بعد خمس سنوات على انقلاب قيس سعيّد

عمر كوش

   

مرّت خمس سنوات على انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، الذي تجسّد بمجموعة من الإجراءات الاستثنائية، عبر تفعيل الفصل الـ80 من دستور تونس 2014، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن جميع نوابه، ثم إجرائه تغييراً جذرياً في النظام السياسي بتحويله إلى نظام رئاسي، بعد تغيير دستور 2014، ووضع دستور جديد في 2022.

شهدت الحياة السياسية في تونس، منذ عام 2023، موجات متتالية من الملاحقات والمحاكمات التي شملت شخصيات سياسية بارزة، وقضاة، ونشطاء، وإعلاميين معارضين توجهات سعيّد، وذلك بعد إخضاع القضاء التونسي لسلطته، وباتت المحاكمات وسيلة لزجّ المعارضين والناشطين والصحافيين في السجون. وترافق هذا كله مع تقليص فضاءات التعبير والحرّيات السياسية، وإحباط فعاليات مبادرات اجتماعية وثقافية، فيما تردّت الأحوال المعيشية لمعظم التوانسة، مع ارتفاع معدّلات التضخم والأسعار وزيادة نسب البطالة ونقص المواد، وصولاً إلى تردّي الخدمات، الذي جعل التوانسة يعيشون في ظلامٍ دامس مع الانقطاعات المتواصلة في الكهرباء والماء، في ظل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، واستمرار اندلاع الحرائق الكارثية، وعجز سلطات الدولة عن تأديتها مهامّها المطلوبة منها، بالتزامن مع غياب المسؤولين التوانسة الذين يفترض بهم التعامل مع الأزمات وإدارتها، ما جعل مواقع التواصل الاجتماعي مصدراً شبه حصري للأخبار وللشائعات كذلك، حيث انتشرت فيها اخبار وشائعات عن مرض قيس سعيّد، بل وفاته، فاضطر إلى ظهور علني في مشهد لم ينه الغموض المتكرّر له هرباً من مواجهة عموم التوانسة. وبالتالي، لم يقطع ظهوره أسئلتهم بشأن من يتحكم في البلاد ويدفعها نحو تفاقم الأزمات. فلم يجدوا سوى التعبير عن ازدياد غضبهم وسخطهم من السلطة، والنزول إلى الشوارع والمشاركة في التظاهرة الاحتجاجية التي دعت إليها قوى تونسية معارضة تحت شعار “يزي من العبث” (كفى عبثاً).

بشكلٍ لا لبس فيه، تفيد أي جردة حساب للسنوات الخمس التي انقضت بعد اتخاذ سعيّد إجراءاته الاستثنائية بأنه استغلّ منصبه للإجهاز على ما كان قائماً من تقاليد ديمقراطية، وتحوّل إلى حاكم سلطاني مستبد. ولعل التأييد الشعبي الكبير الذي استقبلت به إجراءاته، في البداية، كان ناتجاً من سخط واسع حيال النظام الذي ساد بعد هروب زين العابدين بن علي، وأفضى إلى توزيع السلطة بين ثلاث رئاسات: الجمهورية والبرلمان والحكومة، وكانت الغاية من توزيعٍ كهذا الحصول على توافق ضروري في ممارسة الحكم التونسي، لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال، لكونها انتهت إلى أزمةٍ بين رأسي السلطتين، التنفيذية والتشريعية، تجسّدت في شلّ عمل الدولة وتعطيل مؤسّساتها.

تردّت الأحوال المعيشية لمعظم التوانسة، مع ارتفاع معدّلات التضخم والأسعار وزيادة نسب البطالة ونقص المواد، وصولاً إلى تردّي الخدمات

كانت الأنظار تتجه نحو المؤسّسة العسكرية التونسية، التي تقدّم نفسها عادة، مؤسّسة محايدة ملتزمة قوانين الدولة والعقيدة العسكرية، وأنها فوق السجالات والخلافات السياسية، لكن المعارضة التونسية أخذت عليها إحجامها عن حماية دستور عام 2014 الذي صدر في فترة الانتقال الديمقراطي، وعدم التدخل ضد إجراءات سعيّد التي قضت بتجميد أعمال برلمان منتخب، وإعلان تدابير استثنائية وحل هيئات دستورية لاحقاً. في المقابل، نفذ عسكريون برفقة دبابات عسكرية أمر الرئيس التونسي بإغلاق مكتب رئيس الوزراء هشام المشيشي، ومكاتب أعضاء مجلس النواب، ومنعهم من دخوله. وقد ظهر الجيش بوصفه الداعم لجهود سلطة سعيّد، ولعب أدواراً مختلفة وغير مألوفة عن أدواره التقليدية، ومنها تأمينه الدعم اللوجيستي للانتخابات البرلمانية في عام 2022 والرئاسية في 2024.

كان عامة التوانسة ينظرون إلى البرلمان الذي كانت تسيطر عليه حركة النهضة مكاناً لعقد صفقات مشبوهة بين الأحزاب، ولحماية أعضائه من المحاسبة والملاحقات القانونية، ومرتعاً للصراعات الهزلية والمماحكات التي لا تنتهي. وجاء التأييد الشعبي لحلّه، ليس تأييداً لمشروع سعيّد الناقم على الديمقراطية، بل تعبيراً عن رفض عميق لسيطرة حركة النهضة الإسلامية عليه، فضلاً عن رفضهم مسار ما بعد هروب بن علي، الذي لم يجلب إليهم سوى مزيد من تدهور أوضاعهم المعيشية، واتساع الفجوة بين أوضاعهم وأوضاع من يمثلونهم. فضلاً عن خيبة آمالٍ علقها أغلب التوانسة على الديمقراطية في تخفيف معاناتهم، فيما استفحل الفساد والمحسوبية، وتعمّق مدى انعدام الثقة في الدولة.

أطلق قيس سعيّد وعوداً كثيرة لتسويق مشروعه الشعبوي الكاره للنخب وللتجربة البرلمانية الحزبية، لمصلحة القاعدية الشعبوية، التي بدأ بتنفيذها، في البداية، بتجميد عمل البرلمان، ثم إعلان حلّه بعد ثمانية أشهر، وبعدها أصدر مرسوماً قضى بتعديل القانون الانتخابي لعام 2014، ونهض القانون الانتخابي الجديد لمجلس النواب على نظام الاقتراع على الافراد، وإلغاء الاقتراع على الانتماء الحزبي للمترشح، بغرض ضرب دور الأحزاب.

تحويل الهيئات المستقلة إلى مجرّد ذراع تنفيذية لسلطة الرئاسة، وتقتصر وظيفتها في تمرير سياساتها وأوامرها وتعليماتها

يمكن تلخيص ما أراده قيس سعيّد في شعار “الشعب يريد” الذي تبناه، من دون تحديد من هو الشعب الذي يريد. وطرحه من أجل ذلك رؤية متكاملة حول طريقة تحقيق تلك الإرادة، من خلال إيجاد تأسيس جديد مختلف، يعيد فيه تشكيل وتجسيد ما يريده الشعب، ابتداءً من البناء القاعدي في مجالس محلية، يكون من يُنتخب إليها أفراداً، بعد أن تتم تزكيتهم من قبل عدد من الناخبين، على أساس البرنامج الذي يتقدم به ذلك الفرد المرشح، ويختص المجلس بوضع خطّته للتنمية المحلية. ويختار ممثله أو ممثليه إلى المستوى الجهوي في الولايات من طريق القرعة، وبالتداول، لمنع الفساد وسدّ الأبواب عليه.

تُذكّر خطة تجسيد إرادة الشعب لدى سعيّد بخطة “الكتاب الأخضر” لمعمّر القذافي، التي أعلن على أساسه “قيام سلطة الشعب”، وكذلك انتخاب “المؤتمرات الشعبية”، ومن ثم “اللجان الشعبية”، وصولاً إلى “المؤتمر الشعبي العام”. وكان القذافي يعتقد أنه اجترح “النظرية الثالثة” غير المسبوقة في العالم. وعلى الشاكلة نفسها، اعتقد سعيّد أن ما قام به أدخل تونس “في مرحلة جديدة في التاريخ”.

تفيد معطيات كثيرة بأن ممارسات سعيّد وإجراءاته، منذ خمس سنوات، تهدف إلى قتل السياسة، وضرب الممكن السياسي على مختلف المستويات، من خلال اغتيال الممارسات الديمقراطية، التي بدأت بالنمو بعد أن أنهت الثورة التونسية حكم بن علي، كي يغلق الباب نهائياً أمام ممكنات التغيير السياسي من خلال صناديق الاقتراع، بالتزامن مع استكمال عملية احتكار القرار، وتحويل الهيئات المستقلة إلى مجرّد ذراع تنفيذية لسلطة الرئاسة، وتقتصر وظيفتها في تمرير سياساتها وأوامرها وتعليماتها. وامتدت معاركه إلى القضاء، حيث جرّد المحكمة الإدارية من صلاحياتها بالفصل في النزاعات الانتخابية، ومنحها لمحكمة الاستئناف، وجاء ذلك استكمالاً لمعركة التحرير الرئاسية مع القضاء التونسي، التي أدت إلى حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وعزل عشرات القضاة من مناصبهم. ويتماشى كل ذلك مع منطق الاستفراد بالسلطة، الذي باتت تنهض عليه فلسفة الحكم في تونس. ولكن الفشل عنوان مشروع سعيّد الشعبوي الاستبدادي، الذي أفضى إلى أزمة، جسّدها تدهور الأوضاع في تونس، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على المستويين، الاقتصادي والاجتماعي، وتأثّرت بها معيشة التونسيين كثيراً، حيث دخلت الأزمة السياسية والاقتصادية مرحلة جديدة من التفاقم، مع ظهور أعراض على مرافق البلاد وخدماتها تدلّ على فشل الدولة التونسية، التي أصبحت في وضع إفلاسٍ حقيقي، تجسّد في عجزها عن تأمين مستلزمات حياة عامة الناس المعيشية من ماء وكهرباء. ولعل انفجار الأزمة يعود إلى التمويلات العربية التي يتلقاها وإمدادت الغاز الجزائري، واستمرار الاستدانة من صندوق النقد الدولي وغيره.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى