أين نذهب بالنفط العراقي؟

  أحمد سعداوي

    

اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 إثارة موضوع “خطّ بانياس” لتصدير النفط بين فترةٍ وأخرى. وفي هذه الأيّام يدور كلامٌ في الأوساط السياسية، على خلفية الحرب في الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز، عن ضرورة إعادة فتح هذا الخطّ الرابط بين آبار نفط كركوك وميناء بانياس السوري. وإن شئنا الدقّة، هي إعادة إنشاء الخطّ بالكامل، بسبب الدمار الحاصل في كثيرٍ من أجزائه، خصوصاً في الأراضي السورية، بما يجعله غير صالحٍ للخدمة أساساً. لا يمكن لأحدٍ أن يُشيد بالطبقة السياسية على هذا التفكير، وسط الأزمة، بينما كانت تمتلك وقتاً طويلاً قبلها للتفكير في مشاريع استراتيجية كبيرة، تضع في الاعتبار حدوث أزمات مماثلة لما يحدث اليوم. في الغالب لا تفكّر الأحزاب المتصارعة على السلطة والمغانم في أشياء أبعد من مصالحها الخاصّة، وأمور يمكن لفّها وبيعها للجمهور سريعاً، مثل وجبات الطعام الجاهز، من أجل استمالة الجمهور الانتخابي في مواسم الاقتراع.
يعضّ كثيرون أصابع الندم، وهم يرون مضيّ أكثر من شهرٍ ونصف على إغلاق مضيق هرمز، وتراجع صادرات النفط العراقية إلى حدودٍ غير مسبوقة، والضباب الذي يلفّ الأفق فيما يتعلّق بالحرب الحالية، وضبابية الموقف العراقي الرسمي، الذي لا يريد أن يبدو، في الصورة العامة، حليفاً لأميركا أو لإيران، ويريد خطب ودّهما في الوقت نفسه، من دون أن يقدّم أيٌّ منهما، في نهاية المطاف، حلولاً عملية لإبعاد العراق عن خانة المتضرّرين بـ”النيران الصديقة” من الطرفَين.
وفي وقتٍ تواجه دول الخليج العربي الأزمة الحالية بعدّة إجراءات، منها الاعتماد على الفوائض المالية السابقة، أو تنويع طرق التصدير، مثل التصدير عبر ميناء ينبع السعودي، أو عبر ميناء الفجيرة في بحر عُمان بالنسبة للإمارات، استيقظ العراق على الأزمة، ولم يجد أمامه من حلول سوى اللجوء إلى حكومة إقليم كردستان التي لا يحتفظ معها بعلاقاتٍ طيّبة، أو عبر مواجهة جارٍ غير مُحبَّب، تمثّله حكومة النظام السوري الجديدة. وبالفعل، ارتفع منذ مطلع نيسان معدّل الصادرات النفطية عبر خطّ الشاحنات في الأراضي السورية باتجاه بانياس إلى 5% من حصّة التصدير العراقية المعتادة.
تتعلّق المعضلة مع حكومة إقليم كردستان بأنّ حكومة بغداد تريد استخدام أنابيب موجودة داخل الإقليم، وتستخدمها الشركات العاملة هناك لتصدير نفط الإقليم إلى ميناء جيهان التركي. أمّا الخطّ الأصلي، الذي يربط نفط كركوك بجيهان، فهو إمّا مُخرَّب أو يُعاني أعطالاً تجعله غير صالحٍ للاستخدام. وللتذكير، فإنّ هذا الخطّ (كركوك ـ جيهان) كان يُصدِّر، قبل عام 1990، ما يصل إلى 40% من نفط العراق. تدخّلت الحكومة الأميركية لتحييد الخلافات المعقّدة والكثيرة بين الحكومتَين، في الإقليم والمركز، لربط آبار نفط كركوك بأنابيب كردستان، ويجري حالياً تصدير نفط كركوك وكردستان إلى ميناء جيهان التركي. لكنّ هذا الحلّ، بحسب بعض التقديرات، لن ينقل أكثر من 25% من الحصّة العراقية المعتادة للتصدير.
في كلّ الأحوال، هذه هي الحلول المتاحة حالياً، والتي اعتُمدت لا بذكاءٍ ولا بمهارةٍ ولا ببعد نظرٍ من النُّخبة السياسية العراقية، وإنّما بتدخّل الفاعل الأميركي. فالحكومة في بغداد، الخاضعة لابتزاز الفصائل المسلّحة، لا تفعل شيئاً حيال تعرّض أربيل، عاصمة إقليم كردستان، منذ بدء الحرب الحالية، لعشرات الصواريخ يومياً. وهناك أيضاً مشاكل متعلّقة برواتب موظفي الإقليم وبملفّ الطاقة بين الطرفَين، بسبب تعطيل إقرار قانون النفط والغاز منذ عام 2003. وعلى الرغم من مسارعة حكومة محمّد شيّاع السوداني إلى فتح صفحةٍ جديدة مع حكومة أحمد الشرع في أيّامها الأولى، فإنّ المتشدّدين داخل الطبقة السياسية استمرّوا في توجيه الخطابات العدائية للحكومة السورية، واعتبارها طرفاً عدوّاً، وهو جوّ قد لا يشجّع أيَّ تعاون اقتصادي بين الطرفَين، فضلاً عن اعتبار هذا التعاون طوق نجاةٍ وإنقاذٍ، كما هو الوضع الحالي.
تغرق الطبقة السياسية العراقية في سوء التقدير، وقِصر النظر، والحسابات الخاطئة، والتفكير الآنيّ، وعدم اعتماد مشاريع استراتيجية في مختلف القطاعات، أو تنويع الاقتصاد المعتمد حالياً بشكلٍ كلّي على تصدير النفط. وليت هذه وحدها مشكلة هذه الطبقة، وليتها كانت آخر المشكلات.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى