عن حملات ترحيل السوريين من مصر: ملاحظات ومحاولة للفهم

عبد الرحيم خليفة

الحملة الأمنية الشعواء ضد السوريين الموجودين على أراضي جمهورية مصر العربية، من حاملي حق الإقامة الرسمية، والمخالفين، وطالبي اللجوء عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، تثير كثيراً من الأسئلة في توقيتها وعن مقاصدها الحقيقية وغاياتها.
بداية ليس في تقاليد جمهورية مصر العربية، أو تاريخها، ترحيلٌ إجباري للوافدين أو اللاجئين إلى أراضيها، كما أنه لم تسجل عليها أن تورطت بحملات كراهية أو اضطهاد، أو تمييز، للمقيمين في كنفها من جنسيات مختلفة، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد عرفت مصر بحسن استقبال كلِّ من أتوا للإقامة فيها، وإكرامهم، وتوفير كافة الفرص والسبل لعيشهم بشكل كريم ولائق، وهي البلد التي قال الله سبحانه وتعالى فيها وعنها (ادخلوها بسلام آمنين) وترفع ذلك شعاراً تعتز وتفتخر به.
في تاريخ الهجرات إلى مصر تعتبر الجالية السورية، أو القادمين من بلاد الشام (سورية، لبنان، فلسطين) أقدم الجاليات في جمهورية مصر العربية إذ يعود وجود هؤلاء إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، الماضي، وهم أكبر الجاليات التي عاشت واندمجت بالمجتمع المصري، وأصبحت جزءاً منه، وساهمت بنهضة مصر وتقدمها، في مجالات الصحافة والطباعة والفن والصناعة، هذا طبعاً عدا عن الجاليات اليونانية والإيطالية والأرمنية.
إضافة إلى ذلك، هناك سوريون كثر قدموا إلى مصر في زمن الوحدة المصرية_ السورية (1958_ 1961) ولم يعودوا إلى وطنهم سورية بعد الانفصال، واليوم أحفادهم وأبناؤهم جزء من النسيج المجتمعي العام.
ولو شئنا العودة إلى التاريخ، قليلاً، فكلنا يعلم أن طموح محمد علي باشا كان من خلال حملاته العديدة يهدف إلى الوصول إلى الشام (سورية)،1831_ 1840، لإيمانه العميق بأهمية الشام ودورها بالنسبة إلى مصر على مستوى الأمن والاقتصاد وغيرهما من القضايا الحيوية.
السياسة التمييزية ضد السوريين في مصر هذه الأيام لها أبعاد سياسية لا تخفى على أحد تتعلق بالموقف الرسمي العام المتردد حتى الآن في التعامل مع الإدارة السورية الجديدة بحكم مرجعيتها الثقافية وفكرها الديني، وتجربتها التي من خلالها وصلت إلى حكم سورية، والأمر لا يخرج عن نطاق الضغط السياسي، على الأقل في أحد أبعاده، ولو لم يكن الأمر كذلك وكان فقط لأسباب أمنية أو قانونية أو اجتماعية، يمكن تفهمها، لكان معالجته ربما بطرق مختلفة أكثر إنسانية ودبلوماسية، وحتى بعلم الدولة السورية والتنسيق معها وفق المتغيرات الحاصلة اليوم.
يسقط المصريون، حكومةً ونخباً، تجربتهم السيئة مع حكم الإخوان المسلمين، كما يقولون، زمن الرئيس المغدور محمد مرسي على كل تجربة أو فكر من ذات الطبيعة، دون تمييز بين سياقات كل تجربة، والعوامل التي أدت إلى الفشل هناك والنجاح هنا، إضافة إلى المنابع والمشارب الايديولوجية المتمايزة والمختلفة بين كلِّ مجموعة أو اتجاه.
في جمهورية مصر العربية حوالي مليون ونصف المليون سوري كما تشير التقديرات غير الرسمية، منهم فقط حوالي 140 ألفاً تحت حماية الأمم المتحدة كلاجئين أو طالبي لجوء، ويعدون ثاني أكبر نسبة للاجئين إلى مصر بعد السودانيين، وهم من ضمن مواطني أكثر من 60 دولة لهم لاجئون على أراضي مصر الواسعة (أكثر من مليون كيلو متر مربع وحوالي 110 مليون نسمة).
الحملة لها أبعاد عديدة، ولكنها بلا شك في توقيتها تعتبر أحد أشكال مناكفة الدولة السورية، وهناك أبعاد أخرى أمنية تتعلق بمخاوف الدولة المصرية العميقة من وجود مئات الآلاف من السوريين الذين لا يحملون الإقامات القانونية ووفدوا بظروف سياسية مختلفة، أو عبر سياسات الرشى والفساد المستشري في أجهزة الدولة المصرية، وربما هناك، أيضاً، سببٌ آخر للحملة يتعلق بالحملات على نجاحات السوريين الاقتصادية وتنامي ظاهرة العداء لهم وتسيدهم بعض القطاعات، دون منافس، كالنسيج وخدمات الطعام السريع.
حظي السوريون خلال سنوات ما قبل سقوط نظام الأسد بمعاملة ممتازة ولم يتعرضوا لأي مضايقات تذكر بالقياس إلى دول أخرى لجأوا إليها في الإقليم.
ممارسات الدولة المصرية اليوم تُصغّر من حجم مصر العملاق، وتقزمه كثيراً، وتظهرها دولة خائفة مرتعدة مترددة لا تثق بنفسها، وهو ما يعكس نفسه في اضمحلال دورها على مستوى المنطقة، وتخليها عن واجباتها باعتبارها (عبقرية الزمان والمكان) كما وصفها المفكر الكبير، الراحل جمال حمدان.
في مواقف محدودة داعمة للدولة السورية صدر عن الدولة المصرية ما يؤكد على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة عليها، ولا شك أن هذا موقف إيجابي ينطلق من ثوابت الحرص على الأمن القومي العربي، ولكنها قرنت موقفها بضرورة الانفتاح والحوار مع كافة المكونات المجتمعية، في سياق يبدو مشروطاً ومتفهماً لقوات سورية الديمقراطية (قسد) التي افتتحت مكتباً لها قبل سنوات في القاهرة.!!
على كل حال من الضرورة بمكان أن تقوم الدولة السورية بالبناء الايجابي على موقف الدولة المصرية ومحاولة كسر الجليد في علاقات البلدين خصوصاً بعد تعيين قائماً جديداً بالأعمال في سفارة الجمهورية العربية السورية، والرغبة في طي صفحة الماضي وإقامة أوثق العلاقات بين البلدين والشعبين.
ما يؤسف له بهذه الحملة التي تفتقد للمعايير الأخلاقية والإنسانية والقانونية في جانب منها هو موقف النخبة المصرية وصمتها وتبعيتها للدولة المصرية، حيث لم يسمع لها أي رأي أو صوت أو دور، على عكس ماضيها المشرف ودورها الريادي، ما يشير إلى جانب من أزمة أعمق وأكبر في تخلي النخبة المصرية عن فعاليتها الوطنية المؤثرة، وغياب الهامش الذي يفصلها عن السلطة، والذي كانت تتمتع به على مر العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى