
من المتوقع أن تضع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق ملف إعادة الإعمار في سوريا على طاولة النقاش الدولي، انسجاما مع الالتزام الذي أعلنه من دمشق بحشد الدعم المالي واللوجستي من وكالات الأمم المتحدة والدول المانحة، لمساندة مسار التعافي المبكر في البلاد، ومساعدة المهجرين والنازحين على العودة الآمنة، ومطالبته بالرفع الكامل والفوري للعقوبات الدولية.
ويضاف إلى ذلك تأكيد غوتيريش عروبة الجولان وشرعيته بوصفه أرضا سورية محتلة، وأن الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية غير مقبولة ويجب أن تتوقف، وأن تقريرا سيقدم إلى مجلس الأمن الدولي في نهاية الشهر الحالي حول هذه الانتهاكات.
وأوضح غوتيريش، خلال مؤتمر صحفي عقده في دمشق الأحد الماضي، في ختام زيارته إلى سوريا، أن الزيارة تحمل رسالة تضامن وشراكة مع سوريا وشعبها، وأن المرحلة الحالية تمثل فرصة نادرة لكتابة فصل جديد من تاريخ سوريا، يضمن تمثيل جميع السوريين في مستقبل بلادهم.
ولفت إلى أنه التقى خلال زيارته السيد الرئيس أحمد الشرع، ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، وعددا من المسؤولين، إلى جانب ممثلين عن مختلف مكونات المجتمع السوري.
وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة جاءت للاستماع إلى السوريين، ونقل رسالة واضحة مفادها الوقوف إلى جانبهم في هذه المرحلة، مع توجيه نداء إلى المجتمع الدولي بعدم ادخار أي جهد لدعمهم.
وأكد أن نجاح سوريا يتطلب دعما دوليا مستمرا، واستثمارات لإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية، وخلق فرص عمل، وتأمين العودة الآمنة والطوعية والكريمة للاجئين والنازحين.
وجدد غوتيريش تأكيد التزام الأمم المتحدة بمساندة سوريا في مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة، وصياغة دستور دائم، وإجراء انتخابات حرة.
وقال إن احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها أمر أساسي، وإن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 غير مقبولة ويجب أن تتوقف.
وأكد أن الأمم المتحدة ستواصل رصد الانتهاكات التي تتعرض لها سيادة سوريا، وستقدم تقريرا إلى مجلس الأمن في نهاية الشهر حول الانتهاكات الإسرائيلية، بهدف إطلاع المجتمع الدولي على آثارها وما تسببه من تقويض لجهود إحلال الاستقرار في سوريا والمنطقة.
وفي معرض رده على أسئلة الصحفيين حول المساعدات الإنسانية لسوريا، أكد غوتيريش أن المساعدات الحالية لا تغطي سوى نحو 20 بالمئة من الاحتياجات، مشددا على ضرورة زيادة التمويل الدولي، والتركيز على دعم التعافي الاقتصادي، وإعادة دمج اللاجئين والنازحين، والاستثمار في إعادة بناء سوريا وتعزيز استقرارها، بوصف ذلك مصلحة للمنطقة والمجتمع الدولي.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أن إحدى مهامه الرئيسة تتمثل في إبلاغ المجتمع الدولي بضرورة دعم سوريا بصورة كاملة، وحشد الموارد لمساعدة الشعب السوري وإعادة بناء البلاد بعد سنوات من الدمار.
رمزا للاستقرار والسلام في المنطقة
وأوضح غوتيريش، في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية أمس الإثنين، أن عودته إلى سوريا تمثل لحظة مميزة، ولا سيما بعد أن شاهد تقدم البلاد في المسار الصحيح عقب التحرير، مؤكدا أن زيارته تأتي في إطار التضامن معها.
وقال غوتيريش إن سوريا باتت رمزا للاستقرار والسلام في المنطقة، وإن الأمم المتحدة ليست لديها أي أجندة في البلاد، بل تدعم تقدما يقوده السوريون أنفسهم.
وبين أن إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات التعليمية والاجتماعية والصحية تتطلب دعما دوليا كبيرا لا تستطيع الحكومة السورية توفيره بمفردها.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى دمشق تشكل إعلانا صريحا عن انتقال سوريا إلى موقع الشريك الفاعل في الأمم المتحدة، وتدشينا لمرحلة جديدة قوامها التعاون الوثيق لإنجاز التعافي الوطني الشامل.
وقال الشيباني، في مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة السبت الماضي، إن غوتيريش يعرف دمشق وأهلها جيدا، فقد زارها قبل 18 عاما بصفته مفوضا ساميا لشؤون اللاجئين، وشهد حينها استقبال سوريا ملايين اللاجئين العراقيين وفتح أبوابها لهم.
ولفت إلى أن المفارقة التاريخية تتمثل في أنه جاء آنذاك ممثلا لقضايا اللاجئين، ويعود اليوم في وقت يشهد فيه السوريون واحدة من أكبر موجات العودة الطوعية في العالم، إذ عاد أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري إلى ديارهم خلال الأشهر الماضية، للمساهمة في إعادة بناء مجتمعاتهم وترسيخ الاستقرار.
وأشار الشيباني إلى أن الروح الوطنية الأصيلة هي التي تقود الحوارات العميقة والمثمرة، موضحا أنه جرى بحث سبل تطوير العمل مع الأمم المتحدة كفريق واحد ينسق جهوده من دمشق، بما يدعم مسارات إعادة الإعمار، ويعزز الاستثمار في البنية التحتية، ويسهم في إنجاح المبادرة الرئاسية “سوريا بلا مخيمات”.
وقال وزير الخارجية والمغتربين إن سوريا أرست أسس تعاون غير مسبوق مع منظومة الأمم المتحدة، متجاوزة أطر التنسيق السياسي التقليدية نحو انفتاح مؤسسي شفاف على أكثر ملفات المنظومة تعقيدا.
وتجسد ذلك عمليا من خلال التفاعل الإيجابي والبناء مع مجلس حقوق الإنسان وآلياته المستقلة، والتعاون الوثيق مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، وصولا إلى طي صفحات الماضي واستعادة حقوق سوريا وامتيازاتها بوصفها دولة فاعلة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وأكد أنه جرى بحث مسار الشراكة بين سوريا والأمم المتحدة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ضمن استراتيجية موحدة تقودها سوريا، يتحول فيها الدعم الدولي من الاستجابة الطارئة إلى الاستثمار في التعافي، من خلال دعم المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وتوفير فرص العمل.
وفي ظل التصعيد غير المسبوق والحرب الدائرة في المنطقة، أكد الشيباني أن سوريا تقدم اليوم نموذجا للرصانة الاستراتيجية والالتزام بالسلام، مشيرا إلى أنها حصنت سيادتها وقرارها الوطني، وركزت جهودها على تأمين حدودها المشتركة.
وأوضح أن هذا الموقف المبدئي يجعل من سوريا، وهي تمضي في مسار التعافي، ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وعنصرا فاعلا في حماية محيطها من تداعيات الصراعات العابرة للحدود.
الشراكة بين سوريا والأمم المتحدة
بموازاة ذلك، أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع “UNOPS”، خورخي موريرا دا سيلفا، أن المكتب يعتزم توسيع نطاق عمله في سوريا لمساعدة المجتمعات على بناء مستقبل سلمي وشامل ومزدهر للجميع، بالتوازي مع مواصلة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية وتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة طويلة الأجل.
وقال دا سيلفا، في تدوينة عبر منصة “إكس” الإثنين الماضي، 27 تموز، إن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق حاسم بعد سنوات من المعاناة والدمار والخسائر الفادحة.
وأكد أن مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع يعمل مع شركائه الدوليين للاستجابة للاحتياجات الإنسانية، وتنفيذ مشاريع التنمية المستدامة طويلة الأجل.
وأشار إلى أن المكتب يواصل دعم المحتاجين في سوريا من خلال توفير المعدات الطبية، والطاقة المستدامة للمدارس والمستشفيات، والمساعدة في إزالة الألغام.
وتعد الأمم المتحدة شريكا ثابتا للدول التي تمر بمراحل انتقال سياسي أو تخرج من أزمات سياسية وأمنية حادة، مثل سوريا، عبر تقديم الدعم لبناء السلام، والمشاركة في تصميم مسارات التعافي، وتحسين ظروف معيشة السكان.
ويجري ذلك من خلال مساعدة الدول في وضع أطر مؤسسية، ودعم مسارات العدالة الانتقالية، ومواكبة المحطات الدستورية والتشريعية لضمان تمثيل شامل لجميع مكونات المجتمع، وتقديم حزم المساعدات الطارئة، والمشاركة في وضع برامج التنمية المستدامة للتقليل من آثار النزاعات والحد من انعدام الأمن الغذائي، إلى جانب حشد الجهود الإقليمية والدولية لمساندة الخطط الوطنية في إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
ويرى العديد من المسؤولين الأمميين أنه مع التقدم المشجع الذي تحقق في سوريا منذ التحرير أواخر عام 2024، بدأت الاحتياجات في البلاد تتغير، ما يستدعي تحولا في التمويل من الاستجابة الإنسانية إلى دعم برامج التنمية، مع استمرار الحاجة إلى المساعدات الإنسانية خلال الفترة المقبلة.
وأشاروا إلى أن هيكل التمويل الإنساني سيتحول، اعتبارا من العام الجاري، إلى نظام صندوق موحد مقره دمشق، في خطوة تمثل نهاية عمل صندوق سوريا الإنساني العابر للحدود “SCHF”، بعد سنوات من تشغيله من خارج البلاد.
وشهد العام الحالي 2026 تحولا لافتا في ملف المساعدات الإنسانية وآلية إيصالها إلى ملايين الأشخاص الذين يحتاجون إليها، مع إنهاء آلية إدخالها عبر الحدود من تركيا، وتوجيه الجهود نحو التركيز على الشراكة بين سوريا والأمم المتحدة في المرحلة المقبلة.
ودشنت الشراكة بين الطرفين بإطلاق “خطة التعافي والاستجابة الإنسانية” لعام 2026، التي ركزت بدورها على الانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التنمية المستدامة، القائمة على إعادة تأهيل البنية التحتية ودعم عودة النازحين.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين، في 17 آذار الماضي، قرارا يقضي بسحب صفة “الشريك الوطني” من الهلال الأحمر العربي السوري ومنظمة التنمية السورية، مشترطة موافقتها المسبقة على أي مذكرات تفاهم أو اتفاقيات مع المنظمات الدولية خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد هذا الإجراء أن التنسيق مع المنظمات الدولية سيجري حصرا عبر القنوات الرسمية، في إطار سعي الحكومة إلى تنظيم عمل الشراكات الدولية وتعزيز الإشراف على الاتفاقيات الموقعة مع الجهات الخارجية.
مبادرة “سوريا بلا مخيمات”
وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين قد أعلنت، في وقت سابق من هذا العام، أن نحو 16.5 مليون شخص في سوريا لا يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وأطلقت وزارة الخارجية والمغتربين، في مطلع نيسان الماضي، بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإنمائية، بيان أولويات التعافي وخطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في سوريا لعام 2026.
وحددت الخطة أربعة مجالات ذات أهمية وطنية، هي استعادة البنية التحتية الحيوية، واستئناف الخدمات الأساسية، وتعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات العامة، بالتوازي مع إزالة الألغام والمواد المتفجرة ومخلفات الحرب، بحسب وكالة “سانا”.
وجاء إطلاق خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة لعام 2026 في سياق التزام الشركاء الدوليين بالعمل والتشاور والتنسيق مع مؤسسات الدولة، بما يراعي بصورة كاملة سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها واستقلالها.
وجدد مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش، خلال فعالية إطلاق الخطة، تأكيد التزام دمشق بالعمل ضمن شراكة وثيقة واستراتيجية مع الأمم المتحدة ووكالاتها التابعة والمنظمات الدولية والجهات المانحة والمجتمع المدني، لدعم التعافي والتنمية واستعادة الاستقرار وبناء مستقبل أفضل لجميع السوريين.
وأشار إلى أن الأولوية أصبحت لدعم عودة النازحين السوريين إلى ديارهم، وإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمية والمساكن، وفقا لمبادرة “سوريا بلا مخيمات” التي أطلقها السيد الرئيس أحمد الشرع.
من جانبه، أشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر إلى أن أهم ما يميز هذه الخطة المعلنة أنها تطلق للمرة الأولى من داخل سوريا وبالتعاون مع الحكومة السورية.
وأوضح أن الخطة أعدت بالشراكة بين المجتمع الإنساني وشركائه في المجال التنموي، ولا سيما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ما يفتح المجال أمام تطوير شراكات جديدة ومبتكرة.
وأكد أن هذه الخطة تتضمن الالتزام بالمبادئ الإنسانية، وتحقيق الأولويات الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء ملف المخيمات وإزالة الألغام.
وقال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إن زيارة غوتيريش إلى دمشق ولقاءه بكبار المسؤولين السوريين يؤشران إلى اهتمام أممي مؤكد بالملف السوري، وتوجه ملحوظ من هيئة الأمم المتحدة، ممثلة بأمينها العام، نحو إعادة إعمار سوريا والدعم الكامل للوضع السوري الجديد.
وتوقع أن ينتج عن هذا الاهتمام دعم مالي تشجيعي من الدول الكبرى، عبر إقامة المزيد من المشاريع التنموية والإنسانية في البلاد.
وأشار سعدو، في تصريحات لـ”الثورة السورية”، إلى اللقاء الذي وصفه بالمثمر بين الأمين العام للأمم المتحدة والعديد من منظمات المجتمع المدني السورية، التي طالما تعاونت مع هيئة الأمم المتحدة، وتلقت دعما أمميا خلال سنوات الثورة السورية والحرب التي شنها نظام الأسد ضد شعبه على مدى نحو 14 عاما، ودمرت كل شيء في البلاد.
وتوقع أن تكون هناك خطوة دولية جادة وعملية ترعاها الأمم المتحدة نحو إقامة مؤتمر دولي كبير يضم جميع أصدقاء الشعب السوري، يكون هدفه الأساسي العمل على تعافي الوضع السوري وإعادة إعمار سوريا، التي تقدر تكلفتها بما يزيد على 600 مليار دولار.
إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي داخليا وخارجيا
اليوم، وبعد أكثر من عام ونصف العام على تحرير البلاد من النظام الدكتاتوري، يبرز ملف إعادة الإعمار في واجهة النقاش السياسي والاقتصادي داخل البلاد وخارجها.
وتزداد الحاجة يوما بعد يوم إلى إطلاق عملية واسعة لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد، في ظل حجم الدمار المتراكم والانهيار الاقتصادي الممتد لسنوات طويلة، بانتظار الخطوة التالية وتوقيتها.
فهل أصبحت الظروف مواتية لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا، يطلق مشروعا يشبه مشروع مارشال الذي أعاد إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؟ وهل نشهد ذلك خلال عام 2026، أم أن هذا الاستحقاق الكبير والملح ما يزال يحتاج إلى وقت إضافي قبل أن يتحول إلى واقع؟
وتشير العديد من التقديرات إلى أن حجم الدمار في سوريا يتطلب تمويلا هائلا لإعادة البناء، وأن الكلفة تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
وتضع هذه الأرقام البلاد أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في الشرق الأوسط منذ عقود، في وقت تبقى فيه القدرة الذاتية للدولة السورية على تمويل هذه العملية محدودة للغاية.
فالموارد المالية المحلية ضعيفة، والاقتصاد ما يزال يعاني من آثار الانكماش الطويل وتراجع الإنتاج، ما يجعل التمويل الخارجي عنصرا حاسما في أي خطة جدية لإعادة الإعمار.
وشهدت بروكسل، في آذار 2025، مؤتمرا دوليا لدعم سوريا، تعهد خلاله المانحون بتقديم نحو 5.8 مليارات يورو، أي نحو 6.3 مليارات دولار، لدعم التعافي والمساعدات الإنسانية.
وبقيت هذه التعهدات أقل من تعهدات السنوات السابقة، ولم يجر الوفاء إلا بنسبة ضئيلة جدا من هذا المبلغ، بحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، الأمر الذي يعكس تراجع حجم التمويل الدولي المخصص لسوريا مقارنة بحجم الاحتياجات الاقتصادية الضخمة.
وظل المؤتمر، على أهميته، موجها بالدرجة الأولى إلى المساعدات الإنسانية وبرامج الاستقرار، وليس إلى إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة.
كما أعلنت برامج الأمم المتحدة الإنمائية، في وقت سابق من هذا العام، خطة لدعم سوريا بقيمة 1.3 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، لتمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، وبرامج الحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي.
ونوقشت هذه الخطط ضمن اجتماعات المؤسسات المالية الدولية في واشنطن، وتعكس هذه المبادرات توجها دوليا نحو دعم التعافي التدريجي، وما يزال نطاقها بعيدا عن إطلاق برنامج إعمار شامل.
وأشار تقرير للبنك الدولي، في وقت سابق، إلى أن الحرب أدت إلى تراجع عقود من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، إذ تعرضت البنية الاقتصادية للبلاد لانكماش حاد نتيجة تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، وتضرر شبكات النقل والطاقة، وانخفاض مستويات الاستثمار.
وحذر التقرير من أن الاقتصاد السوري قد يحتاج إلى عشرات السنين لاستعادة عافيته.
رؤية اقتصادية طويلة الأمد
ويرى العديد من المراقبين أن تأخر تحول فكرة عقد مؤتمر دولي شامل لإعادة الإعمار في سوريا إلى مبادرة عملية وحقيقية يعود إلى عدة عوامل، منها ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية بكل تفرعاتها.
فالدول المانحة عادة ما تبحث عن قدر من الاستقرار المؤسسي والوضوح القانوني قبل الالتزام بتمويل طويل الأمد، ويشمل ذلك وجود بيئة قانونية واضحة للاستثمار، وآليات رقابة مالية شفافة، ومؤسسات قادرة على إدارة مشاريع ضخمة من دون الوقوع في أزمات إدارية أو مالية.
ويرتبط عامل آخر بالحسابات الدولية نفسها، فالدول الكبرى التي يمكن أن تشكل العمود الفقري لأي مؤتمر للمانحين تمر بدورها بظروف اقتصادية معقدة، تبدأ من التضخم المرتفع في بعض الاقتصادات الغربية، وتمتد إلى الضغوط المالية الناتجة عن أزمات عالمية متلاحقة، ما يجعل الالتزام ببرامج تمويل طويلة الأمد أكثر حساسية سياسيا داخل تلك الدول.
وتأتي طبيعة عملية الإعمار نفسها عاملا ثالثا إلى جانب ما سبق ذكره، إذ تميل بعض الدول والمؤسسات المالية الدولية إلى البدء ببرامج دعم قطاعية محدودة أو مشاريع تنموية تدريجية قبل الانتقال إلى مؤتمر واسع للمانحين، بهدف اختبار البيئة الاقتصادية والمؤسسية في الدولة المعنية.
وبحسب تقرير تحليلي موسع لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، نشر في تشرين الأول 2025 حول مستقبل الإعمار في سوريا، ما تزال النقاشات الدولية حول الاقتصاد السوري تدور في إطار عام، ولا توجد حتى الآن خطة اقتصادية شاملة ومتكاملة لإعادة إعمار البلاد.
ورأى التقرير أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أي مبادرة دولية للإعمار يتمثل في غياب إطار مؤسسي واضح لإدارة عملية إعادة البناء، سواء على مستوى التخطيط الاقتصادي أو إدارة المشاريع التمويلية الضخمة التي قد تتطلبها عملية الإعمار.
وأشار إلى أن نجاح أي عملية إعادة إعمار واسعة يتطلب رؤية اقتصادية طويلة الأمد، تضع أولويات واضحة لإعادة بناء القطاعات الحيوية، وتحدد آليات التمويل والإدارة والرقابة، بدلا من الاعتماد على مشاريع متفرقة قد لا تحقق التأثير الاقتصادي المطلوب.
تدار عن قرب من العاصمة دمشق
ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أن أي نقاش حول عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا يجب أن يفهم في سياق أوسع من مجرد توفير التمويل اللازم لإعادة بناء البنية التحتية.
ويؤكد الخبراء أن التجارب السابقة في العالم تظهر أن المسألة تتعلق، قبل كل شيء، بقدرة الاقتصاد على استيعاب تدفقات مالية ضخمة وتحويلها إلى دورة إنتاجية مستدامة.
ويكمن التحدي الأكبر في الحالة السورية في طبيعة الاقتصاد الذي سيستقبل هذه الاستثمارات، إذ لا تنظر الدول المانحة إلى مؤتمرات الإعمار بوصفها مجرد التزامات مالية، وإنما بوصفها جزءا من عملية اقتصادية أوسع تتعلق بإعادة بناء الثقة في المؤسسات والأسواق.
وعليه، يمكن أن تتحول عملية إعادة الإعمار في سوريا إلى فرصة اقتصادية كبيرة للمنطقة برمتها، إذا جرى تنظيمها ضمن إطار اقتصادي واضح.
فاقتصاد إعادة الإعمار لا يقتصر على إعادة بناء المدن، بل يشمل قطاعات كاملة، تبدأ من البناء، وتمتد إلى الخدمات اللوجستية والطاقة، وصولا إلى القطاع المالي.
وتشكل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى دمشق خطوة مهمة في مسار التعاطي الدولي مع الملف السوري، إذ إن الانتقال الرسمي من نموذج الإغاثة الطارئة والعابرة للحدود إلى شراكة تنموية مستدامة تدار عن قرب من العاصمة دمشق يعيد تموضع سوريا بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وشريكا فاعلا في المنظومة الدولية، بحسب المحللين.
وتحمل مؤشرات الانفتاح السياسي والدعم الأممي في طياتها فرصا غير مسبوقة لبدء مرحلة التعافي الوطني، وتبقى ترجمة ذلك إلى مشروع إعمار شامل على غرار “مشروع مارشال” مرهونة بقدرة الدولة السورية على استكمال بناء أطرها المؤسسية، ومدى جاهزية المجتمع الدولي لتجاوز حساباته السياسية والوفاء بالتزاماته المالية.
ويضمن ذلك تحويل تمويل الإعمار من المساعدات المشروطة إلى استثمار استراتيجي يخدم استقرار المنطقة برمتها.
المصدر: الثورة السورية






