بيروت قلب مفتوح

سمر يزبك

استيقظت بيروت في ذلك المساء على صوتٍ يشبه انكسار الأضلاع في صدرها. اعتادت أن تُؤجِّل وجعها إلى ساعة خلاء مع النفس كي لا يشمت الأعداء والأصدقاء فيها، لكنّ المدينة التي يصل الموت إليها قبل أن تبرد القهوة ما عادت تحتمل. لم تكن الغارات التي مزّقت ليلها حدثاً طارئاً في ذاكرة المكان، كانت امتداداً لعادةٍ قديمة في اختبار قدرة هذه المدينة على البقاء، كأنّها تُساق في كلّ مرّة إلى الحافّة لتثبت أنّها تعرف كيف تعود. ثلاثمئة وثلاثة أجسادٍ توقّفت فجأةً عن إكمال جملها اليومية. أكثر من ألف جريح يحملون ما تبقّى من تلك الجمل في أطرافهم. الأرقام هنا لا تعمل إحصاءً، تعمل أسماءً ناقصةً، كراسيَ فارغةً على طاولات لم تُرفع عنها الأكواب بعد. كلّ رقم هو حياة كانت تسير نحو شيء عادي، نحو خبزٍ يُشترى، أو لقاءٍ يُؤجَّل، أو رسالةٍ لم تُرسل. بيروت لا تُفاجأ بالموت، هي تعرفه كما يعرف المرء تفاصيل بيته. تعرف صوته حين يهبط من السماء، تعرف شكله حين يختبئ في زوايا الغدر، تعرف رائحته حين يمرّ بين الأزقة ويترك خلفه غباراً يشبه الصمت. ومع ذلك، في كلّ مرّة، تتصرّف كأنّها تراه للمرّة الأولى. هذا ليس ضعفاً، هذا شكل من أشكال الصلابة وعدم الاعتياد. في الصباح التالي، فُتحت النوافذ. كُنست الشوارع من بقايا الليل. جلس أحدهم أمام دكّانه ليعيد ترتيب علبٍ لم تعد تعني شيئاً سوى أنّها تمنح اليوم شكلاً يمكن احتماله. الحياة في بيروت لا تحتاج إلى شروط معقّدة كي تبدأ، تحتاج فقط إلى شروق شمس!
هذه المدينة التي تُقصف، تعرف الحبّ جيّداً، في الوقت نفسه. ليس حبّاً نظرياً، ولا استعارة شعرية جاهزة، حبٌ يوميّ، مُرهق، يشبه عمل اليدين حين تحاولان ترميم شيءٍ تعرفان أنّه سينكسر مرّة أخرى. من يحبّ بيروت لا يفعل ذلك لأنّه يرى فيها الجمال فقط، يفعل ذلك لأنّه يرى فيها تجربة كاملة للحياة، بتناقضاتها كلّها، بقسوتها كلّها، بلحظاتها التي لا يمكن تفسيرها. البحر لا يغيّر عادته. يبقى هناك، يراقب. هذا الثبات الغريب يمنح المدينة شيئاً يشبه التوازن. حين تنظر إلى البحر، تشعر أنّ هناك جزءاً من العالم لم يُصَب بعد، جزءاً يمكن أن يُبنى عليه شيء جديد. ربّما لهذا السبب، يذهب الناس إليه في أوقات القصف ليتأكّدوا أنّ العالم ما زال موجوداً خارج هذه اللحظة.
كلّ انفجار في بيروت يحمل معه طبقاتٍ من التاريخ، من التحالفات، من الخيانات، من الحسابات التي لا تُرى. من يفهم بيروت، يفهم كيف يمكن لمدينةٍ أن تتحوّل إلى مساحة صراع مفتوحة. وفي الوقت نفسه، تبقى مساحةً للعيش. هذا التعايش بين القسوة والاستمرار هو ما يجعلها معقّدة إلى درجة يستحيل تبسيطها.
الضربة الغادرة التي جاءت ليلة وقف إطلاق النار حملت مفارقةً قاسيةً، أنّ الهدوء هنا ليس قراراً محلّياً، هو نتيجة شبكة من الإرادات المتشابكة التي لا ترى في هذه المدينة سوى ساحة. هذا الإدراك لا يجعل الناس أكثر يأساً، بقدر ما يجعلهُم أكثر وعياً بطبيعة ما يواجهونه.
في الليل، حين تخفّ الأصوات قليلاً، تبدأ بيروت حديثها الداخلي. هناك أمٌّ تبحث في هاتفها عن صورة ابنٍ لم يعد. هناك شابّ يكتب رسالة حبّ لا يرسلها. رجلٌ يعدّ ما تبقى من يومه كأنّه يعدّ خسائره. هذه التفاصيل الصغيرة تشكّل البنية الحقيقية للحرب، إذ يتحوّل كلّ شيء إلى انتظار. ومع ذلك، هناك شيء في هذه المدينة يرفض أن ينكسر بالكامل. ذلك الشعور القديم بأنّ الحياة، مهما تراجعت، يمكن أن تعود، ربّما هو أثر كلّ أولئك الذين مرّوا من هنا وتركوا جزءاً من أنفسهم في الشوارع.
بيروت ليست ضحية فحسب. هي أيضاً فاعل في قصّتها. تعيد إنتاج نفسها بعد كلّ ضربة، تعيد ترتيب أولوياتها، تعيد تعريف ما يعنيه أن يعيش الإنسان هنا. هذا الفعل المتكرّر ليس بطولة بالمعنى التقليدي، هو شكل من أشكال التكيّف العميق مع واقع لا يرحم. من يكتب عن بيروت بعد هذا كلّه، يكتب عن تجربة إنسانية مكثّفة، عن مكان يُجبرك على مواجهة الأسئلة الأساسية للحياة، مدينة تعني أن تستمرّ حين لا يوجد سبب واضح للاستمرار سوى أنّ البقاء جزء من تعريفها لنفسها.
بيروت قلب مفتوح يتلقى الضربات، ويواصل النبض.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى