
على بعد أربعة أشهر من إزاحة نظام الأسد في سورية بعد أربعة عشر عامًا من القتل والتدمير والنفي والإعتقال والتهجير ؛ وعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة التي تحققت أو تلك التي بدأت تأخذ مجراها المقبول في إطار وطني سليم ؛ إلا أن ما يتعلق بالمسألة الطائفية وما تحدثه من انقسامات نفسية واجتماعية في المجتمع السوري ؛ لا يزال يمثل أحد أهم وأبرز التحديات التي تواجه السوريين جميعًا : سلطة وشعبًا وتيارات سياسية ؛ إن لم يكن التحدي الأكبر على مستقبل سورية..
ومما لا شك فيه أن معالجة المسألة الطائفية يحتاج إلى جهود كبيرة وتعاون أكبر بين جميع الحريصين على سورية الوطن ، إن كانوا في السلطة أو في القواعد الشعبية..
وعلى الرغم من أن جذور المسألة الطائفية تعود إلى عهد الأسد الأب الذي تبنى مشروعًا للدولة ومؤسساتها يعتمد على تنمية العصبيات الطائفية والمذهبية والإستناد إليها لخلق التفاف عصبوي يحمي النظام ويبرر ممارساته غير المقبولة وطنيًا..تفاقمت العصبية الطائفية بسبب انتهاكات أجهزة النظام السابق لكل ما هو وطني توحيدي وجامع..
على الرغم من هذا كله ؛ فإن معالجة هذه المسألة تحتاج إلى زمن ليس بالقصير وتعاون ليس بالقليل في أحسن الأحوال دون حدوث امتدادات ثأرية وانتقامية..فكيف مع مثل هذه الإمتدادات والإرتدادات ؟ سوف تضاعف الجهود اللازمة والزمن المطلوب للوصول إلى نهاية وطنية مرضية تضع المجتمع السوري على طريق النهوض وبناء الدولة المدنية الديمقراطية..
إن كل التحديات الأخرى والمهمات المطلوب تحقيقها يتوقف مدى نجاحها على إيجاد حل للمسألة الطائفية :
بناء مؤسسات الدولة وجيشها الوطني وإنقاذ الوضع الإقتصادي والاستجابة لمتطلبات المعيشة وحفظ الأمن الداخلي وردع الإعتداءات الإسرائيلية وسواها من مهمات العمل الوطني وتغيير النظام وسلوكه ونهجه وأدواته ؛ تفقد مضمونها الحقيقي وقدرتها على الإنجاز والإستمرار وتحقيق الإستقرار الوطني المجتمعي ، ما لم تجد المسألة الطائفية حلًا وطنيًا لها..لأن بقاءها يعني حكمًا تطورها وتجذرها وتحولها إلى أفعال انقسامية سوف تكون سببًا أكيدًا لتقسيم سورية إن لم يكن لظهور حروب استنزاف أهلية متنقلة ..
إن خطر تقسيم سورية ليس أمرًا غير وارد فهو في صلب الإستراتيجية الصهيونية والغربية الإستعمارية والأميركية ؛وفي استراتيجيات التدخلات الإقليمية وما فيها من تغيير ديمغرافي سكاني تخريبي.. هذا الخطر قد حقق خطوات عملية تنفيذية ليس بنيان قسد شكلها الراهن الوحيد..إن المشاعر الطائفية المتباعدة استنادًا إلى تاريخ طويل في الشحن الطائفي ، ممتدًا عبر ممارسات غير مقبولة تصب في مصلحة المزيد من الشحن الطائفي وتزكية الولاءات والعصبيات الطائفية كمعيار لقياس الأحداث والمواقف..هذه المشاعر المتباعدة سوف تكون – إن لم تعالج بمسؤولية ووعي كبيرين لدى الجميع – المادة الأساس لإفشال المشروع الوطني وبناء الدولة مما يفقد الإنجازات المتحققة مضمونها الإيجابي السليم..
وإذا ما تنبهنا ووعينا دائمًا أن العدو الصهيوني ومن خلفه الولايات المتحدة ؛ تحمل حقدًا دفينًا على سورية العربية الموحدة ؛ وتمتلك من العملاء المحليين ما يكفي ليشكل طابورًا خامسًا لا يريد أن يرى سورية مستقرة وسورية موحدة ودولة وطنية ومجتمعًا متماسكًا. وهذا حال روسيا وإيران وربما أطراف إقليمية أو عربية أخرى..
وإذا أضفنا إلى كل هؤلاء ما يسمى فلول النظام الرافضة لقبول التغيير الحاصل ؛ مع ميليشيات مسلحة مذهبية لها دوافع وارتباطات لا تتوافق مع المصلحة الوطنية السورية ورغبات الشعب السوري ؛ وجميعها تعمل وتستثمر في التحريض الطائفي المتبادل ؛ يصبح لزامًا علينا التنبيه من أخطار الإنقسامات المجتمعية وما تحمله من بذور انهيار سورية كوطن ودولة وطنية..
إن معالجة هذه المسألة تقع على عاتق الإدارة الجديدة دونما أدنى تهاون أو تسامح مع كل العابثين بوحدة الشعب الوطنية ونسيجه الإجتماعي..من أية جهة أتوا ولأية طائفة انتموا..كما تقع على عاتق كل النخب الثقافية والإجتماعية وكل القوى الشعبية وتياراتها ؛ عبر الحوار الحر المتواصل لمحاصرة كل الظواهر السلبية وفضح المأجورين والمستفيدين من الإنقسامات الطائفية ومحاربتهم ؛ وصولًا إلى تأسيس تيار شعبي واع ومدرك لخطورة التعصب الطائفي وتهافت منطقه مهما تسلح من المبررات والحيثيات ..إن كشف ومحاسبة مرتكبي أية تجاوزات طائفية مطلب ملح لا يقل أهمية عن محاسبة مجرمي الحرب وأدواتها صونًا للحقوق وتأسيسًا لعدالة وطنية تسمح للجميع بالإحساس بأمان الإنتماء إلى هذا الوطن الغالي علينا..
ليست الوطنية حكرًا على طائفة أو مذهب..وكل عمل انتقامي وكل منطق طائفي يخرج صاحبه من دائرة الإنتماء الوطني..فليرتفع الجميع إلى مستوى خطورة التحديات الراهنة : تحديات بناء الوطن ومؤسساته على أسس العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية وسيادة القانون ..نؤكد أنها مسؤولية القوى الشعبية بقدر مسؤولية الإدارة الجديدة..فلتتحمل النخب المثقفة مسؤولياتها وتتصدى لمعالجة موضوعية للمسألة الطائفية : وحده المشروع الوطني المتكامل الأبعاد الذي يعطي لكل ذي حق حقه ، يرفض أي عدوان على المدنيين الأبرياء أيًا وأينما كانوا ؛ لا يتهاون في كشف المخربين أيًا وأينما كانوا ومحاسبتهم ، يستوعب كل صوت وطني مخلص راغب في حماية مجتمع سورية إطارًا جامعا لكل أبنائها ؛ رافضا لكل تبعية أو إرتهان لأية جهة خارجية أيا كانت ، يرفض التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو طائفي ؛ وحده مثل هذا المشروع قادر على معالجة امتدادات المسألة الطائفية – المذهبية وذيولها التخريبية..
إن مصير سورية مرتبط عضويًا بمصير المنطقة العربية وفلسطين التي تتعرض لحرب إبادة جماعية لن تسلم سورية من تداعياتها فالعدوان الصهيوني يتصاعد على الجميع ولا يخفي مقاصده التوسعية التدميرية..وهذا يضاعف المسؤولية والحاجة الملحة إلى تماسك وطني شعبي وإلى مشروع وطني للبناء والتحرر والتغيير وردع العدوان وتحرير الأرض والإنسان..
إن جهات كثيرة فاعلة تعمل على إشغال الشعب السوري بانقسامات وأفعال طائفية وانتقامية؛ فيما المصير الوطني برمته عرضة لعدوان صهيوني متواصل.