حكايات قريتنا -الكتاب الثاني – الجزء السادس

  د.عيسى بن ضيف الله حداد

في قريتنا، دالت مكانة الحزب القومي السوري إلى زوال.. اختفت شارة الزوبعة من سطول فتيات، من اللواتي كان لهم بهن صلات.. وحده علمنا العربي بقي لا يريم ثابتاً على سطول فتياتنا.

تحوّل بعض من القوميين بقدرة قادر إلى الحزب الشيوعي، التزم البعض الآخر حال الصمت.

لم نأبه نحن البعثيون إزاء هذا التحوّل.. فالشأن شأنهم.. وماذا يضيرنا.. لاسيما أن الشيوعيين حلفاء لنا، أو هكذا يجب أن يكون.

معالم صراع جديد بدأت ترتسم معالمه في أفق قريتنا.. ما لبث البعض من هؤلاء المتشيعين الجدد ترويج دسائس وإبراز عضلات.. في ظل من ذلك غدت تغزو القرية نشرات ” تاس السوفيتية ” ومطبوعات أخرى تباهوا بها.

ورث شيوعيو قريتنا في مزاجهم وسلوكهم ودوافعهم، ما سبق لهم في قوميتهم السورية، المتمثل بنفي الإسلام من تاريخنا.

رويداً، رويداً غدا الجو محتدماً.. ما أقرب الأمس إلى اليوم، لم يتغير شيء، إنما قد حلت نشرة ” تاس ” محل شارة الزوبعة.

في القرية نفر ديدنهم العبث في شأن السياسة، وإضفاء مسحة من الفكاهة على أحوالها، عمد هؤلاء إلى طريقة مبتكرة لتحويل المسألة إلى مسخرة.

أرسل هذا النفر عشرات الرسائل إلى وكالة تاس بجدول أسماء وهمية من بينها أسماء لحمير في القرية.. كان لبعض من حمير في القرية باعاً، كحجم ونهيق وصولة، وغدا لها أسماء ذات شهرة، وفي مقدمتها، الحمار ” نعنوع ” كان بدوره حماراً لشيوعي، قومي سوري سابق.

غدا الأمر مدار تسلية، تناقله ناس القرية في سهراتهم وغدواتهم.

الحمار نعنوع يقرأ نشرة وكالة تاس.. اضحكوا يا ناس…!!

  🛑

صيف عام 1956 – آن أوان العمل..

على غرار الصيف الفائت حملنا متاعنا المتواضع ويممنا شطر ظهور الشوير في لبنان.. لم يرافقنا أخي الأكبر هذه المرة، رأى أبي أن لا طائل وقد خَبَره. كبديل حضر معنا أخي الأصغر.

حال وصولي، أول خطوة كانت لي.. الدوران حول الفيلا عسى أن أرى سعاد.. سعاد لا تظهر.. مرات أخرى.. لا أثر لسعاد.

أيقنت، بأنها ليست هنا.. أين تكون…؟ لا أثر.. أسلمت نفسي للغياب.. أمثالنا على الهامش.. حياتنا صدفة.. أقدارنا صدفة.

شاء لي القدر أن اعثر على عمل في مطعم يتمتع بحظوة، بأجرة شهرية مقدارها أربعين ليرة لبنانية.

بينما وجد أخي الأصغر عملاً في مطعم متواضع بأجرة مقدارها خمس عشرة ليرة لبنانية..

لا عجب، الأجور لأمثالنا اعتباطية، لا وازع لها، كلما صغر عمر الصبي قل أجره، ما علينا سوى القبول بالأمر وباللامعقول.

كان عليّ الحضور على السابعة صباحاً لتنظيف أرضية المكان، ثم أنصرف لغسل الأطباق والأواني طيلة النهار.

أستمر على هذا المنوال حتى الحادية عشر مساءً وأحياناً أكثر.

كان العمل مملاً يثير كآبتي، ما كان لي، سوى أن أنطلق بخيالي إلى قريتي، في محاولة مني لقتل الوقت وشن الحرب ضد الكآبة، ولم شمل العزم من أجل الصبر.

يتاح لي بين الفينة والفينة ثغرات زمنية، أكون فيها قد أنهيت أكوام الأطباق والأواني.. في غفلة عين الرقيب – المعلم، أروح لأرى أخي في المطعم القريب منا.. غدوت مدمناً لرؤية أخي، أصبحت أكرر الزيارات مرات، ثمة ما يشدني للذهاب إلى هناك.. صاحبة المطعم من أصل أرمني، تنطق الكلمات العربية بلكنة أزمنية.. دأب أخي الصغير على تقليدها مما يثير حفيظتها.

شفع له صغره وضآلة أجره مما دفع السيدة لتحمله.. لكم مرة من المرات وجدته منبطحاً على منضدة وهو في غمرة ملاسنتها والسخرية منها.. أتدخل لردع أخي.. مما جعل السيدة تجلّني.

ما كان ما يثير حفيظتي في مهام عملي: هو الزمن المتطاول الذي أقضي فيه نهاري وسحابة من ليلي.

بينما كان أبي في يومه ” في الفاعل ” يدوم عمله من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً.

و” عطية ” أحد أبناء قريتنا في الخيمة المجاورة، في عمله كزبال في البلدية، يزاول عمله من الخامسة حتى العاشرة صباحاً.

أنظر بعين الغيرة ” لعطية ” وأقول في ذاتي.. آه لو كنت مكانه أو أعمل معه.. أما يتاح لي وقتاً للقراءة.. أواه.. يا لهذا الزمن الأعجف…!

شرع يداعب خيالي العمل كزبال، ينتهي نهاره على العاشرة صباحاً.. أعود إلى خيمتي لأفتح كتاباً، اقرأ فيه…!

ذات مرة قلت لأبي، حبذا لو تسأل العم ” عطية ” هل يمكن لي الحصول على عمل لي معه كزبال.

استغربت أمي طلبي.. حين عرضت حججي.. استوعب أبي ما يدور بخلدي من مسائلات، واحتدام أفكار واحتجاجات.. هدأ من روعي.

ذات يوم أتى حمل لي أبي ما يسرني: حصلت لك على عمل معي.. المعلم المشرف على مشروع الحفرـ يبحث عن صبي يسقي العمال ماءً، بأجرة ثلاثة ليرات لبنانية يومية، مقابل أجرة خمس ليرات لبنانية للعامل الكامل.

دونما تردد، أعلنت عن موافقتي.. يا لفرحتي.. في الخامسة مساءً سأعود مع أبي إلى خيمتي، مالكاً لحريتي.

حمل أبي النبأ لصاحب المطعم.. احتج الرجل رافضاً دفع استحقاقاتي، للأسابيع الثلاثة التي قضيتها عاملاً لديه، كالحمار طوال النهار.. قال لي أبي: لا عليك سأجد حلاً.

ذات أحد، توجه أبي إلى ضيعة الشوير القابعة في السهر المنبسط في قعر المنخفض. قابل المختار الأرثوذكسي المذهب.. أعلن المختار عزمه على حلها.. قائلاً لأبي” لحوران علينا أفضال لن ننساها، في زمن الحرب والمجاعة، كنا نعمل بها في مجال البناء، سكانها على كرم وطيبة.. نحن وإياكم يا بني حداد على مصاهرة، ولكم في لبنان أرومة.. وتلك ” فلانة ” من قريتكم زوجة ” لفلان”..

اضطر مالك المطعم دفع أجري، قائلاً لأبي” ها وقد أحرجتني.. ليس بوسعي صد كلمة المختار.. يا لك من خسيس.! .. وهكذا كان..

🛑

يقع قصر الباشا، على الطرف الشرقي من مصيف ظهور الشوير.. على مقربة من بسكنتا الجاثمة تحت ظلال جبل صنين.

تعالى هذا الجبل، عملاقاً شامخاً إلى السماء.. أبى إلا أن يتوج هامته اتقاءً لحر الصيف بكوفية بيضاء، من ثلوج الشتاء.

يطل القصر من الجنوب على منحدر سحيق يتمادى في أرض منبسطة.. تنتشر فيها قرى يسكن أغلبها أبناء من الطائفة الدرزية، تابعة لمنطقة المتن.. ؟.

يحده من الشمال الطريق الممتد من ظهور الشوير إلى بسكنتا.

يلي الطريق إلى الشمال منه، انحدار سحيق يغور إلى منخفض تقيم فيها قرى، تقطنها أغلبية سكانية منتمية للطائفة المارونية. [يعنيني بذاتي مثل هذا التوزيع الطائفي، غير أني أتعامل مع مفردات تفرض ذاتها، وللأسف، من بيئتها، اللبنانية..]

يلتحق بالقصر من جهة الجنوب مصاطب مزروعة بأشجار التفاح.. شاء الباشا أن يضاعف أعداد هذه المصاطب على حساب الأرض المنحدرة نحو الوادي.

استهدف هذا العمل تنظيم وتمهيد هذه المصاطب..  مهمتي فيها هي الساقي.

ما فتأت حرارة الشمس وضربات المعول بجعل العرق يهطل مدراراً من أجساد العمال.. كان علي حمل جرة مملوءة بالماء، مع كوب معدني القوام.

درجنا أبي وأناـ أن ننهض مبكراً، نغادر خيمتنا لنصل موقع العمل بعد أربعين دقيقة سيراً على الأقدام.

على الساعة الثامنة صباحاً، تبدأ المعاول تهوي بقوة لتحفر في الأرض الصلدة. أحمل بدوري جرتـي، أذهب بها إلى جناح المطبخ على طرف القصر لجلب الماء.

كان القصر واسعاً ممتداً على مساحة واسعة من الأرض، يتكون من طابقين، يتوسط حديقة غناء واسعة الأرجاء، مزدانة بأشجار وأزهار من شتى الألوان، يحيط به سور شاهق من الحجر المرصوف بانتظام دقيق.

ليس من شأني وصف ردهات القصر، فلم يكن أمامي سوى عبور الحديقة من الباب الرئيسي، والولوج إلى المطبخ من بابه الجانبي، وإملاء الجرة من صنبور الماء.

علي تكرار الرحلة، مرة بعد مرة، ما أسرع الجرة من أن تنضب من مائها، الشمس أم العطش.. كأنها هي الظمأى، لا تنفك أشعتها أن تلقي حممها على أجساد العمال، لتمتص ما في خلايا الأجساد من ماء لترتوي. لم تكن الرحلة شاقة، كانت على درجة من المتعة.. أعبر الحديقة الوارفة الظلال، أستمتع بمرأى الأزهار.. قُيض لي أكثر من مرة رؤية الباشا وهو يتجوّل بين دروب الحديقة الملتوية. كان رجلاً كهلاً، أسمر البشرة، على بدانة.. حُكي عنه كونه لبناني مصري، مقيم في الإسكندرية.. هذا القصر منتجعه الصيفي.

يهتم بالحديقة عدد من الشغيلة، يقومون بأعباء السقاية وتشذيب الأزهار والأشجار..  أتاح لي ترددي اليومي وعلى مرات عديدة، تجاذب أطراف الحديث مع طاقم المطبخ.

يتكوّن الطاقم من ثلاثة رجال وثلاثة فتيات.. الرجال سود البشرة، بلهجة مصرية، تحمل لكنة صعيدية (من صعيد مصر)، بينما كانت الفتيات من لبنان.. كانوا يرتدون أزياء مميزة توحي بطبيعة عملهم.. عاملني الطاقم بلطف، وقدموا لي فاكهة وأطعمة.

شعرت باغتباط غامر في مهام الساقي، أتاح لي تبادل الأحاديث مع العمال، متحرراً من التواصل مع الأواني والأطباق والطناجر.

توزعت انتماءات العمال بين أربع مناطق: حوران، جبل العرب، جبال اللاذقية، والطائفة الدرزية من لبنان.. المشرف علينا مورانياً من كسروان.. ليناً حسن المعشر يمارس دوره بأدب جم..  خصني بالرعاية.. وأتاح لي نمطاً من الحرية.

يطيب لي بعد انتهاء مهامي كساقي، أن أضع جرتي في ظل شجرة، وأحمل معولاً، أتجاور فيه حيناً مع “علي” من جبال اللاذقية.. وما بين ضربات المعول للأرض الصلدة، طفقنا نتبادل الحديث في السياسة.

بدا لي عليّ مناصراً للبعث، حدثني عن مآثر وهيب الغانم، وكيف كان يتجوّل بين القرى على الأقدام أو على حمار ليطبب الفلاحين. [يذكر عن الدكتور وهيب الغانم، أنه خلال ممارسته الطبية كان يتنقل بين قرى اللاذقية لمعالجة الفلاحين بالمجان، مما جعل منه شخصية شعبية سهلت صعوده للبرلمان في مواجهة منافسه الممثل للإقطاع والقوى التقليدية في المنطقة]

في حين آخر، أتأبط معولي كي أكون مجانباً ” نواف ” من جبل العرب، حدثني عن مآثر منصور الأطرش ودوره في ثورة الجبل على الديكتاتورية..

أتاح لي مع معولي، تناول الحديث مع ” منيب ” ليذكر لي ما أجهله عن القائد كمال جنبلاط…

قيض لي كساقي التفاعل مع عمال من مختلف المناطق والأطياف.

على الساعة الثانية عشر ظهراً، نضع عتاد العمل جانباً، ونتظلل في فيء أشجار الصنوبر، نحل صررنا لنتناول غذاءنا.

في جلستنا، نتجول بحرية في الأحاديث ونتبادل الأنباء عن السياسة وشؤون العالم.

ذات يوم ما من أيام تموز، في خضم من عملي في تعبئة جرتي بالماء، سمعت الطاهي يحكي لمعاونه همساً “: هل سمعت، أصدر عبد الناصر قراراً بتأميم قناة السويس..”

أصيخ السمع.. على حين غرة هبت في حناياي قشعريرة كبرى، أدركت أننا أمام حدث جلل سيحرك الماء الآسن في الوضع العربي الداكن.. وأننا مقبلون على شأن خطير سيقلب الموازين.

عدت مهرولاً حاملاً النبأ على التو، إلى “علي ونواف ومنيب وأبي”.. الله أكبر ” وكان حديثنا على الغداء.

آه، لو أنني في المدرسة، لكنا قد خرجنا في مظاهرة..  أخذ رفاقي “منيب ونواف وعلي” يترصدون الأنباء، لا مذياع بحوزتنا في مخيمنا.

كل شيء ينذر بالعدوان على مصر.. علمت أن الحزب وحلفاءه في البلاد أعلنوا دعمهم اللامحدود لمصر، وأنهم لن يتوانوا عن قطع النفط العابر في سورية، عن الغرب.

تشكلت في سورية، بمبادرة من أكرم الحوراني الهيئة العربية السورية لنصرة مصر.. ضمت ممثلي الأحزاب السورية..

أشتعل حماساً وأتحسر لوجودي هنا، ولاسيما عندما علمت أن الجماهير في سورية قد خرجت بمدنها وأريافها لنصرة مصر.

امتدت موجة الإضرابات والمظاهرات لتشمل البقاع العربية من المحيط إلى الخليج.

أوقف العمال في سورية ضخ النفط إلى طرابلس وبانياس، وطلب الحزب تسليح الشعب.

عمل الحزب على عقد مؤتمر في مدينة دمشق يمثل الشعب العربي لدعم مصر، حضرته رموز سياسية وشعبية مهمة من جل الأقطار العربية، ترأس المؤتمر حميد فرنجية من لبنان.

في غمرة التوتر الانفعالي والـتأجج الحماسي، انفتحت سبل التواصل لي مع طاقم الطهاة في مطبخ القصر، قيض لي في كل مرة أروح فيها لتعبئة الجرّة، أن أشرع في محادثة سياسية ثرية..

كان الطهاة على صلات مع الأنباء عبر الصحافة الآتية إلى القصر ومن المذياع الذي كان بحوزتهم.. عكفوا يصلون لمصر ولعبد الناصر بقلب خاشع… غدوت بدوري مصدراً للأنباء للزملاء في فسحة الغداء.

[تلزمني أيامنا الحالكة في آننا، للتذكير، كون علي سوري علوي المنبت، ونواف درزي سوري المنبت، ومنيب لبناني درزي المنبت، وأنا وأبي مسيحيي المنبت، لم يشعر أي منا بأي هاجس طائفي يفرقنا.. وكنا معا في موقف واحد، وطاقم المطبخ المصريين معنا، أيضاً.. ولكم كانت رائعة تلك الأيام ولكم أفتقدها، كلما أتذكرها بعذاباتها أكاد أبكي حزناً عليها..]

🛑

شهر آب يلفظ أنفاسه الأخيرة، حدث فجائي مروع كاد يؤدي بحياتي وعامل آخر أو أكثر معي..

على الطرف الأقصى من المصطبة الأخيرة، كنت أجانبُ علي مزاولاً الحفر الممتع لدي.. يجذبني الحديث السياسي مع علي.. أصداء تأميم القنال بقرار من عبد الناصر.. تطربنا..

على حين غرة كأنه الزلزال.. انهار طرف الجدار، ومعه كتلة هائلة من التراب والحجارة.. راحت تتدحرج في قعر الوادي.. كدنا معاً أنا وعلي ومنيب على وشك الانحدار، مع تيار الانهيار.

في اللحظة الحرجة قفزنا لننجو بأنفسنا. كنت أنا في الموقع الأكثر خطراً.. هنأ الجميع بسلامتنا.. لاسيما أنا..

قيل لي: لك حياة، كنتَ على شفير هاوية.. هلاك محقق لولا عناية الله.. ولكن مالك وللحفر.. إنه ليس من شأنك…!! (لا يعلمون أنها من متعتي..)

أتى أيلول، يا لفرحتي ها قد حان ميعاد الإياب إلى مدرستي.

في اليوم الأخير أرسل الباشا إلى أبي، معلناً عن عرضه السخي بجعلي أحد العاملين في القصر، على أن أكون أحد رعاته في الفصل الشتوي، حينما يكون الباشا وحاشيته في مصر.

بإباء رفض أبي عرض الباشا، قائلاً: لا ولو ملكني قصره.. بُني له المدرسة.. هي أليق به وهو أليق بها..  عدنا من حيث أتينا.. ولي قريتي ومدرستي.

🛑

عام 1956- 1957:

عدت إلى عريني لمدرستي، في الصف التاسع الإعدادي.. على قاب قوسين أو ادني من الحيازة الفعلية للقب الأستذة..

كانوا كثر في تلك الحقبة، مَن الذين أصبحوا على الفور وكلاء معلمين كبداية للصعود في سلم المهنة، على وقع من الحصول على شهادة الكفاءة، كما كانت تسمّى.

ها أنا أعيش الأحداث في عقر دارها، بلدنا تحوّلت بكل جدارة ساحة معركة رديفة لمصر الناصرية..

لم اعد هنا مجرد متلق للأنباء من طهاة المطبخ في قصر الباشا.. كأني في آتون المعركة..

ها هنا مكتب الحزب والصحافة والإذاعة والرفاق والشعب الملتهب.. نتفاعل مع الأحداث ونفعل بها.. نتظاهر، نوزع البيانات، نتحاور.. بكامل ما لدينا من طاقة، انغمسنا بشأن الحدث، عشنا تفاعلاته.. كان العام حافلاً غنياً بالأحداث.

شهر تشرين أكثر الأشهر ضراوةً.. في الأسبوع الأخير منه تم اختطاف قادة الثورة الجزائرية من قبل السلطات الفرنسية، بإجبار طائرتهم المتجهة من تونس إلى المغرب على الهبوط في الجزائر. [وهم: أحمد بن بلا، محمد خيضر، حسين آية أحمد، محمد بوضياف، مصطفى الأشرف.]

اندلعت المظاهرات الشعبية من جديد، في كل مكان من أرض العرب… ألقيت القنابل على السفارة الفرنسية بدمشق وعلى قنصليتها في حلب..

في الأردن، حدث تطور هام بتشكيل وزارة وطنية بقيادة الوطني المشهود له، سليمان النابلسي. اشترك فيها حزب البعث كوزير خارجية ممثلاً بعبد الله الريماوي.

بدأ العدوان الثلاثي على مصر بهجوم إسرائيلي، في 29/10/56 – تلاه هجوم بريطاني فرنسي.. لم تصمد القوى المصرية العسكرية طويلاً، بيد أن المقاومة الشعبية كانت بطولية.

حدث التدخل الدولي السوفيتي والأمريكي.. تم نسف أنابيب البترول المار في سورية – ولذاك أكبر الأثر في إجهاض أهداف العدوان على مصر.

حاول نوري السعيد، رئيس وزراء العراق، تشغيل أنبوب النفط المار عبر الأردن إلى حيفا، أسرعت المقاومة الشعبية الأردنية لتدمير الأنبوب.. أشعلت فيه الحرائق. استردت مصر قناتها وتم إجهاض العدوان.

أعلنت الجماهير العربية أقصى الاستعداد للعطاء، لم تفعل الأنظمة العربية أشياء تذكر، عدا سورية التي طار رئيسها إلى الاتحاد السوفيتي، ليستنجد به لمصر.

كنا نعيش الأحداث لحظة.. لحظة.. نتفاعل معها كأننا في آتونها..  بلا منازع عبد الناصر بطلنا..

بينما كان لهيب المعركة محتدماً في مصر كانت المؤامرة تطبخ على نار هادئة لاحتواء سورية، يحركها نظام نوري السعيد في العراق، بإسهام أمريكي وبريطاني مباشر. قبيل العدوان على مصر تم الشروع بالتحضير للمؤامرة، مما يوضح طبيعة أهدافها.

ضمت المؤامرة أقطاب عدة من بينهم، بقايا ضباط أديب الشيشكلي، وأحد شقوق الحزب القومي السوري (غسان جديد – جورج عبد المسيح) وهايل سرور (من العشائر) وحسن الأطرش، ورموز برلمانية تنتمي للطبقة السياسية التقليدية من أمثال، ميخائيل إليان وعدنان الأتاسي ومنير العجلاني وسامي كبارة.

لم تكن هذه المؤامرة هي الأخيرة، إنما كانت تتالى على البلاد بمعدل مؤامرة لكل فصل من السنة..

تم إجهاض المؤامرات المتتالية، بتلاحم القوى الحية في المجتمع في الشعب، والجيش، والمجلس النيابي، والحكومة. ليس بالمؤامرات وحدها، كانت تنشط القوى المضادة لمسيرة التقدم ومقاومة الهيمنة، بل ترادفت بالمناورات..

حاولت القوى التقليدية مد أصابعها إلى الجيش الذي كرس ذاته لردع فصول المؤامرات الدولية على البلاد وحماية النظام الديمقراطي الوطني، بيد أن العصيان العسكري في قطنا الذي قاده مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت قد قلب المعادلة، وحمى الجيش من العبث.

كنا كتلامذة وطلبة نراقب بكل اهتمام فصول المؤامرات، ونعلن بكل حزم إدانتها لنا.

من المؤكد لو قيض لمؤامرة من تلك المؤامرات، أن تظهر على السطح على مستوى الفعل، لتم إحباطها بالمقاومة الشعبية الضارية التي سيقودها الحزب وحلفاؤه.. كان السلاح بيد الشعب.

خرج الحزب وحلفاؤه أكثر قوة وأصبحت البلاد أكثر منعة. بينما تراجعت القوى السياسية التقليدية عن مسرح التأثير في الأحداث بسبب من غموض مواقفها وتورط بعض من رموزها في مسلسل المؤامرات على البلاد.  من دلائل تراجع دور الشريحة السياسية التقليدية، ما أظهرته الانتخابات التكميلية من فوز لمرشحي البعث وحلفائه.. حل هؤلاء مكان عدد من أعضاء المجلس النيابي المشتركين في المؤامرة..

أدى انفتاح سورية على الاتحاد السوفيتي الذي اتخذ بعداً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً إلى رعب الغرب..

أعوان الغرب خسروا مواقعهم واندحروا، بعد الفشل المتراكم للمؤامرات لقلب النظام الديمقراطي في البلاد..

في غمرة من ذلك، طلع الرئيس الأمريكي إيزنهاور، بمبدئه الشهير لإملاء الفراغ، تحت ذريعة كبح التسلل السوفيتي وإنقاذ سورية من الشيوعية.. شرع وزير خارجيته دالاس التنقل في دول المنطقة..

رفض أكرم الحوراني، نظرية الفراغ ومزاعم التسلل السوفيتي وقد قال ” إن ما يوجد فعلاً هو إرادة الشعب السوري في قتال الاستعمار حتى النهاية “.. [باتريك سيل في الصراع على سورية، ص 377]

استطاعت السياسة الأمريكية ربط الأردن في سياستها، بعد أن نظم الملك حسين انقلابه على الحكومة الوطنية بقيادة سليمان النابلسي.. كما ربطت حكومة كميل شمعون اللبنانية بها..

سورية في حصار من الجهات الأربع. كانت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية تندلع في كل مكان في أرض العرب، في سورية والأردن ولبنان..

كنا كتلامذة وطلبة في صفوفنا الدراسية، نعيش في آتون تلك المعركة الملتهبة بكل فصولها وشؤونها..

كان الشعار المركزي الذي ينطلق من حناجرنا، يرتفع عالياً مردداً أهزوجة معادية لنظرية الفراغ المعلنة في مبدأ إيزنهاور من بينها هذا القول ” دور على الفراغ براسك “.

لقد أثارت نظرية الفراغ لمن عاش فترتها..ـ سخرية العرب، كما صورتها ليلى بعلبكي في رواية – أنا أحيا – ” حيث تجلس بطلة الرواية في مقهى تراقب شاباً يقرأ صحيفة سياسية، فتتساءل ما إذا كان الحزب يملأ الفراغ في حياته ثم تضحك: لقد كانت كلمة فراغ كافية لتذكرها بالخطة الأمريكية التي تثير تعليقات في كل مكان.[ يذكرها باتريك سيل معلقاً على نظرية الفراغ، في تنويه في أسفل ص 377 ” لم تجعل نظرية الفراغ العرب غاضبين فقط وإنما أثارت ضحكهم.]   في غضون من ذلك، بدأت تباشير الإتحاد مع مصر، تلوح في الأفق خفاقة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى