هدنة مؤقتة أم استراحة قبل جولة جديدة؟

صفوان جمّو

في الشرق الأوسط، تبدو الحروب أحياناً وكأنها لا تنتهي، بل تتوقف قليلاً فقط لإعادة ترتيب الأوراق. هذا ما يوحي به الحديث المتزايد عن هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران، عنوانها المعلن فتح مضيق هرمز وتخفيف جزئي للعقوبات مقابل العودة إلى النقاش حول البرنامج النووي الإيراني.

لكن خلف هذا العنوان تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فقبل أشهر فقط، كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عن أربعة أهداف كبيرة: البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمي، وأذرع إيران العسكرية في المنطقة. اليوم، تقلص كل ذلك تقريباً إلى ملفين فقط: منع إغلاق مضيق هرمز والغبار النووي كما يسميه ترانب .

ربما لأن الجميع اكتشف أن الحروب أسهل في التصريحات منها على أرض الواقع.

إدارة ترامب تبدو عالقة بين رغبتها في إظهار القوة وبين خوفها من التورط في حرب طويلة ومكلفة. الداخل الأمريكي ليس مستقراً بالكامل؛ تضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وانتخابات تقترب، ومعارضة سياسية تنتظر أي فشل. وحتى الحلفاء التقليديون لم يعودوا متحمسين كما في السابق. بعض الدول الأوروبية رفضت استخدام قواعدها العسكرية في أي مواجهة واسعة، بينما يتحرك الوسطاء الإقليميون وفق مصالحهم الخاصة أكثر من تحركهم ضمن رؤية أمريكية موحدة.

في المقابل، لا يبدو النظام الإيراني مرتاحاً أيضاً. الاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط كبيرة، والشارع يعيش حالة إنهاك معيشية، والصراع داخل مراكز القوة يتصاعد بين التيارات المختلفة. لكن النظام الذي بنى خطابه طوال أربعين عاماً على فكرة “الصمود” لا يتعامل بعقلية دولة تخشى الخسائر التقليدية فقط. بالنسبة له، قد يكون تحمل العقوبات والدمار أقل خطراً من تقديم تنازل قد يهدد بقاءه السياسي.

هنا تحديداً تبدو العقدة الأساسية. فكل طرف يخشى الذهاب إلى النهاية، لكنه في الوقت نفسه غير قادر على التراجع الكامل.

إيران تراهن على الوقت والجغرافيا. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط عالمية، وأي محاولة لفتحه بالقوة قد تتطلب تحالفاً دولياً واسعاً لا يبدو متوفراً حالياً. أما واشنطن، فتراهن على نقطة مختلفة؛ الولايات المتحدة أصبحت من أكبر منتجي الطاقة في العالم فهي تنتج تسعة مليون ونصف برميل يومياً، ما يجعل تأثير المضيق على الاقتصاد الأمريكي أقل خطورة مما كان عليه قبل سنوات.

لكن ما يجري لا يتعلق بإيران وحدها. فترامب، بحسب كثير من القراءات، لا يبحث فقط عن اتفاق نووي أو فتح مضيق هرمز، بل عن إعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة كلها. لذلك عاد الحديث بقوة عن الاتفاقيات الإبراهيمية، وكأنها أصبحت جزءاً من أي تسوية مقبلة مع طهران. الرسالة الأمريكية تبدو واضحة: لا يكفي تهدئة الصراع مع إيران، بل يجب أيضاً بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل جزءاً أساسياً منه.

لهذا السبب، لم يعد ملف التطبيع منفصلاً عن الحرب أو المفاوضات. فواشنطن تريد أن تقول إنها حققت “تغييراً استراتيجياً” في الشرق الأوسط حتى لو لم تستطع إسقاط النظام الإيراني أو إخضاعه بالكامل. وربما لهذا أيضاً تبدو بعض الدول مترددة؛ فهي تدرك أن أي خطوة من هذا النوع لن تكون مجرد توقيع سياسي، بل تغييراً طويل الأمد في توازنات المنطقة وحساسياتها الداخلية.

وفي الخلفية، تبقى إسرائيل لاعباً حاضراً بقوة. فتل أبيب كانت تفضل استمرار الضغط العسكري على إيران لفترة أطول، بينما يبدو ترامب أكثر ميلاً إلى صفقة تحفظ التوازن وتمنحه مكسباً سياسياً يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً.

وسط كل هذا، تبدو المنطقة وكأنها تعيش هدنة مؤقتة لا سلاماً حقيقياً. الجميع يفاوض، لكن أحداً لا يبدو مستعداً لحل جذور الأزمة فعلاً. ولهذا يبقى السؤال معلقاً بهدوء: هل ما نشهده اليوم هو بداية استقرار جديد، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة أخرى من الصراع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى