
لم يكن لبنان خارج أطماع الحركة الصهيونية. وقد شارك لبنان المستقلّ حديثاً (1943) في حرب 1948، حين أدركت الدولة اللبنانية أن لبنان كان منذ لحظة تأسيسه، وبحكم موقعه على تخوم مشروع استيطاني توسّعي، جزءاً من ساحة صراع لا يتوقّف عند حدود فلسطين. لم تكن المشاركة اللبنانية (المحدودة) في سياق استراتيجية هجومية بقدر ما هدفت إلى حماية الحدود الشمالية. كانت معركة المالكية (مايو/ أيار 1948) استثناءً، قادها قائد الجيش اللبناني فؤاد شهاب بالتنسيق مع قائد جيش الإنقاذ فوزي القاوقجي (ولد في طرابلس)، فطردت القوات الإسرائيلية من القرية اللبنانية الشيعية التي أُلحقت بقضاء صفد في 1923. بعد أيّام قليلة، احتلّت القوات الإسرائيلية القرية مجدّداً، لتبقى الأمور هناك كرّاً وفرّاً. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1948، شنّت قوات الاحتلال عملية حيرام، فاحتلت الجليل كلّه، ومعه قرى لبنانية شيعية شكّلت شريطاً حدودياً جنوبي لبنان (المالكية وحولا ومركبا وعديسة وكفر كلا وميس الجبل وبليدا وعيترون…)، قبل أن تنسحب منها بموجب اتفاق 1949.
في السنوات اللاحقة، تشدّدت الدولة اللبنانية في احتكار السلاح، وحظرت أيّ عمل مسلّح انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. استمرّت إسرائيل في خرق وقف إطلاق النار، وإن لم تسعَ في حينه إلى ضمّ لبنان دولةً، فإنها حاولت السيطرة عليه أمنياً وسياسياً ومائياً، ولم يتحوّل الجنوب اللبناني قاعدةً للعمل المقاوم للاحتلال حتى أواخر الستينيّات. مع ذلك، ظلّت سيادة لبنان على أراضيه مخترقةً من الاحتلال الإسرائيلي، وكانت حجّة إسرائيل حينها منع تسلّل “المخرّبين”: لاجئون فلسطينيون حاولوا التسلّل إلى الجانب الآخر من الحدود لاستعادة أراضٍ أو ممتلكاتٍ أو رغبة في الانتقام الفردي أو حتى في البقاء، وفي أحسن الأحوال، مجموعات محدودة العدد والعدّة من دون اسم أو بيانات. في غياب حماية الدولة اللبنانية، لم تنجُ القرى اللبنانية من العقاب الجماعي: قصف مدفعي وتوغّلات واقتحامات واعتقالات وتدمير منازل، واستمرّ الاستطلاع الجوي المكثّف، والاختراق الاستخباراتي لسيادة لبنان، بحجّة ضبط الأمن ومنع أيّ بنية فدائية من التشكّل عند الحدود. ثبّتت إسرائيل معادلة الردّ غير المتناسب لصناعة الردع عبر العقاب الجماعي. وقبل أن يصبح لبنان ساحةً للمقاومة الفلسطينية، أصبح ساحةً رخوةً، بدولة ضعيفة وحدود مفتوحة وعقيدة أمنية إسرائيلية لجأت إلى الردّ العسكري الاستباقي بحجّة “الدفاع عن النفس”، حتى قبل ظهور “الجبهة اللبنانية”.
نصّ اتفاق الطائف على حلّ جميع المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، لكنّه أقرّ بوجود الاحتلال، وبأنّ دحره التزام وطني ينبغي من أجله اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحرير الأرض. لكنّ الاتفاق لم يحدّد كيفية التحرير ولا الفاعلين. من هذه الفجوة، وفي ظلّ المعادلة الإقليمية القائمة في حينه، لم يُعامل حزب الله بوصفه مليشيا، بل مقاومة، واحتفظ الحزب بسلاحه. فعلياً، توافق اللبنانيون على تقاسم “غنائم” السلطة و”أعباء” المقاومة، وبقي العنوان العريض: نصّ صريح ضدّ السلاح خارج الدولة، وواقع قائم لا يمكن علاجه من دون السلاح. ولم يهتم فرقاء السياسة اللبنانيون، ولا المجتمع الدولي (الذي طالما أقرّ بحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها)، ببناء دولة بجيش قوي، خطوةً أولى في طريق حلّ معضلة السلاح.
في قراءة تعسّفية لتاريخ لبنان، تنطلق، عن قصد أو من غيره، من أواخر ستينيّات القرن الماضي، يتبنّى لبنانيون مقولةً مستحدثةً مفادها أنّ “المقاومة جلبت الاحتلال، ولم يجلب الاحتلال المقاومة”. تتجاوز هذه المعادلة نقد المقاومة السياسي والأخلاقي المشروع (بل والواجب)، إلى تجريم مبدأ المقاومة في ذاته، تمهيداً لركوب موجة التطبيع، وكان الحريّ الاستنتاج من ذلك التاريخ ضرورة الانشغال في كيفية بناء الدولة الحامية خارج صيغ المحاصصة التي توزّع الأرباح والخسائر، الدولة التي طالما كانت ضعيفةً وهشّةً في غياب المقاومة، وظلّت كذلك حين ملأت الفراغَ المقاومةُ. وهنا يدرك نوّاف سلام، ولو متأخراً، تهافت الاعتقاد الساذج (والكسول أيضاً) بأنّه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوّة.
المصدر: العربي الجديد






