عندما تقوّض المظلة النووية الأميركية استقلالية أوروبا

مالك ونوس

فجأة قفز الكلام الذي يشكك في القدرات النووية الأوروبية وفي ضرورة الاستعانة بالمظلّة النووية الأميركية، بوصفها الدرع الدفاعية الوحيدة التي يمكن أن تحمي القارة ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى المنابر، بعدما كان حبيس أروقة الحلف. فلماذا هذه القفزة، وما المقصود من إثارة هذا الموضوع في هذه الفترة، بعد نشوب الحرب على إيران واستمرار التوتّر الناتج عنها، وكذلك الناتج عن حرب أوكرانيا؟ وقد ظهر هذا الكلام بينما كان قادة أوروبا يتحدثون قبل شهرين، عن ضرورة تعزيز قدرات القارة الدفاعية لزيادة استقلاليتها عن أميركا، وظهور أحاديث عن القدرات النووية الفرنسية والبريطانية، والتي يمكن أن تشكل مظلة دفاعية للقارّة. وجاء معظم هذا الكلام على لسان أمين عام “الناتو” لا بهدف التشكيك في قدرات أوروبا الدفاعية فحسب، بل ربما جاء ليبقي أوروبا مرتهنة للولايات المتحدة، حين جزم بأن المظلة النووية الأميركية لا تزال تشكل “الركيزة الأساسية لأمن أوروبا وحريتها”.

ويأتي تصريح أمين عام الحلف، مارك روتيه، قبل أيام، في ظل ازدياد سعي الأوروبيين لتعزيز استقلالية القارة عبر زيادة قدراتها الدفاعية، وفي ظل نزوع أوروبي للتمايز عن الخط الأميركي المستمر في اختراع المشكلات لإثارة الحروب والتوترات التي ترهق القارة قبل إرهاق خصوم أميركا. ذلك النزوع الذي ظهر جلياً، مع نأي الأوروبيين عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أثار حفيظة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجعله يهاجم قادة هذه الدول. كذلك ظهر خلال انعقاد قمة “المجموعة السياسية الأوروبية” في العاصمة الأرمينية يريفان، في 4 مايو/ أيار الماضي، والتي عُقدت وسط التهديد الأميركي بالانسحاب من الناتو، والخطط اللازمة لمواجهة الفراغ الذي سيحدثه ذلك، عبر زيادة اعتماد القارة على قدراتها الدفاعية لسد ذلك الفراغ، و”تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية”، كما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين. لذلك، يمكن القول إن الكلام الذي صرح به مارك روتيه، أمين عام حلف شمال الأطلسي، خلال مؤتمر صحافي عشية انعقاد قمة الحلف في أنقرة، في يومي 7 و8 يوليو/ تموز الجاري، حول حاجة الأوروبيين للمظلة النووية الأميركية، ليس كلاماً بريئاً، لأنه يأتي في سياقٍ مغاير للسياق الأوروبي العام.

جزم أمين عام حلف ناتو بأن المظلة النووية الأميركية لا تزال تشكل “الركيزة الأساسية لأمن أوروبا وحريتها

وسبق أن شدّد روتيه على هذا الأمر قبل قمة أنقرة، أواخر إبريل/ نيسان الماضي، حين تحدَّث خلال مشاركته عبر تقنية الاتصال المرئي في “ندوة السياسة النووية” السنوية التي عُقدت في إسطنبول تمهيداً لقمة أنقرة، عن “ضرورة ضمان استمرار فاعلية الردع النووي للحلف”، لمواجهة التحديات التي تفرضها فترات عدم الاستقرار، خصوصاً مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. لذلك يمكن الافتراض أن حديثه عن الردع النووي، كان مقدمةً أراد روتيه بها التمهيد للحديث عن المظلة النووية الأميركية، وعن حاجة أوروبا إليها، وهي سياسة الردع التي تعهدت أميركا بموجبها باستخدام أسلحتها النووية للدفاع عن حلفائها إذا ما تعرضوا لهجوم نووي. ولا يمكن فصل كلامه عن تهديدات ترامب بالانسحاب من الأطلسي، وضرورة زيادة الأوروبيين إنفاقهم العسكري إلى نسبة 5% من الناتج المحلي. كما لا يمكن فصلها عن انتقادات مندوب أميركا الدائم في حلف الناتو، ماثيو ويتكر الذي قال، في فبراير/ شباط الماضي، عن الأوروبيين إنهم “أطفالٌ تجاوزوا مرحلة الفطام”، ويجب ألا يعتمدوا بشكل دائم على الولايات المتحدة. وجاءت هذه التهديدات عشية ظهور معلومات استخبارية حول إمكانية أن يهاجم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إحدى دول الحلف في السنوات المقبلة.

لا يمكن القول إن هذا الكلام يأتي في سياق حَثّ القارة على الاستقلال بقراراتها الدفاعية وزيادة التصنيع العسكري، كما يبدو للوهلة الأولى، بل يمكن تصنيفه تهديداً، ودفعاً نحو زيادة الاعتماد على السلاح الأميركي عبر عقود الشراء الكبرى، وبالتالي زيادة ارتهان القارة للأميركيين. وهذا ما لمسناه عشية القمة، من خلال صفقات تسليح أوروبية بقيمة تجاوزت 50 مليار دولار، لاستجرار الأسلحة من المصانع الأميركية، بعدما ظهر روتيه وهو يسوِّق لتلك العقود، عبر القول إن أعضاء الحلف، ومن خلال عقود التسلح، سيظهرون للرئيس الأميركي مدى التزامهم بتعهداتهم الدفاعية، أي زيادة إنفاقهم على شراء السلاح الأميركي. وفي ظل هذا الانصياع للرئيس الأميركي، تعهدت دول القارة وكندا بمضاعفة الإنفاق العسكري دعماً لأوكرانيا بعقود أسلحة أميركية تصل قيمتها إلى 140 مليار دولار، تغطي فترة عامي 2026 و2027، وهي تأتي في سياق زيادة الإنفاق الذي طلبه ترامب.

خرجت  أوروبا من قمة الناتو الأخيرة خاسرةً، من الناحيتين العسكرية والمالية ومن الناحية السياسية مع تقويض توجهها الاستقلالي عن القرار الأميركي

وتكمن خطورة هذا الانصياع لترامب في أنه يقضي على توجه أوروبا نحو تفضيل الحلول السلمية للنزاعات، بدلاً من التهديد بالقوة أو ممارسة هذه القوة بالتدخلات العسكرية، كما تفعل أميركا وحليفتها إسرائيل. فالحلول السلمية تُغني عن تحمل التكاليف العالية لزيادة التصنيع العسكري، أو لبناء منظومة نووية بديلة عن المظلة الأميركية، أو حتى شراء كميات هائلة من الأسلحة الأميركية لضمان بقاء المظلة النووية الأميركية. كما كان يمكن لأوروبا المساهمة في تخفيض التوترات في محيطها وفي العالم، من أجل منع تداعيات تلك التوترات من إصابة أوروبا بشظاياها، كما يحدث مع كل توتر دولي. وقد بات واضحاً، أن التهديد بالقوة، واستعراض القوة، لم يمنعا دولة مثل إيران من مواجهة الحرب التي شنّتها أميركا عليها عبر الرد العسكري، وهو ما يمكن أن يدفع دولاً أخرى بحجم إيران وقدراتها لفعل ذلك، ومنها تركيا التي باتت تتلقى تهديدات إسرائيلية، وكذلك باكستان، بغض النظر عن استعداد الصين وكوريا الشمالية وروسيا الدائم لمواجهة أي تهديد. لذلك يمكن أن تصبح فرضية خضوع بعض الدول للتهديدات الأميركية، أو الخوف من هذه التهديدات، موضع نقاش، بالقياس مع مقاومة إيران الحرب التي شنتها عليها أميركا ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

من الواضح أن أوروبا خرجت من قمّة الناتو أخيراً خاسرةً، من الناحيتين العسكرية والمالية ومن الناحية السياسية مع تقويض توجهها الاستقلالي عن القرار الأميركي. ومن الواضح أيضاً، أن ترامب الذي هدد بالانسحاب من الناتو، قد خرج رابحاً بعدما ضَمِنَ عقود السلاح الضخمة، وتعهداً أوروبياً وممارسة عملية بزيادة الإنفاق الدفاعي مستقبلاً عبر شراء السلاح من المصانع الأميركية. لذلك فإن أوروبا التي ذهبت إلى قمة “المجموعة السياسية الأوروبية”، قبل شهرين، من أجل التأسيس لعهد جديد من الاستقلالية، خرجت قبل أيام من قمّة الناتو وهي مرتهنة عسكرياً لأميركا، فتقوّضت أحلام استقلاليتها، وزاد ارتهانها الاقتصادي والسياسي، نتيجة طبيعية للارتهان العسكري.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى