الهجرة استفتاءً صامتاً: بين اليأس الاجتماعي والتوظيف السياسي

سلام الكواكبي

في مشهد يكاد يكون مقتطعاً من أحد أفلام الكوميديا السوداء الإيطالية، أظهرت تسجيلات مصوّرة تحضيرات احتفال رسمي تحيط به الزينة والشرطة ومظاهر البذخ، فيما كانت الصورة المقابلة تكشف آلاف الشباب المتجهين نحو شمال المغرب أملاً في بلوغ سبتة في إسبانيا. صورتان متناقضتان تتجاوران في المكان والزمان نفسيهما: سلطة تحتفي بالاستقرار والنجاح، وشباب يصوّتون بأقدامهم ضد واقعهم اليومي ويبحثون عن مستقبل يرونه خارج حدود وطنهم.

وخلال أيام قليلة تحوّلت المنطقة إلى مسرح لأكبر محاولات العبور الجماعي منذ سنوات. وتفيد المعطيات المتداولة بأن أكثر من 50 ألف شخص دخلوا الأراضي الإسبانية، فيما أعلنت مدريد أنها أعادت نحو 48 ألفاً منهم. كذلك لقي عشرات مصرعهم غرقاً، بينما أُنقذ مئاتٌ ممن خاطروا بحياتهم مستخدمين وسائل بدائية. وكان معظم المشاركين من المغاربة، إلى جانب مهاجرين أفارقة اتخذوا من المغرب بلد عبور في طريقهم إلى أوروبا.

منذ اللحظات الأولى للأحداث، انقسمت التفسيرات بين من رأى فيها انفجاراً اجتماعياً ناجماً عن الفقر والبطالة وانسداد الآفاق، ومن اعتبرها عملية سياسية تحمل رسائل تتجاوز حدود المغرب وإسبانيا. والحقيقة أن ما جرى لا يمكن فهمه من خلال أيٍّ من التفسيرين منفرداً. فملف الهجرة لم يعد مجرد قضية إنسانية أو اجتماعية، بل تحوّل إلى أحد أهم عناصر القوة في العلاقات الدولية. والدول التي تتحكّم بممرّات الهجرة باتت تمتلك ورقة تفاوضية لا تقل أهمية عن أوراق الطاقة أو الأمن أو التجارة. والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي بين أفريقيا وأوروبا، يدرك تماماً قيمة هذه الورقة. وليس سرّاً أن الرباط استخدمت في مناسبات مختلفة قدرتها على ضبط تدفقات الهجرة لتعزيز موقعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي. كذلك إن اتفاق التعاون الأمني مع مدريد عام 2022، بعد أحداث مشابهة في 2021، أكد أن ملف الهجرة أصبح جزءاً من منظومة تفاوض أوسع تشمل الأمن والتعاون الاقتصادي وقضية الصحراء الغربية.

لذلك لا يمكن تجاهل التحليلات الأوروبية عن توظيف سياسي للهجرة، فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي استُخدم فيها اللاجئون والمهاجرون ورقة ضغط بين الدول. وما يبدو أحياناً أقرب إلى نظرية مؤامرة قد يكون، في جانب منه، توصيفاً لسياسات واقعية تمارسها الدول عندما تكتشف أن لديها وسيلة فعالة للتأثير بجيرانها. بل إن بعض قراءات يسارية أوروبية ذهبت إلى أبعد، معتبرة أن تفجير ملف الهجرة يخدم بصورة مباشرة القوى اليمينية الصاعدة في أوروبا، فالحكومة الإسبانية اليسارية تتعرّض لضغط متزايد كلما ارتفعت أعداد الوافدين، فيما يستثمر اليمين المتطرّف هذه المشاهد لتغذية خطاب الخوف والهويات المغلقة. وفي عالم يشهد تقارباً بين التيارات القومية والمحافظة عبر ضفتي الأطلسي، لا يبدو مستحيلاً أن تنظر بعض القوى الدولية إلى ملف الهجرة باعتباره أداة للتأثير في التوازنات السياسية داخل أوروبا. ولكن هذه القراءة تصبح قاصرة عندما تتحوّل إلى تفسير وحيد للأحداث، فالدول تستطيع استغلال الأزمات، لكنها لا تستطيع اختراعها من العدم. والسلطات قد تفتح الصنبور أو تغلقه، لكنها لا تستطيع إيجاد عشرات آلاف من الراغبين في الهجرة إذا لم يكونوا موجودين أصلاً.

حين يفقد المواطن ثقته بقدرة الاقتصاد على تأمين حياة كريمة، وبقدرة السياسة على إحداث التغيير، يصبح الرحيل شكلاً من أشكال التصويت

وهنا المعضلة الأساسية، فالذين اندفعوا نحو سبتة ليسوا مجرّد أدوات في لعبة جيوسياسية، بل شباب يعيشون أزمة عميقة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية. وتفيد المعطيات الاقتصادية بأن البطالة بين من هم دون الخامسة والعشرين تقترب من 29%. لكن المشكلة لا تختزل في الأرقام، فهناك شعور واسع لدى فئات كبيرة من الشباب بأن فرص الصعود الاجتماعي تتقلص، وأن الجهد الفردي لم يعد كافياً لتغيير المصير الشخصي.

ولعل الخطأ الأكبر اختزال دوافع الهجرة في العامل الاقتصادي وحده، فالفقر لا يفسّر كل شيء. ولو كان الأمر كذلك، لما خاطر آلاف الشباب بحياتهم من أجل مستقبل مجهول. ما يدفعهم، في أحيانٍ كثيرة، ليس الجوع فقط، بل فقدان الأمل. وهنا يبرز البعد السياسي الداخلي الذي نادراً ما يحظى بالاهتمام الكافي، فالهجرة، في جزء منها، تعبير عن أزمة ديمقراطية ومواطنة، فكثيرون من شباب الجنوب لا يشعرون فقط بأنهم محرومون فرصَ العمل، بل بأنهم مستبعدون من المشاركة الحقيقية في رسم مستقبل بلدانهم. وعندما تضعف الثقة بالمؤسّسات وتتراجع فعالية التمثيل السياسي وتغيب آليات المحاسبة، يصبح الشعور بالعجز الجماعي جزءاً من الحياة اليومية. وعندها لا تعود الهجرة مجرّد بحثٍ عن دخل أفضل، بل بحثاً عن فضاء يشعر فيه الفرد بأنه يمتلك حقوقاً وفرصاً وقدرة على التأثير في مصيره.

المفارقة أن أوروبا نفسها ليست بريئة من هذه المعادلة. فمنذ عقود فضلت عواصم أوروبية عديدة التعامل مع أنظمة قادرة على ضبط الحدود ومنع تدفقات المهاجرين على دعم إصلاحات سياسية حقيقية في دول الجنوب. وكانت الرسالة الضمنية واضحة: الاستقرار أولاً، والديمقراطية لاحقاً. غير أن هذا الخيار ساهم مع الوقت في إنتاج مجتمعاتٍ أكثر هشاشة وأجيال أكثر إحباطاً.

لم يعد البحر المتوسط يفصل بين عالمين مختلفين في مستوى الدخل فحسب، بل بين عالمين مختلفين في مقدار الأمل

يكشف ما حدث في سبتة عن التقاء ثلاث أزمات في لحظة واحدة: أزمة اجتماعية واقتصادية تدفع الشباب إلى المغادرة، وأزمة ديمقراطية تجعلهم يفقدون الثقة بإمكان بناء مستقبلهم داخل أوطانهم، وأزمة جيوسياسية تحول البشر إلى أوراق تفاوض وأدوات ضغط في العلاقات الدولية. ولهذا اختزال المشهد في نظرية مؤامرة خالصة خطأ، تماماً كما أن اختزاله في الفقر والبطالة وحدهما خطأ آخر.

في هذا المعنى، تبدو الهجرة الجماعية التي يشهدها جنوب المتوسط أقرب إلى استفتاء صامت على أوضاع قائمة منها إلى مجرد ظاهرة ديمغرافية أو أمنية. فحين يفقد المواطن ثقته بقدرة الاقتصاد على تأمين حياة كريمة، وبقدرة السياسة على إحداث التغيير، يصبح الرحيل شكلاً من أشكال التصويت. وحين يعجز عن إيصال صوته عبر مؤسسات المشاركة العامة، يبحث عن وسيلة أخرى للتعبير عن موقفه من الواقع.

لم يعد البحر المتوسط يفصل بين عالمين مختلفين في مستوى الدخل فحسب، بل بين عالمين مختلفين في مقدار الأمل. وما لم تنجح دول الجنوب في استعادة ثقة مواطنيها عبر التنمية والعدالة والمشاركة السياسية، وما لم تكفّ دول الشمال عن التعامل مع الاستقرار الأمني بوصفه بديلاً للإصلاح الحقيقي، ستظلّ قوارب الهجرة تمخر هذا البحر جيلاً بعد جيل. فالهجرة، في نهاية المطاف، ليست فقط حركة بشر تبحث عن الخبز، بل لغة سياسية واجتماعية يلجأ إليها من يشعرون بأن كل اللغات الأخرى لم تعد تُسمع.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى