سوريا بين “فيسبوك متآمر” و”ثورة منتظرة”!

إياد الجعفري

هل يجب على المسؤولين في سوريا، تجاهل الجدل والضجيج الدائر بين السوريين عبر “فيسبوك”، والانشغال بالعمل واتخاذ القرارات وتنفيذها، بمعزل عنه؟ أم أنه يعد واحداً من مصادر التغذية الراجعة لصنع القرار الرشيد، وواسطة للانتباه لتغيرات الرأي العام في الشارع السوري؟

قد يجيبنا الإعلامي ورجل الأعمال المقرّب من السلطة في دمشق، موسى العمر، على ذلك، بعبارة: “الدول لا تقاد على الفيسبوك”. هكذا قال في مداخلة خلال جلسة حوارية بدا خلالها محافظ دمشق، ماهر إدلبي، حذراً و”وسطياً” بصورة ملفتة، وهو يتناول بعض الملفات التي فجّرت لغطاً ضخماً عبر وسائل التواصل. وقد أبدى العمر امتعاضه حينما ردّ المحافظ بضرورة الاستماع لصوت المجتمع المحلي ومراعاته.

من خلال المتابعة لتعليقات وتصريحات مسؤولين ومقرّبين من السلطة في دمشق، وفي الوقت نفسه مقاربة طريقة تفكير عدد من النشطاء والمعارضين للسلطة، من الموجودين في الخارج، وكذلك من المقيمين بالداخل، يمكن تسجيل وجود راديكالية باتجاهين متعاكسين. على الضفة الأولى، هناك من يعتقد بوجود “مؤامرة” تدار عبر وسائل التواصل لتعبئة الشارع السوري، عبر استغلال بعض “الأخطاء” المحدودة، مع إضافة كم هائل من الشائعات والبناء عليها. يمكن التقاط هذا التصور من خلال تصريحات سابقة لمحافظَي حمص وحماة، مثلاً. على الضفة المقابلة، هناك من يعتقد أن الشارع السوري على عتبة الانفجار في “ثورة منتظرة” جراء التدهور المعيشي الملحوظ، بالتزامن مع قرارات داخلية بدت للكثيرين غير رشيدة ومتخبطة، وفي بعض الأحيان، وفق كثيرٍ من التقديرات، تستهدف خدمة مصالح فئات مستفيدة، على حساب أغلبية السوريين.

وما بين هاتين الراديكاليتين، قد نفقد القدرة على تقييم درجة التأزم في العلاقة بين الشارع والسلطات في سوريا. إذ يستحيل على مراقب يقيم في الداخل السوري، ألا يلتقط مؤشرات التذمر والاستياء المتصاعدة خلال الأسابيع الأخيرة. ونعتقد أن المسؤولين بدأوا هم أيضاً بالتقاطها، ونأمل أن يكونوا قد باتوا في معرض أخذها بالاعتبار، كما توحي بذلك تلك “الوسطية” التي أبداها محافظ دمشق في أكثر من ملف كانت إجراءات المحافظة قد تسببت بغضب المتضررين فيه. والملفت أن المحافظ ذاته الذي كان قراره الشهير بتقييد بيع المشروبات الروحية قد خلق سلسلة من الارتدادات كادت تطال السلم الأهلي والعلاقة مع المكوّن المسيحي، قد أبدى مواقف متقدمة في تكتيك التسويات والحلول الوسط مع أصحاب المصلحة في أكثر من ملف مثير للجدل. منها، ملف سوق الحدادين، وملف إعمار جوبر والقابون، وكذلك ملف إزالة البسطات. ونأمل أن يعبّر ذلك عن استيعاب صنّاع القرار في سوريا، لدرجة التذمر المتصاعدة في الشارع.

إذ من السهل أن نقول إن هناك حسابات وهمية ومغلقة تُدار من جهات متآمرة على سوريا، عبر “فيسبوك”، تقوم بتحريض الشارع. كذلك، من السهل القول إنه لا يجب العمل وفق تكتيك رد الفعل على كل زوبعة “فيسبوكية” تتسبب بها تلك الحسابات. لكن ماذا عن إجابة السؤال التالي: لماذا تستطيع “حسابات وهمية ومغلقة” أن تحرّض الشارع السوري؟ والسؤال الآخر في مستوى أعلى من السابق: كيف يجب التعامل مع ردود فعل السوريين عبر “فيسبوك”: بوصفها جديرة بالإهمال، أم بوصفها مؤشرات أولية لاتجاه الرأي العام؟

بطبيعة الحال، الجواب على السؤال الأول جليّة، ويقرّ بها بعض المقرّبين من السلطة. هناك أخطاء في أداء المسؤولين. لكن هذا الإقرار يأتي في سياق “ولكن”، التي يتبعها التحذير من أن هذه الأخطاء لا تستوجب الانجرار وراء المحرّضين ضد “الدولة”. وذلك بدلاً من أن يدفع هذا الإقرار إلى مناقشة تلك الأخطاء، وأسبابها. وهي أسباب جليّة أيضاً، ومطروحة للنقاش العلني. أبرزها، سياسة الاعتماد على المقرّبين والأقارب وأصحاب الثقة، على حساب الكفاءات. ومظاهر المحسوبية الملموسة في تعيين الموظفين في مفاصل صنع القرار. واعتماد قرارات جريئة اقتصادياً، لا تتناسب مع الواقع المعيشي للسوريين في الوقت الراهن، دونما نقاش مسبق وتهيئة للرأي العام.

أما في الجواب على السؤال الثاني، فيجب تذكير من نسي، أن التظاهرات الأولى للثورة السورية عام 2011، تم التحشيد والتعبئة لها عبر “فيسبوك”. لذا، فتجاهل ردود فعل السوريين على القضايا المثيرة للجدل، عبر هذه المنصة وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي، يبدو ضرباً من الارتداد إلى عقلية الثقة المفرطة بالنفس، ذاتها التي كان يتمتع بها نظام الأسد عشية ثورة الـ 2011، يوم رفع الحظر عن الـ”فيسبوك”، بعد أسابيع فقط من انفجار ثورات تونس ومصر، ليقول إن “سوريا مختلفة”.

لا يعني ما سبق أن “فيسبوك” يتيح مقياساً علمياً دقيقاً لاتجاه الرأي العام السوري. لكنه يقدّم مؤشرات أولية له. وتحتاج مؤسسات الدولة لاستطلاعات رأي وتفاعلاً مستمراً مع المجتمعات المحلية، لاستقراء مدى دقة هذه المؤشرات، والاستفادة منها كتغذية راجعة لصنع قرار رشيد، يتناسب مع طبيعة المرحلة التي تعيشها سوريا، الهشة والانتقالية والخطرة بكل المقاييس. مرحلة تتطلب حلولاً وسطاً، وتشاركية في صنع القرار، وتفاعلاً بناءً مع المجتمعات المحلية، بصورة تتيح بناء هامش مقبول من الثقة بين السوريين والسلطة الحاكمة، كي لا تبقى العلاقة بين الطرفين، في مهب “مؤامرة فيسبوكية” أو “ثورة منتظرة” في المستقبل غير البعيد.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى