كورونا يؤجج المواجهة الأميركية ـ الصينية

أجج وباء كورونا العلاقة المتوترة أصلاً بين الولايات المتحدة والصين، رغم التهدئة النسبية بفعل توقيع اتفاق تجاري جزئي في 15 يناير/كانون الثاني الماضي، فتعاطي البلدين السلبي مع الوباء وانتشاره، دفعهما إلى رمي كل منهما الكرة إلى ملعب الآخر، بدءاً من الاتهامات بـ”تصنيعه”، مروراً بالأوصاف العنصرية المستخدمة من الجانب الأميركي، وصولاً إلى تبادل الإجراءات والأنباء عن دور كل منهما في زعزعة الأمن لدى الآخر. ووقعت منظمة الصحة العالمية بدورها ضحية هذا النزاع.

ضمن الاتهامات الأميركية للصين بـ”تصنيع الفيروس في مختبراتها”، ضغط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، قبل أيام، على بكين للسماح للمفتشين الدوليين بالدخول إلى مختبراتها الحساسة، معرباً عن قلقه حيال الإجراءات بشأن أمنها. ورفض بومبيو استبعاد أن يكون الفيروس تسرّب من مختبر في مدينة ووهان الصينية، وهو سيناريو تنفيه بكين بشدة. ونقلت وكالة “فرانس برس” عن بومبيو قوله للصحافيين “عليكم أن تتذكروا أن هذه المختبرات لا تزال مفتوحة داخل الصين. هذه المختبرات التي تحتوي على مسببات أمراض معقدة كانت تجري دراستها. ليس فقط معهد ووهان لعلم الفيروسات”، مضيفاً: “من المهم أن يتم التعامل مع هذه المواد بطريقة آمنة”. وأورد بومبيو مثال المنشآت النووية، مشيراً إلى عمليات التفتيش العالمية الصارمة لضمان السلامة. وجدّد مخاوف بلاده من أن الصين لم تشارك نموذجاً من الفيروس المكتشف في البداية. وكشف أنه “ما زلنا لا نمتلك نموذجاً من الفيروس ولم يتمكن العالم من الوصول إلى المرافق أو المواقع الأخرى التي ربما نشأ فيها هذا الفيروس أصلاً داخل ووهان”. وطالب بومبيو الصين بـ”إغلاق أسواق بيع الحيوانات البرية وكل الأسواق التي تبيع الحيوانات بشكل غير قانوني وللأبد”، على اعتبار أن الفيروس بدأ، وفق معظم الآراء، من سوق لبيع لحوم هذه الحيوانات في مدينة ووهان في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

مع العلم أن الخطوات الصينية في التعامل مع الفيروس في بداية انتشاره لم تكن شفافة، في ظلّ التعتيم الذي مارسته السلطات على وجود وباء يتفشى بين البشر ثم اعتقال مبلّغين بارزين تحدثوا عن ما يجري.

وبالتزامن مع تزايد الاتهامات للصين، رفعت ولاية ميزوري الأميركية، قبل أيام، وفي سابقة هي الأولى من نوعها بحسب “الإذاعة الوطنية العامة” الأميركية، دعوى ضد الصين بتهمة إخفاء خطورة كورونا وبالتالي التسبب “بأضرار” اقتصادية وبشرية “لا يمكن تعويضها” في هذه الولاية وفي العالم، ما استدعى رداً غاضباً من بكين. ودعوى “الحق المدني” التي قدمها المدعي الجمهوري في الولاية إريك شميت تستهدف الحكومة والحزب الشيوعي الصينيين ومسؤولين آخرين ومؤسسات في الصين. وتتهمهم خصوصاً “بإخفاء معلومات مهمة” في فترة ظهور الوباء واعتقال المبلّغين عن ذلك وإنكار الطبيعة شديدة العدوى لفيروس كورونا. وقال شميت: “يجب أن يحاسبوا على أعمالهم”، مضيفاً بحسب وكالة “فرانس برس” أن “إخفاء المعلومات” من الصين تسبب “بوباء عالمي حتمي” خلّف وفيات وعواقب اقتصادية كبرى مع خسائر بمليارات الدولارات على الأقل لميزوري بحسب الوثائق القانونية. وأُصيب أكثر من 5800 شخص في ميزوري بكورونا، توفي 177 منهم على الأقل بحسب السلطات المحلية.

وفرص نجاح الدعوى قليلة لأن القانون الأميركي يمنع عموماً أي تحرك قضائي ضد حكومات أجنبية. ورد المتحدث باسم الخارجية الصينية غينغ شوانغ على خطوة الولاية الأميركية بالقول: “ما يسمى بدعوى لا تستند إلى أي دليل، هو أمر سخيف جداً”، مؤكداً أن الإجراءات التي اتخذتها الصين “ليست من اختصاص محاكم أميركية”. وأضاف في مؤتمر صحافي في بكين أخيراً: “منذ بدء انتشار الوباء، أبدت الحكومة الصينية باستمرار انفتاحاً وشفافية وحساً بالمسؤولية”.

وشكّلت خطوة ولاية ميزوري، تتويجاً للغضب المتصاعد لدى الأميركيين عموماً ضد الصين، فقد كشف تقرير للكتّاب كات ديفلن، لورا سيلفر، كريستين هوانغ، لمركز “بيو للأبحاث”، أن الجمهوريين أكثر سلبية من الديمقراطيين تجاه الصين. وفي استطلاع للرأي أجراه المركز في مارس/آذار الماضي، تبيّن أن نحو ثلثي الأميركيين يعتبرون أن “لديهم وجهة نظر سلبية للصين”، وهو التقييم الأكثر سلبية منذ أن بدأ المركز بطرح السؤال في عام 2005. كما تراجعت الآراء الإيجابية حول الرئيس الصيني شي جينبينغ، إلى أدنى مستوياتها. وعزا التقرير هذا التدهور إلى تراكم المخاوف الرئيسية للأميركيين من الصين، فإضافة إلى العوامل الاقتصادية التقليدية، مثل فقدان الوظائف والعجز التجاري، فإن سياسات حقوق الإنسان الصينية والتدهور البيئي تثير قلق الأميركيين أيضاً.

ويؤمن المستطلعون بأن بلادهم لا تزال الأقوى اقتصادياً في العالم بنسبة 59 في المائة مقابل 30 في المائة، كما أنها الأقوى عسكرياً. أما النقطة الأهم في الاستطلاع فهي اعتبار هؤلاء أن “العالم أفضل حالاً في ظلّ قيادة الولايات المتحدة بدلاً من قيادة الصين”، وذلك على الرغم من الخطوات التي قام بها ترامب من الانسحاب من معاهدة باريس للمناخ، ثم إجراء اتفاقات تجارية منفصلة مع المكسيك وكندا، والتردّد في ملف الشرق الأوسط، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران ومعاهدات الأسلحة مع روسيا.

لكن الخلافات الصينية ـ الأميركية لم تقتصر عند هذا الحدّ. وسلط تقرير للثلاثي إدوارد وونغ، وماثيو روزنبرغ، وجوليان إي. بارنز، نُشر أخيراً في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، أخيراً بدا وكأن “الأخبار الزائفة” شكّلت سلاحاً أساسياً في المواجهة بين البلدين. وقد بدأ ذلك في شهر مارس الماضي، مع انتشار رسائل عدة على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الهواتف الخليوية، حول الخطوات الأمنية للإدارة الأميركية في مواجهة كورونا، بما فيها حالات إغلاق ونشر قوات وغيرها. ومع شيوع تلك الرسائل، اضطر مجلس الأمن القومي الأميركي إلى إصدار بيان عبر موقع “تويتر” يؤكد أن تلك الأخبار “زائفة”.

إثر ذلك قيّمت وكالات الاستخبارات الأميركية الوضع، لتخلص إلى إبداء ستة مسؤولين اعتقادهم أن الصين ساعدت في نشر هذه الرسائل. ولفتوا إلى أنه تمّ اعتماد تكتيك جديد عبر ظهور النصوص التضليلية على العديد من الهواتف الخليوية مباشرة، وهو أمر لم يروه من قبل. وعلى الرغم من الاتهامات إلا أن أصل الرسائل يبقى غامضاً، مع رفض المسؤولين الأميركيين الكشف عن تفاصيل المعلومات الاستخبارية التي تربط عملاء صينيين بنشر المعلومات المضللة، معللين ذلك بضرورة حماية مصادرهم وأساليبهم في مراقبة أنشطة بكين. كما شدّد مسؤولان من الستة على أنهما لا يعتقدان أن العملاء الصينيين قد خلقوا هذه الرسائل، بل قاموا بتضخيم الرسائل الموجودة. وأضافا أن العملاء تبنوا بعض التقنيات التي أتقنتها “الهاكرز” المدعومون من روسيا، مثل إنشاء حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي لدفع الرسائل إلى الأميركيين المتعاطفين، الذين بدورهم يساعدون عن غير قصد في نشرها.

بدوره، قال مسؤول أميركي كبير إن ضباط الاستخبارات الأميركية يفحصون أيضاً ما إذا كان جواسيس البعثات الدبلوماسية الصينية في الولايات المتحدة قد ساهموا في نشر رسائل الإغلاق المزيفة. مع العلم أن الوكالات الأميركية شدّدت رقابتها أخيراً على الدبلوماسيين الصينيين وموظفي المؤسسات الإعلامية التي تديرها بكين في الولايات المتحدة. وسبق أن طردت وزارة الخارجية الأميركية في سبتمبر/أيلول الماضي سراً اثنين من موظفي السفارة الصينية في واشنطن يشتبه في قيامهما بالتجسس.

وفي إشارة إلى أن الوضع تجاوز الولايات المتحدة، أبدى بعض ضباط الاستخبارات الأميركية قلقهم مما اعتبروه “التضليل الذي يستهدف الأوروبيين بعد نشر رسائل مماثلة بمساعدة مؤيدين للصين”. وتمحورت الرسائل حول تأييد فكرة الانقسام بين الدول الأوروبية خلال الأزمة، وتثني على “دبلوماسية التبرع الصينية”. وقد لوحظ في السياق ارتفاع أصوات المؤيدين للانشقاق عن الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في إيطاليا، التي سقط فيها العدد الأعلى من الضحايا الأوروبيين. وسبق لترامب أن اتهم الصين بنشر معلومات مضللة، لكنه لم ينأ بنفسه عن ذلك بقوله في حديث لقناة “فوكس نيوز”: “إنهم يفعلون ذلك ونحن نفعل ذلك. كل بلد يفعل ذلك”، لكن بكين نفت الاتهام بشدة. ومع تصاعد التوترات الدبلوماسية طردت بكين صحافيين أميركيين يعملون في وسائل إعلام أميركية في الصين. مع العلم أن قدرة الاستخبارات الأميركية على جمع المعلومات في الصين ضعفت في العقد الأخير بعد إزالة ضباط مكافحة التجسس الصينيين شبكة مخبرين أميركيين، مما أضر بقدرة واشنطن على إجراء عمليات هناك.

بالإضافة إلى الحرب الاستخباراتية، فإن وصف ترامب للفيروس بأنه “صيني” ثم قول بعض النواب الجمهوريين بأن مصدر الفيروس قد يكون أسلحة بيولوجية صينية، رغم استبعاد الاستخبارات الأميركية ذلك، عزّز المخاوف من احتمال استغلال الرئيس الأميركي الأمر لرفع حظوظه في الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وأبدى مراقبون خشيتهم من سيطرة إدارة ترامب على عمل الاستخبارات أو القيام بتسريبات انتقائية تروّج لرواية معادية للصين، بطريقة مشابهة للفترة التي سبقت حرب العراق (2003)، أيام حكم الرئيس جورج دبليو بوش.

وإذا كانت نوايا الإدارة الأميركية واضحة، إلا أن بكين أيضاً اتهمت الجيش الأميركي بأنه “ربما نقل الفيروس إلى مدينة ووهان الصينية” في مارس/آذار الماضي. ثم تم تضخيم هذه الرسالة من خلال حسابات السفارات والقنصليات الصينية في العالم على “تويتر”. حتى أن شبكة التلفزيون العالمية الصينية التي تديرها الدولة، أنتجت مقطع فيديو ناطقاً باللغة العربية مخصصا للمشاهدين في الشرق الأوسط، مفاده أن “بعض الحقائق الجديدة” تشير إلى أن الوباء ربما نشأ من مشاركين أميركيين في منافسة رياضية عسكرية في أكتوبر/تشرين الأول في ووهان. وحصل الفيديو على أكثر من 365 ألف مشاهدة على قناة “يوتيوب”.

من جهته، ذكر الكاتب في “ناشونال ريفيو” توبياس هونهاوت، أن صحيفة “تشاينا دايلي”، بنسختها الأميركية، عملت في الفترة الماضية، على مواجهة تسمية ترامب للفيروس بـ”الصيني”، سواء لجهة إتهامه بالعنصرية أو لدفع الاتهامات عن الحزب الشيوعي الصيني. ونقلت عن عالم النفس ستيفن تايلور، تأكيده أن “ترامب في إصراره على وصف كورونا بالصيني كان يخلق إلهاءً سياسياً للتستر على سوء إدارته للوباء”. كما ذكرت الصحيفة أن هجوم ترامب على منظمة الصحة العالمية، التي حطمت إحصائيات بكين الزائفة في وقت مبكر من تفشي المرض، شكّل “مطاردة لكبش فداء جديد”.

ولم تقف الدولة الصينية مكتوفة الأيدي أمام الاتهامات الأميركية، إذ كشفت صحيفة “دايلي ميل” البريطانية أن وزارة أمن الدولة الصينية نشرت تفاصيل ما سمته “مخططاً تخريبياً فاشلاً ضد الحزب الشيوعي” كتحذير للمواطنين بشأن الأمن القومي، وذلك إثر إدانة مسؤول سابق في الحزب بالتآمر لتخريب سلطة الدولة مع “قوات العدو الأجنبي”، وفقاً لوسائل الإعلام الصينية. وتعزز هذه الخطوة رغبة كبار المسؤولين في بكين، لتمرير قوانين متعلقة بالأمن القومي في إقليم هونغ كونغ، تسمح في طيّ صفحة الاحتجاجات الأخيرة هناك. عدا عن ذلك، تواصل السلطات الصينية حملاتها وأنشطتها في مختلف مدن البلاد، حول ما سمته “تعليم الأمن القومي، وزيادة الوعي بشأنه وتعليم التجسس المضاد”.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى