
إذا ما استُكملت النيّات الخطوات المنوي اتخاذها لانسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتوجّه الدول الأوروبية إلى الاستقلال دفاعياً عن أميركا عبر الخطط العملية، فإنّنا سنشهد عندها الانزياح السياسي والعسكري الأكبر الذي ربّما سيكون بحجم الانزياح القارّي القديم الذي فصل أميركا عن أوروبا، قبل ملايين السنين. وبينما لم يخرج كلام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتكرّر عن نيتّه الانسحاب من هذا الحلف عن الإطار الخطابي طوال الفترة الماضية، أتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتكرّس هذا الكلام لدى الطرفَين، وتدفع الأوروبيين إلى خطوات عنوانها الاستقلال الدفاعي عن أميركا. وفي الوقت الذي وجد فيه العرب أنفسهم وسط تلك الحرب، وكانوا أكثر المتضرّرين غير المباشرين منها، ووضعتهم أمام خيارات وجودية، من الضروري التساؤل إن كان سيدفعهم ذلك إلى التمعّن ملياً في الخطوة الأوروبية، علَّهم يصلون إلى مرحلة يصبحون فيها أكثر استقلالاً عن أيّ داعم عسكري، وليس عن أميركا وحدها.
هل يبحث العرب عن طرق تقلّل اعتمادهم على الغير في الدفاع والسياسة؟
أخيراً، وبعد سنوات من الكلام، والتكهّنات المتعلّقة بمستقبل حلف الناتو، جاءت قمّة “المجموعة السياسية الأوروبية” التي عقدت في العاصمة الأرمينية يريفان، في 4 مايو/ أيار الجاري، لتعلن بشكل صريح التوجّه العملي، والسبل التي ستوصل الحلف والقارة الأوروبية، إلى واقع سياسي وعسكري، مغاير للواقع الذي استمرّا عليه 75 سنةً. واقعٌ قد يكون عنوانه انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، وزيادة الدول الأوروبية نسبة إنفاقها العسكري حتى الوصول إلى مرحلة تستقلّ فيها عسكرياً ودفاعياً عن واشنطن. وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى استقلال القرار السياسي والاقتصادي أكثر، ما يدخل القارة، وربّما المنطقة، في سياق جديد، يكون الاستقرار أهم ملامحه. تلك الملامح التي ظهرت عبر كلام الأوروبيين، وعبر ما قاله رئيس الوزراء الكندي الذي حلّ ضيفاً على المجموعة في قمتها، في ما يمكن وصفه بأنّه ردّة فعل على عدوانية ترامب وشذوذه، وربّما تشجيعاً على مسار الاستقلال، إذ قال: “لا نعتقد أننا محكومون بالخضوع لعالم أكثر نفعية وانعزالاً ووحشية، واجتماعات كهذه تتيح لنا مساراً آخر”.
وبينما تشكلت “المجموعة السياسية الأوروبية” قبل أربع سنوات، من أجل مواجهة تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أنّ الطابع العام لقمّتها تلك، غلبت عليه النقاشات والتباحث في قضية الافتراق السياسي والعسكري بين أوروبا والولايات المتحدة. خصوصاً أنّها تزامنت مع إعلان البنتاغون نيّته سحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، وكذلك بعدما قرّر الرئيس الأميركي خوض الحرب على إيران، من دون أن يُخطِر شركاءه في الحلف بذلك. وعلى الرغم من هذا، لم يَسلَم هؤلاء من انتقاده وتقريعه، وحتى إهاناته، لأنّهم لم يناصروه عسكرياً أو سياسياً في هذه الحرب، بل عارضه عدد من قادة القارة، لعلمهم بتبعاتها السياسية والاقتصادية على بلدانهم التي عادة ما تتلقى أولى ارتدادات المغامرات العسكرية الأميركية. فقد درجت العادة أن تتأثر أوروبا سلباً بتلك المغامرات، عبر تعطّل واردات الطاقة وغيرها من السلع الإستراتيجية، وإغراقها في موجات هجرة جماعية ترهقها، وبقائها عرضة لهجمات إرهابية، يدَّعي منفذوها أنها تأتي ردّاً على الحروب على بلدانهم، في حين تبقى أميركا في منأى عنها بفضل البعد الجغرافي.
أمّا المسار الذي لمح إليه رئيس الوزراء الكندي، فقد زاد الرئيس الفرنسي من وضوحه، حين قال إنّ على الأوروبيين الإمساك بمصيرهم الدفاعي أكثر. وهو ما أكّدته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، التي قالت على الهامش: “علينا تعزيز قدراتنا العسكرية لنتمكّن من الدفاع عن أنفسنا، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية”، وطبعاً تقصد الاستقلالية عن واشنطن. وهذا ما نال حيّزاً كبيراً من النقاش في القمّة، إضافة إلى سبل تعزيز الأمن والتعاون المشترك، وصولاً إلى زيادة التعاون التجاري بين الدول الممثّلة في القمة. ومن هنا يبدو واضحاً كم بات هذا الملفّ ضاغطاً على أوروبا وكندا، لدرجة أنّه شغل الحيز الأكبر من مداولات القمّة التي تعقدها المجموعة مرّةً كل سنتَين، من أجل مناقشة مستجدّات الحرب الروسية على أوكرانيا. وهو ما يمكن أن يقود إلى مقاربة هذه الحرب بطريقة أخرى مختلفة عن المقاربة التي كانت واشنطن حاضرة بقوة فيها.
يحتاج العرب إلى مبادرة تنظر إلى البلدان يزداد نزوعها إلى بناء دولة على أسس التشاركية
وإذا ما ظهرت ثمار هذه الاستقلالية سريعاً، وهو ما يُعدّ احتمالاً كبيراً، فهل يمكن للعرب الاستفادة من هذه التجربة في البحث عن طرق تقلّل اعتمادهم على الغير في الدفاع والسياسة، حتى يتمكّنوا من الوصول إلى مرحلة يتعزّز فيها استقرار بلدانهم؟ هذا هو السؤال الذي ما زال العرب يطرحونه على أنفسهم منذ إعلان تأسيس جامعة الدول العربية والمؤسّسات التابعة لها، بينما لم يطرحه الأوروبيون إلّا في السنوات القليلة الماضية. وحين تظهر النتائج الإيجابية لاستقلال الأوروبيين عن الأميركيين، وتتكلّل بحلٍّ يوقف الحرب في أوكرانيا، قد يشكّل هذا دافعاً للعرب لكي يحتذوا بالأوروبيين، وربّما تطبيق تجربتهم في التواصل مع الإيرانيين من أجل تعزيز استقرار المنطقة، عبر حلول جذرية للمشكلات التي تتوالد من سابقاتها التي لا تعرف طريقها إلى الحل.
يحتاج الأمر من العرب مبادرةً مختلفةً تنظر إلى البلدان المحيطة بهم التي يزداد نزوع شعوبها وقياداتها إلى بناء دولة تترسّخ دعائمها قويّةً عبر التشاركية، وترى في جهد أيّ فرد من أبنائها فرصةً لتعزيز ذلك البنيان للصمود في ظلّ التحدّيات المحيطة التي تتزايد كلّ يوم. لقد بيّنت محاولات استنهاضهم العرب أنّ ثمّة قطبة ناقصة في النسيج الكبير، تُفشِل محاولات حياكته. ربّما هي في خطأ الانطلاقة الأولى التي لم تكن جذريةً بما فيه الكفاية، فلم تصل إلى الحدّ الأدنى من النتائج التي كانت مأمولة. فهل الخلاص بالعودة إلى ما قبل خمسة قرون في التاريخ للنظر في الحبكة القوية والجريئة التي حاكتها أوروبا، وشرَّعت لها الأبواب لدخول عصر النهضة الذي لولاه لما كانت أوروبا كما نعرفها الآن؟ قطبةٌ إذا بقي العرب ساهين عنها، فسيستمرّون على ما هم عليه، وربّما يستمر ذلك عقوداً.
المصدر: العربي الجديد






