الاقتصاد السياسي للخوف في تونس

    محمد خليل برعومي

                        

تعيد الأزمة الاقتصادية في تونس تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة على مستوى أعمق من مجرّد تراجع القدرة الشرائية أو تفاقم العجز المالي، إذ تدفع نحو إعادة ترتيب كاملة لمعنى الممكن داخل الحياة اليومية، فلم يعد السؤال المركزي متعلّقاً بنوعية النظام أو بدرجة انفتاحه، بل بقدرته على منع الانهيار، وهو تحوّل ينقل مركز الثقل من السياسة إلى البقاء، ومن النقاش في الحرية إلى إدارة الخوف من فقدان شروط العيش. تعمل هذه الديناميكية في مستوى غير مباشر، فلا تفرض السلطة نفسها فقط عبر أدواتها التقليدية، بل تستفيد من واقع اقتصادي يضيق فيه الأفق إلى درجة يصبح فيها الاستقرار قيمة بحدّ ذاته، حتى إن كان محدوداً أو هشّاً، لأنّ المقارنة التي تجري داخل المجتمع لم تعد بين نموذجَين سياسيَّين، بل بين احتمالَين وجوديَّين، بين استمرار قابل للإدارة “نسبياً” أو احتمالات مفتوحة على المجهول، وهو ما يجعل القبول بالسلطة جزءاً من عملية تقليل الخسائر لا تعبيراً عن قناعة.

يؤدّي الاقتصاد وظيفة ضبط غير معلنة، فيحدّ من سقف المطالب، ويقلصّ قابلية التحرّك الجماعي، ويجعل الركض وراء “الخبز” هدفاً بحدّ ذاته

تظهر هذه المعادلة بوضوح في الحياة اليومية، فيتعامل الأفراد مع الاقتصاد لا بوصفه مجالاً للفرص، بل بصفته مساحة ضغط مستمرّ، تُفرض فيها خيارات محدودة تتعلّق بالإنفاق والعمل والهجرة وحتى أنماط العيش، وهو ما يخلق حالة من التركيز على الحاضر المباشر، ويقلّص القدرة على التفكير في أفق سياسي أوسع، لأنّ السياسة تفترض إمكانية التغيير، بينما يعيش الفرد داخل وضع يفرض عليه إدارة ما هو قائم لا تغييره. يُفضي هذا التحوّل إلى إعادة تعريفٍ غير معلنةٍ للحرّية، إذ لا تختفي قيمتها من حيث المبدأ، لكنّها تفقد موقعها العملي داخل سلّم الأولويات، لأنّ كلفتها تصبح مرئيةً في سياق اقتصادي ضاغط، فيُنظر إلى أيّ اهتزاز في الاستقرار، حتى إن كان في اتجاه توسيع المجال العام، خطراً محتملاً على الحدّ الأدنى من شروط العيش، وهو ما يجعل الحرّية نفسها موضوع حساب لا موضوع مطلب.
تتقاطع هذه الديناميكية مع تراجع الوسائط التي كانت تاريخياً قادرةً على تحويل الضغط الاجتماعي إلى فعل سياسي، فلم تعد الأحزاب قادرةً على إنتاج بدائل مقنعة، ولم يعد الاتحاد العام التونسي للشغل يملك القدرة نفسها على فرض توازن كما في السابق في ظلّ اقتصاد تغيّرت بنيته وقلّص وزن القطاعات المنظّمة، وهو ما يترك المجتمع في مواجهة مباشرة مع وضع اقتصادي ضاغط من دون أدوات فعّالة لإعادة صياغته سياسياً. وفي هذا السياق، تتعامل فئات واسعة مع الأحداث السياسية أخيراً، من اعتقالات في صفوف نشطاء، إلى تضييق على جمعيات، إلى ملاحقات في ملفات متعدّدة، بوصفها جزءاً من واقع عام لا يملك أولويةً فوريةً، لأنّ كلّ قضية تُعاد قراءتها داخل معادلة أوسع تحكمها الكلفة، فيصبح السؤال الضمني، ماذا يمكن أن يترتّب على الانخراط في هذا الملفّ؟ وهو سؤال يحدّ من إمكانية تحوّل هذه القضايا إلى لحظة تعبئة جامعة.
لا يعني ذلك غياب الوعي أو القبول الكامل، بل يعكس تغيراً في شروط الفعل، فلا يتحدّد الموقف بما هو صحيح أو عادل فحسب، بل بما يمكن تحمّله، وهو ما يجعل الخوف من مزيد من الخسارة الاقتصادية عاملاً يعيد تشكيل السلوك السياسي، فيدفع نحو الانكفاء أو الحذر أو الانتظار، بدل المواجهة أو التصعيد.
تستفيد السلطة من هذا التوازن من دون حاجة إلى فرضه مباشرةً؛ لأنّ الاقتصاد يقوم بوظيفة ضبط غير معلنة، فيحدّ من سقف المطالب، ويقلصّ قابلية التحرّك الجماعي، ويجعل الركض وراء “الخبز” هدفاً بحدّ ذاته، وهو ما يسمح بإدارة المجال العام ضمن حدود مضبوطة، لا عبر القمع فقط، بل عبر بنية أوسع تشارك في إنتاجها الظروف المعيشية. يتحوّل الخوف في هذا الإطار من شعور فردي إلى منطق منظّم، لا يُدار من الأعلى فحسب، بل يُعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه، فيشارك الأفراد، على نحوٍ غير مباشر، في تثبيت هذا التوازن عبر اختياراتهم اليومية التي تميل إلى تجنّب المخاطرة وتقليل الخسائر، وهو ما يمنح هذا النمط من الحكم عمقاً يتجاوز أدوات السيطرة المباشرة.

لم تعد الأحزاب قادرةً على إنتاج بدائل، ولم يعد لاتحاد الشغل قدرة على فرض التوازن

يفتح هذا المسار سؤالاً أعمق حول طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، فلا يعود الاقتصاد مجرّد عامل ضغط على السلطة، بل يصبح شرطاً لإعادة إنتاجها؛ لأنّه يعيد تشكيل إدراك المجتمع لما هو ممكن ويجعل المطالب السياسية خاضعةً لشروط معيشية تقيّدها، وهو ما يحوّل الحرية من أفق مفتوح إلى مطلب مشروط.
تتحرك تونس داخل هذا التوازن الدقيق، فلا يختفي التوتّر، لكنّه لا يتحوّل إلى صراع مفتوح، ولا تختفي المطالب، لكنّها لا ترتقي إلى مستوى التعبئة، ولا تغيب الأزمة، لكنّها تُدار بدل أن تُحل، وهو ما يخلق وضعاً مستقرّاً ظاهرياً، لكنّه قائم على إعادة إنتاج مستمرّة للخوف، لا عبر القمع فحسب، بل عبر الاقتصاد الذي يعيد رسم حدود الممكن.
بهذا المعنى، ليس السؤال في سبب قبول المجتمعات بالسلطة الصلبة، بل في الكيفية التي تُعاد بها صياغة هذا القبول داخل شروط تجعل البدائل أكثر كلفةً، وهو ما يجعل الاستقرار ليس نتيجة قوة السلطة فحسب، بل نتيجة توازن أوسع، تُنتجه لحظة اقتصادية تُعيد ترتيب العلاقة بين الحرية والبقاء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى