
في إطلالة سياسية هي الأكثر وضوحاً منذ توليه السلطة، رسم الرئيس السوري أحمد الشرع معالم السياسة الواقعية التي تنتهجها دمشق في التعامل مع إسرائيل، فاتحاً الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تبحث سوريا عن مجرد هدوء حدودي يضمن استقرارها الداخلي؟ أم إنها تخطو الخطوات الأولى في مسار سلام شامل قد يغير وجه المنطقة؟
خلال حديثه مع الإعلامي علي الظفيري في برنامج “المقابلة”، لم يكتفِ الشرع بتوصيف الراهن، بل قدم رؤية متكاملة تربط بين ضرورة التوصل لاتفاق أمني ورهانات المستقبل.
وكشف الشرع أن دمشق تعمل دبلوماسياً، وبمشاركة أطراف دولية، للوصول إلى اتفاق أمني يحد من التصعيد ويضمن مصالح سوريا، مع تأكيده القاطع على “تجنب الدخول في صراعات عسكرية جديدة”، موضحاً أن السياسة الحالية تقوم على عدم تكرار أخطاء العقود الماضية، والبحث عن مقاربات أكثر أمناً تتيح لشعوب المنطقة فرص النمو والازدهار.
الاتفاق الأمني كبوابة عبور
لم يكن حديث الشرع عن الاتفاق الأمني مجرد تكتيك عابر، بل بدا كأنه “حجر زاوية” لمرحلة مقبلة، إذ يرى أن أي انتقال إلى “مرحلة أوسع من العلاقات مع المقاربات الدولية مرتبطة أولاً بنجاح الاتفاق الأمني والتزام الطرفين به”.
هذا الربط المشروط يعكس رغبة سوريا في اختبار النوايا الإسرائيلية تحت مجهر الرقابة الدولية، خصوصاً في ظل ما وصفه بـِ “التجاوزات والمطامع الإسرائيلية” التي لا تزال قائمة.
ومع ذلك، حرص الشرع على وضع “خطوط حمراء” لا تقبل المناورة، مشدداً على أن أي تفاهمات محتملة لن تكون على حساب السيادة السورية أو قضية الجولان التي اعتبر أنها ليست محل تفاوض أو تنازل، وأن موقف دمشق من استعادتها ثابت وفق القانون الدولي.
هذا التوازن بين المرونة الأمنية والثبات السيادي هو ما يراه المحللون محاولة للهروب من فخ التطبيع المجاني الذي سقطت فيه أنظمة أخرى.
ضغوط الميدان وبطء المفاوضات
وفي قراءة لهذه التحولات، يرى الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة سمير العبد الله، أن هناك تغييراً ملموساً في نبرة الخطاب السوري، مشيراً إلى تصعيد في التصريحات خلال الأسابيع الأخيرة.
ويضيف العبد الله في حديث لـِ “المدن”، أن “الحكومة السورية تريد ممارسة نوع من الضغط السياسي على الحكومة إسرائيل بسبب بطء المفاوضات بين الطرفين على الرغم من المبادرة الأميركية، وبعض الوساطات الأخرى”.
ويلفت إلى أن الشرع كان واضحاً بأن الاتفاق الأمني سيكون خطوة ضمن مسار السلام الشامل بدون التنازل عن أحقية سوريا بالجولان، وهذه جملة غير واضحة، فكيف يمكن بناء سلام بدون أن يكون الانسحاب من الجولان شرط له، وإلا ستماطل إسرائيل كثيراً بعد ذلك.
ويعرب العبد الله عن اعتقاده، بأن الإدارة السورية “تمارس شيء أشبه بسياسة العصا والجزرة، من ناحية توحي بأن موقفها ثابت من المفاوضات مع إسرائيل، ومن ناحية تحاول تقديم نوع من المغريات لإسرائيل لتوقيع الاتفاق الأمني وأنه جزء من عملية سلام شاملة”، معتبراً أن “الموقف معقد وليس سهل، وهو مرتبط بمدى قدرة ترامب إقناع نتنياهو من تقديم بعض الخطوات التي تمهد لتوقيع الاتفاق الأمني ومنها الانسحاب مما احتلته إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهذا غير متوقع حالياً، بل ترفضه إسرائيل”.
بين فك اللاشتباك والسلام المفقود
من جانبه، يرى الكاتب السياسي عبد الرحيم خليفة، أن جوهر الموقف السوري لم يتغير جذرياً، بل اكتسب “قدراً من المرونة في الخطاب تجاه المستقبل”.
ويشير خليفة في حديث لـِ “المدن”، إلى أن دمشق تدعو للتوصل لاتفاق أمني “أو العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 برعاية الأمم المتحدة”، وهو ما يعني بالضرورة “انسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها” بعد سقوط الأسد.
ويعتقد خليفة أن النقطة التي قد تثير اهتماماً دولياً هي إشارة الشرع إلى أن “التوصل إلى اتفاق أمني قد يهيئ الظروف والأجواء العامة للانتقال لاحقاً نحو اتفاق سلام شامل”.
ويرى خليفة أن “جوهر الموقف السوري لم يتغير، لكنه اتسم بقدر من المرونة في الخطاب تجاه المستقبل، فالسياسة السورية تتبنى مقاربة خطوة مقابل خطوة، مع التمسك بشرطين أساسيين: وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل التطورات التي أعقبت سقوط نظام الأسد”.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب والباحث سياسي محمد عناد سليمان، إلى أن موقف الرئيس الشرع يحمل رسائل سياسية واضحة للداخل الإسرائيلي، مفادها أن سوريا “مستعدة لنوع من التطبيع على غرار ما حصل خلال التسعينيات”، بشرط احترام السيادة والكف عن الانتهاكات في الجنوب السوري التي تساهم في “إفشال جولات المفاوضات التي رعتها أميركا”.
ويلاحظ في حديثه لـِ “المدن”، أن “الشرع، وهو ابن الجولان”، تعهد منذ وصوله للسلطة بأن دمشق غير راغبة في الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وتكلم صراحة عن أحقية سوريا في الجولان ولم يتكلم عن استعادته، وهو ما قد يوحي بمقاربة لوضع خاص في حال جرت مفاوضات مستقبلية”.
ويستدرك سليمان قائلاً: “هذا مستبعد في ظل وجود حكومة يمينية في إسرائيل، والأرجح أن الطرفين سيصلان لاتفاق أمني بجهود أميركية، لكنهما لن يصلا إلى السلام لعدم توافر شروطه، لا سيما مع ميل المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بقيادة نتنياهو”.
المصدر: المدن






