
انشغال ترامب في الحرب الإيرانية ساهم، بلا شك، في تأجيل اهتمامه بالحرب الروسية على أوكرانيا، التي وعد بإنهائها في 24 ساعة. ولم يقتصر الأمر على ترامب، فالحرب الإيرانية شغلت وتشغل المنطقة وإعلامها عن الحرب الأوكرانية، وجعلها تبدو كأنها حدث منسي. مع العلم أنها لا تزال مشتعلة منذ أربع سنوات ونيف في أوروبا، التي عرفت حربين عالميتين، وتحمل في طياتها مخاطر على الأمن والسلم العالميين، لا تقل عن تلك التي تحملها الحرب الإيرانية.
منذ الجولة الأولى للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في حزيران من العام الماضي حتى منتصف حزيران العام الحالي، لم يطرأ على جبهة الحرب الأوكرانية تطور يذكر. وكانت الحرب في هذه الفترة حرب مواقع تسجل فيها القوات الروسية تقدماً لا يذكر على جبهات بعض المدن الأوكرانية المحتلة. لكن العاصمة كييف وبقية المدن الأوكرانية تتعرض لحملات قصف روسي عنيف، يشارك فيه الطيران الحربي الروسي والمسيّرات، ويستهدف البنى التحية المدنية والسكان المدنيين.
ومع حلول منتصف الشهر الماضي، فاجأت أوكرانيا روسيا والجميع بشن غارات في العمق الروسي على بعد آلاف الكيلومترات، استهدف مواقع تكرير النفط ومحطات توزيعه، مما خلق أزمة وقود جعلت الروس يقفون صفوفاً طويلة للتزود بالمادة. ولم تنجُ موسكو والمدن الروسية الكبرى من محنة الانتظار أمام محطات الوقود، الذي طال أحياناً لعشرات الساعات، لم تتكلل دائماً بالنجاح في الحصول على الوقود. ولا يزال فضاء الإنترنت الروسي يفيض بمقاطع الفيديو التي تصور طوابير السيارات لعدة كيلومترات أمام محطات الوقود. واللافت، وعلى غير عادة الروس، أن ناشري شرائط الفيديو لم يكونوا يتفوهون بأي شتيمة، وهم الذين لا يترددون في توزيع أقزع الشتائم (من الزنار ونازل) حتى لو تأخرت الزوجة في فتح باب المنزل بضع ثوانٍ بعد قرعه. وامتناع الروس عن لغة الشتائم المعتادة في يومياتهم، لا يجد تفسيره إلا في الجو الأمني المطبق على صدورهم، الذي تفرضه الأجهزة الأمنية الروسية منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا. والحقيقة أن الجو الأمني هذا قد فرضه نظام بوتين منذ العام 2012، وتشدد في تطبيقه بعد حربه على أوكرانيا.
لا يخفي الأوكران أن إثارة غضب الروس من الحرب المستمرة منذ العام 2014، التي تكللت بالغزو الشامل شتاء العام 2022، كان أحد أهدافهم الرئيسة. فالحرب بالنسبة للروس العاديين، خصوصاً في موسكو والمدن الكبرى، تدور في مكان ما بعيد، ورفوف المحال التجارية تنوء بالسلع المصنعة محلياً أو “البديلة عن المستوردة” التي ينتجها الفرع الصناعي المتخصّص بإنتاج السلع التي تحظر استيرادها العقوبات التي فرضت على روسيا إثر عدوانها على أوكرانيا. لكن الأوكران، وحتى الأمس القريب، فشلوا في جعل الروس يشعرون بالحرب الدائرة مع البلد “الشقيق” المجاور، على الرغم من أن عدد القتلى الروس أصبح بمئات الآلاف، لكن معظمهم من المناطق الروسية النائية، وليس من الحواضر الكبيرة. ولذلك، تعتمد أوكرانيا تعبير “حرب روسيا على أوكرانيا”، وليس حرب بوتين ونظامه عليها. وقد تنجح الهجمات على البنية التحتية لتوزيع الوقود في تحريك الشارع الروسي للاحتجاج على الحرب المتواصلة منذ سنوات، في حال أضيف إليها المزيد من تدهور الاقتصاد الروسي. وقد تعطي صورة عن مدى تدهور هذا الاقتصاد وتردي أحوال الروس المعيشية، ما ذكر منذ أيام عن مسعى حاكم إحدى مدن الأورال لاستئجار عمال نظافة من كوريا الشمالية. لكن هؤلاء رفضوا الأجور التي عرضت عليهم. ويتولى تنظيف شوارع المدينة الآن عمال من إحدى الدول الإفريقية.
كان من حسن حظ أوكرانيا ان ترامب انشغل بالحرب الإيرانية، إذ يشير اللقاءان الأخيران بين ترامب وزيلنسكي في قمة السبعة الكبار G7 في فرنسا وقمة الناتو في تركيا، إلى تبدل كبير في موقف ترامب من أوكرانيا.
موقع sova الناطق بالروسية والتابع لمجموعة دويتشه فيله الألمانية DW نشر في 10 الجاري نصاً قال فيه إن ترامب صرح في قمة الناتو في تركيا بأنه سيمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ باتريوت، وأنه قد يدرس إمكانية إغلاق الأجواء الأوكرانية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة والطيران الروسي. وأضاف بأنه يعتبر الضربات الأوكرانية التي تستهدف منشآت الوقود والطاقة الروسية مفيدةً لإنهاء الحرب، كما أعلن عقب محادثته مع زيلينسكي، أنه يعتزم الاتصال بفلاديمير بوتين في المستقبل القريب. لكن موسكو اكتفت بالرد على التصريح الأخير، إذ سارعت إلى إبداء موافقتها على إجراء الاتصال.غير أن الاتصال لم يتم، ما وضع الكرملين في موقف محرج، وهو ما يبدو أنه يثير استياءً واضحًا لدى السلطات الروسية.
يرى الموقع أن اللقاء في أنقرة أسفر عن نتائج مهمة، تمثلت في تحول جذري في سياسة إدارة ترامب تجاه روسيا. وبطبيعة الحال، فبعد قمة مجموعة السبع التي دُعي إليها أيضًا الرئيس الأوكراني زيلينسكي، أكد عدد من القادة الذين تحدثوا مع الرئيس الأميركي أن موقفه قد تغيّر، وأنه بات يرى ضرورة زيادة الضغط على موسكو. وبحسب هؤلاء، فقد تبدلت موازين القوى، وأصبح الموقف الأضعف هو موقف الجيش الروسي أكثر من الجيش الأوكراني.
موقع nashniva البيلوروسي المعارض لـِ “الديكتاتور الصغير” ألكسندر لوكاشنكو نشر في 15 الشهر المنصرم نصاً عنونه بالقول “من ينتهي أولاً: الحرب أم بوتين؟ توقعات المحللين الغربيين”.
نقل الموقع عن صحيفة Times البريطانية وصفها الوضع على جبهة الحرب بأنه مستنقع دموي بالنسبة للجيش الروسي. وحسب صحافيين روس مستقلين وتقديرات أجهزة استخبارات غربية، قد تصل خسائر الجيش الروسي إلى 225 – 500 ألف قتيل، في حين أن الكرملين لا يكشف رسميًا عن بيانات خسائره البشرية. ويضيف الصحافيون أن بوتين يعبرعن ثقته في تحقيق النصر، ويرفض أي أفكار تقوم على التسوية أو الحلول الوسط. فقد سبق أن رفض اقتراح الرئيس الأوكراني زيلينسكي عقد لقاء شخصي لبحث سبل إنهاء الحرب.
لكن الحرب باتت تتمدد بصورة متزايدة إلى الأراضي الروسية، إذ تشنّ الطائرات المسيّرة الأوكرانية هجمات على أهداف في عمق روسيا، وتواصل كييف توسيع قدراتها على تنفيذ ضربات أبعد مدى. وترى صحيفة التايمز أن هذا تحديدًا قد أصبح أحد التحديات الجديدة التي تواجه موسكو. ومن أحدث الأمثلة على ذلك، الضربات التي استهدفت مواقع قرب سانت بطرسبورغ خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي، الذي دأب الكرملين على استغلاله لإبراز صورة الاستقرار. وخلال تلك الفترة، حلّقت طائرات مسيّرة أوكرانية فوق المدينة، بينما حاولت قوات الحرس الوطني الروسي إسقاطها باستخدام الأسلحة الخفيفة.
نقلت التايمز عن المحلل العسكري الألماني فابيان هينتس (Fabian Hinz) قوله إن بعض الخبراء يذهبون إلى حدّ الاعتقاد بأن كييف ربما أصبحت بالفعل تتفوق على روسيا في عدد الطائرات المسيّرة بعيدة المدى التي تطلقها شهريًا.
المحلل في المعهد الدولي للأبحاث الإستراتيجية روبن ستيوارت (Ruben Stewart) رأى أنه لا يزال مبكراً الحديث عن نقطة تحول في الحرب، وإن كانت خسائر روسيا كبيرة بالفعل.
نقلت الصحيفة عن الباحث البريطاني في المعهد عينه نايجل جولد-ديفيز (Nigel Gould-Davies) قوله عن انخفاض الموارد البشرية التي تعاني منها روسيا رغم المبالغ الكبيرة التي تقترحها لتجنيد الكادرات العسكرية الجديدة، إن الإنفاق الكبير يظهر أن “الروبل لايحارب”.
المصدر: المدن






