي قد لا يتجاوز بعضها الجمل القليلة أو بعض أسطر وحتى كلمات؟. لاكتشف انه اراد بطرق مختلفة سواء بالمفارقات او بالمقارنات او بالدلائل أراد أن يطوي في هذه الجمل القليلة حكاية كاملة. حب ، فقد ، أمل ، يأس ، جسد، روح، علاقات عابرة، علاقات استحوذت على الروح، والحب دائما في الأدب سيد الحاضرين.

نعم اكتشفت شيئا جديدا في قراءتي للمجموعة القصصية وهي أن الكاتب والقارئ يتشاركان في صناعة حكاية القصة المدونة. ففي الرواية مثلا الكاتب يكتب نصه ويغادر منفصلا عنه، بحيث شاع تعبير موت المؤلف، والقارئ يتلقى النص ويقرأه ويعيد فهمه كما ترسب في وعيه، والكاتب والقارئ في الرواية على مسافة من بعضهما. أما في القصة القصيرة جدا هناك واقع ملتبس للقصة القصيرة جدا حيث يلتقي الكاتب مع القارئ من خلال القصة القصيرة جدا؛ الكاتب يقدم قصته القصيرة جدا والقارئ يبدأ بالغوص في عمق القصة وهو عمليا يغوص في عمق قصديّة الكاتب، لعله أراد كذا أو كذا؟، ماذا قصد؟ والى ماذا اشار؟ وما العبرة وراء القصة؟، وما هي القصة اصلا؟، يحصل تفاعل ثري بين القارئ والكاتب عبر القصة القصيرة جدا ولو عن بعد ومن دون علم الطرفين أو بعلمهما كادراك عام وليس كواقعة مباشرة .

لنضع نماذج على هذا التحليل.

  • قصة وجع : “توجع … ابتسمت”.

كلمتان تختصران الحكاية هو وهي بينهما علاقة ما: حب زواج الخ، يعيشان حالة من التنافر تصل الى مستوى ان يفرح أحدهما بألم الآخر. إنها علاقة غير سوية.

قد يكون الاستنتاج صحيح وقد يكون لا.

لكن المهم هذا الجدل بين النص الذي يمثل الكاتب وبين القارئ الذي يحلل القصة التي وصلته هكذا ويحاول مداورتها واعادة وضعها في سياق عقلي ونفسي واجتماعي وحياتي كما احسّ وادرك.

  • زهرة من شجرة عتيقة.

“أرادها زوجة.

 رفضت..

ارادته روحا وقلبا وجسدا.

عانق القرآن وعفر جبينه بالتراب .. !!”

هو وهي ربما يحبان بعضا وربما لا ، لكنه اختارها لتكون زوجته، رفضته نعم لكن ليس لأنها لا تريده زوجا. بل لانها تريده زوجا وحبيبا ولتعيش معه حياة مشتركة كاملة على كل المستويات ضمن علاقة تكاملية إنسانية. وهو شكر الله وعانق الوجود لأنه حظي بهكذا حب وهكذا زوجة.

هذا ما وصلني من القصة.

  • المقدسات

“اختبأ خلفها،

ادخل السجن، نذرت منى بحق المكان المقدس الذي امتلكه.. فسرعان ما أصبح حرا في الهواء الطلق”.

هو وهي ايضا حب ينتظر أن يتحول الى حياة مشتركة يعني زواج وعيش كريم وحب وصناعة حياة أفضل لهما. هذا هو السجن وعدته بعطاءاتها الجسدية والمعنوية. وهو قبل واصبح انسانا حرا قبل بسجن الحياة المشتركة لصناعة حياتهما الرائعة.

  • “برق

برقت السماء..

صرخ الطفل ..

تكسّرت اغصان الشجرة ،هبطت الطائرة ، تحاور المعلم ومديره.

وزعت ثمرة التفاح الخضراء، أسست قواعد المدرسة

وهدم سور المقبرة”؛

هي أجواء حرب برقت السماء بأضواء القصف وصرخ الطفل خائفا، تكسرت اغصان شجرة الحياة من بشر وشجر وعمران، هبطت الطائرة بعدما أتمت مهمتها بالقضاء على “الأعداء” الشعب.  قدم المعلم الطيار تقريره لمعلمه قائده بأنه قتل الكثير، وتوسعت المقبرة فكادت أن تغطي البلاد.

 إني ارى هذه القصة تستمد عمقها من قصة الموت السوري الذي امتد لسنوات وطال سورية وشعبها.

وقد يكون تأويلي غير صحيح قد تكون ولادة طفل في مجتمع يزرع الشجر والعلم ويصنع المجتمع الأفضل الواعد.

الى هنا اكتفي بهذه النماذج التي حاولت أن أفك رموزها واعيد سرد حكايتها واربط بين الكاتب بوشائج العلاقة التفاعلية عبر نص القصة القصيرة جدا.

وبعد ذلك أرى أن القصة القصيرة جدا من جزء من عصر السرعة والمختصرات والمركّز والمكثّف الذي يكتنف حياتنا.

نعم ستتربع القصة القصيرة جدا على مائدة الأدب بين أخواتها القصة القصيرة والرواية والمسرح. وهي تستحق.

١٦ / ١٢ / ٢٠٢٥م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى