الحكومات والمؤثّرون وسؤال الثقة والمصداقية

مالك ونوس

                               

يبدو أننا دخلنا عصراً إعلامياً وسياسياً جديداً، نشهد فيه تحالفاً بين الحكومات والمؤثرين العاملين على وسائل التواصل الاجتماعي، مستقلين كانوا أو تابعين وظيفياً لها، بهدف نشر خطابها وترويجه. وأيضاً، وهو الهدف الأهم، تبرير أخطائها. وفي سياق التأمل في ظاهرة المؤثرين وفي العلاقة التي تربطهم بالحكومات، يفتح البحث في الطرف الذي يمكن له أن يؤثر في الطرف الآخر مجالاً كبيراً للتفكير في جدوى هذه العلاقة، خصوصاً بعدما بدأ هؤلاء يعملون من دون ضوابط ويشكلون تجمعاتٍ افتراضية، وتضخمت “الأنا” لديهم إلى درجةٍ باتوا معها لا يجدون حرجاً في الإساءة إلى رموز بلدانهم، كونهم لا يرون هذا فعلاً يستوجب التفكير قبل الإتيان به. وهو ما حدث في واقعة دوس بعضٍ من هؤلاء العلم الجزائري في إحدى المناسبات في الجزائر العاصمة، قبل أيام، وهو ما يمكن أن يتكرّر بأشكالٍ مختلفة وفي أماكن أخرى.

برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة المؤثرين، من صانعي المحتوى والبلوغر والتيكتوكر وغيرهم، الذين ينشطون في العالم الافتراضي متّخذين من وسائل التواصل الاجتماعي أدواتٍ لنشر المحتوى الذي يتنوع بين سياسي وثقافي وترفيهي وتسويقي. وبينما بات لكل مؤثر اختصاص، وحاز بعضهم انتشاراً واسعاً، وصار لهم متابعون بمئات آلاف، إلا أن هذا لا يعني أن المحتوى الذي يقدمونه ثرٌّ نفيس، بل إن إدمان عدد هائل من البشر على متابعة وسائل التواصل الاجتماعي يجعل أي محتوى أكثر قابلية للانتشار، عبر التفاعل وإعادة النشر، بغض النظر عن الفائدة الممكن جنيها من تفاعلٍ كهذا. وبينما يمكن أن تقود مصادفة افتراضية ما أحدهم، لأن يحوز على إعجاب ملايين المتابعين، بغضّ النظر عن درجة تحصيله العلمي ومعرفته وثقافته أو تجربته المهنية أو حتى صحة محتواه، ينبغي التركيز على أن ثمة محتوى آخر يلقى رواجاً أكثر من غيره، كما بينت بعض الدراسات، وهو المحتوى الذي يضج بالكراهية والغضب، وكذلك المحتوى الأخطر؛ التحريض.

المعلومات غير الدقيقة أو المضلّلة سرعان ما تُفقِد المؤثر ثقة الجمهور الذي يمكن له ببساطة رصد التناقض في مواقف صاحب المحتوى

غير أن ثمة تساؤلات بشأن الكيفية التي يمكن أن يؤدّي بها هؤلاء المؤثرون دوراً إيجابياً في توجيه الرأي العام نحو قضايا بناء الدولة والتنمية، فضلاً عن قضايا الحريات والحقوق العامة، وهي موضوعاتٌ لا تجد، في أحيانٍ كثيرة، مساحة كافية للطرح عبر وسائل الإعلام في بعض الدول العربية. كما يبرز دورهم المحتمل في تقديم محتوى لا يقتصر على الترفيه والتسلية، بل يمتد إلى نشر المعرفة والثقافة والمعلومات التي يزخر بها عالمنا، إلى جانب التوعية بالقضايا المجتمعية والتنبيه إلى الممارسات والعادات غير المقبولة. ويمكن تحقيق هذا بدمج العناصر المعرفية والثقافية في المحتوى الترفيهي، بما يتيح وصولها إلى المتلقي بصورة سلسة وجذابة، ويعزز أثرها في تشكيل وعيه.

لذلك، وبفضل انتشارهم وحضورهم الذي طغى على انتشار الصحافيين والكتاب والمحللين السياسيين وحضورهم، لجأت عدة حكومات عربية إلى الاتفاق أو التفاهم مع عددٍ من هؤلاء المؤثرين، للعمل معها من أجل نشر أجندتها وتصوراتها والترويج لسياساتها، بعدما أدركت مدى تأثيرهم على شرائح واسعة من المجتمع، خصوصاً الشباب. وفي المتابعة، نجد أن أغلب الحكومات العربية قد ثابرت على عقد ملتقيات واجتماعات ومؤتمرات لهم. ومنها على سبيل المثال، الحكومات الجزائرية والسعودية والأردنية والكويتية والإماراتية، والحكومة السورية الحالية، وكل منها فعلت هذا بدوافع تتشابه مع دوافع الأخرى أو تختلف عنها. ولأن هؤلاء يساهمون بدرجة كبيرة في نشر المعلومة، وإيصالها إلى فئات يعجز الإعلام الرسمي العربي أن يصل إليها، أو حتى أن يقنعها، خصوصاً أن من بين هذه الفئات من انكفأ عن الإعلام الرسمي إلى الإعلام الجديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك كان لا بد للحكومات من التفاهم مع المؤثرين، لكي تكون لهم مساهمة في تشكيل الرأي العام الذي تسعى الحكومات إلى تشكيله.

كان لا بد للحكومات من التفاهم مع المؤثرين، لكي تكون لهم مساهمة في تشكيل الرأي العام الذي تسعى الحكومات إلى تشكيله

وانطلاقاً من معرفتهم بحاجة الحكومات إليهم، والرعاية التي يتلقونها منها، علاوة على عدد المتابعين الهائل، فإن منهم من استغل هذا الأمر لتحصيل مكاسب، والحصول على نفوذٍ ما، وكذلك التأثير المباشر بالقرارات الحكومية والسياسيات. لذلك أظهرت عدة وقائع أن الأنا عند كثيرين منهم قد تضخّمت، حتى بات لا حدود لتضخمها، فواقعة الدوس على علم بلدهم، التي اقترفها مؤثرون جزائريين خلال فعالية تكريمية عقدت في فندقٍ في العاصمة، بيّنت أن منهم من بات لا يقيم اعتباراً أو احتراماً لرموز بلاده، إذ كل شيء قابل للتسفيه والدوس والازدراء. كما أن ما قابل به المؤثرون السوريون وزير الإعلام السوري السابق حمزة المصطفى من هجوم تعزّز بالطلب من الرئيس أحمد الشرع إقالته على خلفية اتهامه مؤثرين، ومنهم مقيمون خارج سورية، بنشر خطاب الكراهية، يؤكد مدى ثقتهم بقدرتهم على التأثير في القرار في بلادهم، وإلا لما توفرت لهم الجرأة لطلب هذا. ثم حين حصل التغيير الوزاري الذي طاول المصطفى وغيره، صنّفوه انتصاراً لهم.

اكتشاف أي علاقة تربط المؤثر بحكومته ستعطيه مصداقية لدى مواليها، لكنها ستثير التساؤلات لدى الآخرين بشأن استقلال آرائه وتوازن المحتوى الذي يروّجه، ما يمكن أن يؤثر على مصداقية محتواه، ويجعل كثيرين ينظرون إليه بريبة. فالمعلومات غير الدقيقة أو المضلّلة سرعان ما تُفقِد المؤثر ثقة الجمهور الذي يمكن له ببساطة رصد التناقض في مواقف صاحب المحتوى، بفضل حساسيته الفائقة تجاه البروباغاندا الحكومية. أما المؤثرون المستقلون، فثمّة حاجة ماسّة إلى إخضاعهم لميثاق شرف، لا سيما أن كثيرين منهم باتوا يطرقون أبواب موضوعات جديدة، ومنها التاريخ، فيخوضون فيها من دون ضوابط كافية، فيشرِّقون ويغرِّبون تبعاً لهبوب الريح، لتغدو الحقيقة، والحال هذه، أولى ضحاياهم.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى