
بعد إنذار أميركي وآخر قضائي عراقي، تشكلت في بغداد حكومة علي الزيدي بعدد غير كامل من الوزراء 14 من أصل 23 حقيبة، بسبب التنافس الشرس بين الكتل وأحزاب العملية السياسية المستقتلة على الوزارات وحصصها فيها، غير مبالية بما يعيشه العراق من وضع متردٍّ غير مسبوق، يصفه وزير الاتصالات السابق، محمد علاوي، بأنه انحدار إلى الهاوية، وأن نتائجه أكثر من كارثية على الشعب العراقي. فيما وصف عزة الشهبندر، وهو مقرّب من رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، المشهد السياسي العراقي بكلمة هزلت! ولأول مرة يصف أستاذ العلوم السياسية، اياد العنبر، حكومة المنطقة الخضراء بالمافيا وبغياب الدولة. وتكرّرت هذه الاوصاف في تصريحات نواب من الأحزاب الحاكمة نفسها، ومن كل مكوناتها الطائفية.
بيأس واضح ومرارة، يصف كل هؤلاء بهذه الكلمات جزءاً بسيطاً من المشهد المنهار والمتردّي للعملية السياسية لحكومة المنطقة الخضراء ووضع العراق الخطير في هذه المرحلة. ورغم هذا يبدو أن هذه الأحزاب المتنعّمة بالمليارات منذ غزو العراق في 2003 تعيش غير مكترثةٍ بما يحصل للبلد وما يتهدّده وما ينتظره من مستقبل، ولا بالشعب الذي يتحسّر على ضياع دولته وفقدان وطنه، بل كل ما يهمّها حصصها ومردود الاستحواذ على أموال الوزارات التي تضع عيونها عليها.
بدأ الصراع حالاً بعد إنذار أميركي لتشكيل الحكومة، رافقه إنذار رئيس المحكمة الدستورية بخصوص المدد الدستورية لتشكيل الحكومة، وحث الأحزاب للإسراع بالتوافق على اختيار رئيس الوزراء، إذ طويت نتائج ما تسمّى الانتخابات الديمقراطية زوراً، وجرت قبل أشهر، وفاز بها حزب محمد شياع السوداني لتعود نغمة وتخريجات “المتعارف عليه” الذي لا علاقة له لا بالديمقراطية ولا بالدستور، ليفرض نفسه ليس فقط على حصص الوزارات، بل أيضاً على الشخصيات، إذ اعتبر المالكي نفسه القائد المستحق لمنصب رئاسة الوزراء، بغضّ النظر عن أي اعتباراتٍ أخرى، أيده فيها أتباع كثر من “الإطار التنسيقي”. ثم سرعان ما جاء فيتو الرئيس الأميركي ترامب وحضور مبعوثه توم برّاك إلى بغداد ولقاؤه المالكي لتسقط مناورات الأخير ومواقف مريديه “المتقلبة” في فرض شخصه لرئاسة الوزراء.
يخرج أحد أعضاء مجموعة دمّرت العراق، ليقول إن الإطار التنسيقي خط أحمر، ولا مكان لتحالفات تهدّد وحدته وتماسكه ومن يخرج منه هو الخاسر
واقتصرت جلسة الأحزاب بعد الاتفاق على اسم علي الزيدي لرئاسة الحكومة على مطالبات ومحاولات فرض حصّة وزارات النفط والمالية والداخلية والدفاع والتخطيط والمواصلات التي تدر على الأحزاب ومليشياتها أموالاً طائلة لهذه الكتلة أو تلك، خصوصاً لأنها وزارات أساسية لتمويل إيران، المسمّاة تقسيم الكعكة، في مشهدٍ يعكس الهوّة الواسعة والانقطاع التام بين هؤلاء والشعب العراقي والمنطقة المشتعلة بحروب مصيرية، بضمنها مصير العراق. أعقب هذا، الصراع الذي شهده البرلمان وإخفاقه في التصويت على تسع وزارات، بسبب عدم التوصل إلى توافقات سياسية بشأنها. وكشف عدم التصويت على مرشّحي نوري المالكي لوزارتي الداخلية والتعليم العالي علنا، ليس فقط الصراع الشخصي الذي يدور في المشهد السياسي، بل صراعا آخر يدور بين الجيلين، الأول والثاني، من الشخصيات التي توالت على الحكم، إذ بينما يحاول نوري المالكي ومسعود البرزاني وفالح الفياض وهادي العامري التشبث بمواقعهم في السلطة، واستمرار هيمنتهم على القرار السياسي، تتطلع أسماء مثل محمد شياع السوداني ومحمد الحلبوسي وقيس الخزعلي وبافل الطالباني الى إزاحة الجيل القديم والاستمرار بالنهج المربح نفسه الذي ساروا عليه منذ غزو العراق عام 2003، بعد انقضاء 23 عاما من عمر العملية السياسية التي تراوح منذ سنوات في البؤس والتردّي، ليس في نظر خصومها، بل بعيون أقرب المقرّبين لها من نواب ووزراء سابقين أو مرشحين لرئاسة الحكومة.
ولكن يبدو أن ما يحدث في مشهد العملية السياسية هذا لا يعني نوري المالكي، ولا رؤساء كتل إطاره التنسيقي، الذين يحاولون، بكل الوسائل، الحفاظ على بقائهم والتظاهر بأنهم ما يزالون أقوياء وصالحين للاستمرار في قيادة العملية السياسية، وأنهم قادرون على تجديد الخطاب السياسي، والعمل مثل الجيل الشاب المنافس لهم، فخرجوا بكتلة سياسية سموها “تحالف الأقوياء”، تهدف إلى إطاحة رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي (ومن ورائه محمد الحلبوسي)، كي لا تفلت السلطة من أيديهم، ويبقى ولاؤهم للولي الفقيه البوصلة الوحيدة في حكم العراق. إطاحة رئيس البرلمان هي استهداف لحكومة علي الزيدي التي وافق عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشروط الولايات المتحدة من تفكيك الفصائل التابعة لإيران ونزع سلاحها وإبعادها عن القرار والنفوذ السياسي.
كلف الرئيس العراقي، برهم صالح، في العام 2020، وزير الاتصالات الأسبق محمد توفيق علاوي برئاسة الوزراء خلفاً لعادل عبد المهدي، لكن نوري المالكي رفض ترشيح هذه الكفاءة في مجال الاقتصاد التي جاءت بمشروع توفير فرص عمل للشباب يراد تطبيقه في حكومته، إلا أن الكتل الموالية لإيران التي قمعت ثورة تشرين رفضت تعيينه، ووضعت أمامه شروطاً تعجيزيه لدفعه إلى الاستقالة (أداؤه في وزارة المواصلات لم يعجب إيران)، وهو ما حدث، ليختار هؤلاء الولائيون حماة الاحتلال الأميركي الإيراني بديلاً مطيعاً وخاضعاً لا يمسّ العملية السياسية بأي تغيير. يعود محمد علاوي نفسه، هذه الأيام، رغم تجربته مع أحزاب العملية السياسية، ليقترح خططاً لعملية سياسية، يقول إنها تنحدر في الهاوية، وإن مصير العراق وشعبه اليوم في خطر، وإن الإصلاح ممكنٌ لإنقاذ العملية السياسية. وقبله بشر كثيرون من المرشّحين لرئاسة الحكومات السابقة بالإصلاح، ووعدوا العراقيين بالضرب بيد من حديد على الفساد والفاسدين، وتّشكل جيشٍ من المرتزقة واللصوص والمكلفين بمهمة واحدة، نقد الفساد وفضح ملفاته، الهدف منه تسليم وزارات لبعضهم أو امتصاص غضب الشارع المتزايد، من أبرزهم النائب رحيم الدرّاجي الذي صرّح مرة بأن قدرة الفاسدين في العراق تفوق إمكانات الدولة، وبأنه يتحدى لجنة محاربة الفساد أن تصطاد حوتاً واحداَ. وهذا ما ينطبق أيضاً على هيئة النزاهة نفسها التي تتاجر وتبتز بملفات الفساد بملايين من الورقة الخضراء، وذاع أنها تغطّي على فضائح عصابات من البرلمانيين، كانوا في قلب سرقات عديدة، أطلق على بعضها سرقات القرن. والأهم من كل هذه التصريحات بشأن موضوع الإصلاح وتصحيح مسار العملية السياسية، صدر عما سمّي “تحالف الأقوياء”، بقيادة نوري المالكي الذي سيتم الإعلان عنه بعد عطلة العيد، بيانٌ يقول فيه إنه سيتبنّى منهج المعارضة السياسية داخل قبة البرلمان ومراقبة الأداء التنفيذي والتشريعي، وإنه سيعمل على تصحيح المسارات السياسية وتفعيل الدور الرقابي البرلماني بشكل حقيقي في المرحلة المقبلة.
الفاسد ومن يتباهى بولائه للخارج لن يعمل إلا لمزيد من التدمير والخراب ونشر الفوضى
الحقيقة، لا أحد يصدّق هذه التصريحات من الولائيين واجترار نيّاتهم الإصلاحية، ولا حتى من داخل العملية السياسية نفسها، لأنها استهلكت بشكل مبتذل، أوصل معها العملية السياسية برمتها من أحزابها إلى أشخاصها إلى طريق مسدود، إلى الحائط، حتى أنه لم يعد هناك أي اهتمام بكل هذه المجموعات التي جلبها الاحتلال، يتجاوز الشعب العراقي على هيبة جيشهم المدجّج بالسلاح، وعلى نوابهم ومحافظيهم ووزرائهم، لم نسمع كلماتٍ مثل عصابة ومافيا ودولة تاهت تخرج من أقرب المقرّبين لهم من نواب ووزراء وأساتذة جامعة عبر شاشات القنوات العراقية إلا اليوم. تكفي رؤية ملامح المالكي للتيقّن من هزيمته، كذلك العامري والفياض. ليس هناك تحالف قوي، كما سموا كتلتهم الجديدة التي تنازع البقاء من دون جدوى، ثم يخرج أحد أعضاء هذه المجموعة التي دمّرت العراق، ليقول إن الإطار التنسيقي خط أحمر، ولا مكان لتحالفات تهدّد وحدته وتماسكه ومن يخرج منه هو الخاسر.
في غضون الحرب بين إيران من جهة وأميركا ودولة الاحتلال من جهة أخرى، وقصف المليشيات الولائية السعودية ودول الخليج، حاول وزير في حكومة السوداني التواصل مع الفصائل، لكنه لم يتمكّن لا هو ولا أي مسؤول حكومي، ليفهم الاعتداء على الأشقاء، لأن الحرس الثوري الذي يدير بنفسه المعركة ويدير العراق لا يسمح لأي عراقي، ولو كان وزيراً أو رئيس وزراء، بالتدخل في عمله، بدليل منعهم من الاقتراب من منطقة جرف الصخر منذ تحويلها إلى قاعدة إيرانية، حيث لم يدخلها أي مسؤول حكومي عراقي، حتى لو كان ولائيا للعظم، ويعتبر وجوده لخدمة إيران أولاً وليس العراق، كما يجري منذ 23 عاما.
انتهاء مفعول العملية السياسية في العراق أصبح على كل لسان، والتغيير والتصحيح وإنقاذ الشعب العراقي واستعادة سيادة العراق وعودته إلى محيطه العربي مهمّة الوطنيين الأحرار، وليست مهمّة الفاسدين واللصوص والقتلة، لأن الفاسد ومن يتباهى بولائه للخارج لن يعمل إلا لمزيد من التدمير والخراب ونشر الفوضى.
المصدر: العربي الجديد






