
منذ الثامن والعشرين من فبراير، دخلت المنطقة مرحلة شديدة الخطورة مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. واستمرت العمليات العسكرية حتى الثامن من نيسان، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، جرى تمديدها أكثر من مرة، تمهيداً لمفاوضات غير مباشرة بوساطة باكستانية تهدف للوصول إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، يتمحور أساساً حول فتح مضيق هرمز ووقف تخصيب اليورانيوم وتسليم المخزون النووي الإيراني.
لكن ما كشفته الحرب خلال أسابيعها الماضية لا يقل خطورة عن نتائجها العسكرية. فبينما رفعت إيران طوال سنوات شعار “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، جاءت ردودها العسكرية خلال هذه المواجهة لتستهدف بصورة أساسية دولاً عربية خليجية، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفاً مباشراً في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وهذا التطور يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تُعامل الدول العربية الخليجية باعتبارها ساحة ردّ إيرانية، رغم أنها ليست طرفاً بالحرب؟
إن الرسائل الإيرانية خلال هذه المواجهة كانت واضحة؛ فطهران تنظر إلى أمن الخليج ومصالحه الاقتصادية باعتبارها أوراق ضغط تستخدمها في صراعها مع واشنطن وتل أبيب. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وما ترتب عليه من اضطرابات اقتصادية وارتفاع في تكاليف الطاقة والتأمين والشحن، الأمر الذي أصاب اقتصادات المنطقة بشكل مباشر.
ورغم ذلك، تجري اليوم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بصورة شبه منفردة، من دون مشاركة فعلية للدول العربية الأكثر تضرراً من السياسات الإيرانية. حتى إسرائيل، التي كانت شريكاً أساسياً في الحرب، تبدو بعيدة نسبياً عن طاولة التفاوض الحالية، فيما تُترك الدول الخليجية، المستهدفة أمنياً واقتصادياً، خارج دائرة القرار.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان تجربة الاتفاق النووي السابق المعروف باتفاق “5+1”، الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك اوباما . يومها رأت دول عربية كثيرة أن الاتفاق تجاهل سلوك إيران الإقليمي، وركّز فقط على الملف النووي، ما منح طهران مساحة أوسع للتحرك عبر أذرعها المسلحة في المنطقة. وكانت النتيجة أن دفع الشعب العربي في سورية ولبنان واليمن أثماناً باهظة من الاستقرار والدماء والاقتصاد، في ظل تمدد الميليشيات المرتبطة بإيران، وسط صمت دولي واسع.
لهذا، فإن أي اتفاق جديد بين واشنطن وطهران لا يمكن أن يُكتب له الاستقرار الحقيقي إذا تجاهل المخاوف العربية المشروعة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمستوى تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل باتت مرتبطة بأمن المنطقة ككل، وبحق الدول العربية في ضمان عدم تحويل أراضيها واقتصاداتها إلى ساحات ابتزاز أو رسائل عسكرية متبادلة.
ومن هنا، ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تدرك أن أمن الخليج ليس ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله أو التعامل معه عبر تطمينات دبلوماسية عامة. كما يجب على الرئيس ترامب ألا يكرر خطأ إدارة أوباما، حين جرى الفصل بين الملف النووي الإيراني وبين سلوك طهران الإقليمي، فكانت النتيجة مزيداً من الفوضى والانقسام والحروب.
إن المطلوب اليوم موقف عربي واضح: دول الخليج ليست وسيطاً بين واشنطن وطهران، بل طرف أساسي يتأثر مباشرة بأي اتفاق أو مواجهة. ولذلك، من حقها الطبيعي أن تكون شريكاً كاملاً في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة، وأن تحصل على ضمانات حقيقية تحمي أمنها القومي واقتصادها واستقرار شعوبها.
فالمنطقة دفعت ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية، وأي اتفاق جديد لا يأخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار، قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم.






